أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسط

إذا اندلعت الحرب.. ستشتعل المنطقة: طهران ترسم خطوط المواجهة مع واشنطن

بعبارة حاسمة وواضحة لا تقبل التأويل والتفسير، ولا تستخدم الـ “قد” والـ “يمكن”، أعلن قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي الموقف الفاصل لمواجهة التهديدات الأمريكية، بأن عليهم أن يعلموا بأنه “إذا اندلعت حرب، فستكون حرباً إقليمية”. وإذا ما أردنا التمعن، فإن اللقاء بكل تفاصيله، من حضور الإمام الخامنئي الشخصي، وحضور فئات المؤمنين الواسع فيه، بالإضافة الى المواقف الصادرة من قائد الثورة الإسلامية ومن الحضور، كل هذا شكّل رداً قوياً وتحدياً غير مسبوق لأمريكا ورئيسها، الذين لم يتوانوا خلال الأيام والأسابيع السابقة، عن التصريح بأبشع صور الاستكبار والغطرسة، من خلال إطلاق التهديدات الفاشلة.

فعلى صعيد حقيقة الخلاف بين أمريكا وإيران. رأى الإمام الخامنئي أن “المسألة يمكن تلخيصها بكلمتين: أمريكا تريد ابتلاع إيران، بينما يقف الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية في وجه ذلك. فإيران بلد غني بالموارد مثل النفط والغاز والمعادن، ويمتلك موقعاً جغرافياً واستراتيجياً مهماً، مما يجعله هدفاً للقوى الطامعة. لقد كانت الولايات المتحدة تسيطر على إيران لنحو ثلاثين عاماً، تتحكم في النفط والسياسة والأمن والعلاقات الدولية. وبعد أن انتهى ذلك، تسعى لاستعادة نفوذها، لكن الشعب الإيراني يقف بثبات ويمنع ذلك. أما حديثهم عن حقوق الإنسان فهو مجرد ذرائع”.

أما على صعيد التهديدات بالحرب، فقال عنها الإمام الخامنئي بأنها “ليست جديدة؛ فقد كانوا دائماً يقولون إن “كل الخيارات مطروحة على الطاولة”، أي بما فيها الحرب. واليوم يكررون هذه التهديدات ويتحدثون عن إرسال حاملات طائرات وغيرها. لكن الشعب الإيراني لا يخاف من هذه التهديدات. نحن لا نبدأ بالعدوان ولا نريد مهاجمة أحد، لكن إذا تعرّضنا لعدوان فسيوجه الشعب الإيراني ضربة قوية. وينبغي للأمريكيين أن يعلموا أنه إذا اندلعت حرب، فستكون حرباً إقليمية”.

وفيما بتعلق بالأحداث الأخيرة التي وصفها بـ “الفتنة”. فقد اعتبرها الإمام الخامنئي “فتنة أمريكية وصهيونية، فـ”الذين خرجوا وأثاروا الشغب كانوا على فئتين: فئة من القادة المحرّضين، وفئة من العناصر التنفيذية و”العوام الرعاع”. كان أولئك القادة مدرَّبين؛ تلقّوا أموالاً وتدريباً، وتم تعليمهم كيف يتحرّكون، وكيف يهاجمون، وأين يهاجمون، وكيف يجمعون الشباب، وكيف يتحدثون معهم؛ كل ذلك دُرّس لهم. وقد أُلقي القبض على عدد كبير من هؤلاء القادة واعترفوا بهذه الأمور. وكانت هناك أيضاً مجموعة من الشباب المتحمّس الذي انجرف مع الضجيج وخرج إلى الشوارع؛ وهؤلاء لا توجد لدينا مشكلة كبيرة معهم. الفتنة كانت أمريكية؛ المخطط كان أمريكياً. وليس أمريكا فقط، بل صهيونياً أيضاً؛ فقد كان الكيان الصهيوني شريكاً”.

اللواء الموسوي يبيّن: عقيدتنا هجومية

وفيما يمكن اعتباره توضيحاً عسكرياً للموقف الإيراني الحازم والحاسم. أعلن رئيس الهيئة العامة لأركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم الموسوي، العديد من المواقف المهمة التي تقدّم إطاراً استشرافياً لما سيكون عليه رد الجمهورية الإسلامية، إذا ما اقدمت الولايات المتحدة على تنفيذ اعتدائها، حيث قال:

_أي خطأ بسيط من العدو سيفتح أيدينا للتحرك.

  • العالم سيرى وجهًا مختلفًا لإيران القوية، وعندها لن يكون أي أميركي في أمان، وستحرق نيران المنطقة أميركا وحلفاءها.
  • الذين يتحدثون عن حصار بحري، عليهم مراجعة دروس الجغرافيا والجيوبوليتيك إيران القوية والواسعة دولة غير قابلة للحصار.
  • بعد حرب الـ 12 يوم، أعدنا النظر في العقيدة الدفاعية وانتقلنا إلى عقيدة هجومية قائمة على عمليات خاطفة وممتدة، وباستراتيجيات عسكرية غير متناظرة وحاسمة.
  • تحركنا سيكون سريعًا وحاسمًا وخارج حسابات أميركا.
  • إيران لن تُظهر أدنى غفلة تجاه أعدائها.
  • نحن لا نفكر إلا في النصر، ولا نخشى الضجيج ولا الهيبة الظاهرية للعدو ونحن مستعدون تمامًا للمواجهة وتوجيه صفعة الانتقام.
  • لن يكون أي أمريكي في مأمن ونيران المنطقة ستحرق أمريكا وحلفاءها من الداخل.

إن مجمل هذه المواقف السياسية والعسكرية ترسم معادلة ردع واضحة المعالم، مفادها أن الجمهورية الإسلامية لم تعد تتعامل مع التهديدات بوصفها حرباً نفسية أو استعراض قوة، بل باعتبارها مقدمة محتملة لمواجهة شاملة ستعيد رسم موازين القوى في المنطقة. فالرسائل التي صدرت من أعلى هرم القيادة السياسية والعسكرية تؤكد أن زمن الضغوط الأحادية قد انتهى، وأن أي مغامرة عسكرية ضد إيران ستفتح أبواب صراع واسع تتداخل فيه الجبهات وتتساقط فيه رهانات الهيمنة الأمريكية.

وبينما تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها سياسة التهديد والضغط، تثبت إيران أنها لاعب مركزي يمتلك إرادة المواجهة وأدواتها، ما يجعل أي مواجهة مقبلة نقطة تحول تاريخية لن تقتصر نتائجها على ساحة واحدة، بل ستطال مجمل معادلات القوة والنفوذ في غربي آسيا والعالم.

النص الكامل لخطاب الإمام الخامنئي

أرحّب بجميع الإخوة والأخوات الأعزاء الذين أضفوا اليوم على هذه الحسينيّة البركة والنور بأنفاسهم الدافئة وحضورهم. سأعرض جملة واحدة بشأن الثاني عشر من بهمن، وهو يوم مهم، وجملة أخرى بشأن الفتنة التي وقعت قبل أسبوع أو أسبوعين — توضيحاً لطبيعة هذه الظاهرة وما الذي حدث فعلاً — كما سأقول كلمة قصيرة عن الولايات المتحدة. هذه هي النقاط التي دوّنتها لأعرضها على الإخوة والأخوات الأعزاء.

أمّا فيما يتعلّق بالثاني عشر من بهمن، فهو بحق يوم استثنائي. خلال العام توجد أيام تعلمون أن حدثاً ما وقع فيها، فتكون أياماً مهمّة وكبيرة، وتسجَّل في التاريخ بوصفها حادثة أو قضية مهمّة. لكن هناك أياماً يراها الإنسان أبعد من مجرّد التميّز أو كونها أحداثاً تاريخية؛ هذه أيام تصنع التاريخ. فالحدث الذي وقع فيها غيّر مسار حركة التاريخ وبدّله، ويوم الثاني عشر من بهمن من هذا القبيل.

لقد جاء الإمام إلى طهران وسط التهديدات؛ وسط التهديدات حقاً! أنتم أيها الشباب لم تشهدوا تلك الأيام. كانت هناك تهديدات من الولايات المتحدة، وتهديدات من النظام، وتهديدات من الإرهابيين. واتضح لاحقاً ما هي البرامج التي كانوا قد أعدّوها لمنع قدوم الإمام. وسط هذه التهديدات جاء الإمام إلى طهران بشجاعة وقوة، ودخلها، واستقبلته الأمة استقبالاً موحّداً مهيباً. ذلك الاستقبال الذي جرى للإمام في يوم الثاني عشر من بهمن لا نظير له — بحسب ما نعلم — في التاريخ ولا في زماننا هذا الذي ازدادت فيه الأعداد والإمكانات؛ لقد كان استقبالاً استثنائياً بالفعل.

دخل قائد عظيم وإمام إلى المجتمع، فاحتضنه المجتمع، وكان ذلك حدثاً مهماً. لكن الإمام لم يسمح لهذا الاستقبال غير المسبوق أن يتحوّل إلى مجرد مراسم شكلية. فمثل هذه الأحداث قد تكون أحياناً مجرد تشريفات؛ يأتون فيكرّمون شخصاً ما ثم يتفرّقون، فيذهب هو ويذهبون هم. لكن الإمام لم يسمح بأن يتحوّل هذا الحدث العظيم إلى مجرّد مراسم؛ فمنذ الساعة الأولى بدأ العمل.

أول خطوة قام بها الإمام كانت إعلان إسقاط النظام الملكي في يوم وصوله نفسه. فقد ألقى خطاباً في مقبرة بهشت زهرا أمام حشود مليونية، وأعلن إسقاط النظام الملكي — الذي قيل إنه يمتلك تاريخاً يمتد لآلاف السنين — وإقامة نظام جديد بخصائص مهمة وبارزة. وهذا النظام الجديد الذي بشّر به الإمام عند دخوله طهران في الثاني عشر من بهمن امتلك خصائص متعددة، وربما أشير إلى بعضها؛ لكن وفق ما قاله الإمام، كانت هناك خاصيتان أساسيتان ومحوريتان في هذا النظام:

الأولى هي تحويل الحكم الفردي الاستبدادي إلى حكم شعبي، وهو أمر بالغ الأهمية. فقد كان الشعب في البلاد بلا دور تقريباً؛ حتى الوزراء والحكومات كانوا بلا تأثير، إذ كانت كل الأمور تُطبخ وتُدار داخل منظومة واحدة، داخل البلاط. وقد تحوّل هذا الحكم إلى حكم شعبي، أي أن الشعب يعبّر عن رأيه ويختار ويقرّر.

الخاصية الثانية كانت تحويل المسار المعادي للدين الذي كان يحكم البلاد إلى مسار إسلامي وديني. وإذا قرأ أحد مذكرات رجال مرحلة البهلوي — التي كُتبت لاحقاً أو في حينها — فسيرى أنهم كانوا يدفعون إيران نحو منظومة معادية تماماً للدين، منظومة لا يظهر فيها أي أثر للإسلام أو الدين أو القرآن؛ وكانت البلاد تسير تدريجياً في هذا الاتجاه.

لقد غيّر الإمام هذا المسار بزاوية 180 درجة — وإن كان لا يمكن جعل البلاد متطابقة تماماً مع الدين دفعة واحدة — فأصبح الاتجاه دينياً، وتحركت البلاد تدريجياً نحو الدين. ولو أن المسؤولين أدّوا واجباتهم على النحو الصحيح، لكان ذلك قد تحقق حتى الآن، أي لكانت البلاد أصبحت دينية بالفعل. إن بعض الحكومات وبعض المسؤولين وبعض القادرين على العمل قصّروا؛ كان ينبغي أن يقوموا بأعمال ولم يفعلوا، وقاموا بأعمال لم يكن ينبغي أن يقوموا بها. ومع ذلك، استمر المسار نفسه الذي أسّسه الإمام، أي أننا تقدّمنا ضمن هذا المسار الديني والإسلامي.

وكان هناك أيضاً خاصية أخرى لهذا الحكم الجديد ذكرها الإمام في خطاباته، وكانت مهمة جداً ضمن تلك الخصائص، وأربكت قوى الاستكبار، وهي قطع يد الولايات المتحدة عن إيران. فقد أعلن الإمام منذ البداية إنهاء النفوذ والتدخل الأمريكي في إيران، وسأتطرّق في نهاية الحديث إلى ذلك بإيجاز. وهذه كانت إحدى الخصائص التي أربكت الأمريكيين. وما أربكهم وأزعجهم ودفعهم إلى العداء منذ اللحظة الأولى هو إعلان منع النفوذ والتدخل في بلادنا؛ فالبلاد ملك للشعب الإيراني، وهو الذي يجب أن يقرّر عبر ممثليه المنتخبين.

وفيما يتعلّق بالطابع الشعبي للثورة وللحكم — وهو من خصائص النظام الإسلامي — فإن ما فعله الإمام هو تعريف الشعب الإيراني بقدراته وقيمه. كان للإمام بيان مؤثّر، وكانت كلماته تصل إلى القلوب. لقد جعل الإمام الشعب الإيراني يدرك تماماً قدراته الكبيرة. إن عبارة “نحن نستطيع” كانت مهمة جداً. نحن الذين عشنا قبل الثورة — حتى أولئك الذين كانوا منخرطين في النضال — كنّا نعتقد فعلاً أن الإيرانيين لا يستطيعون فعل شيء! كانت فكرة “لا نستطيع” مسيطرة على عقول الناس. فجاء الإمام وقلب هذا المفهوم رأساً على عقب، وأعلن “نستطيع”. لقد عرّف الشعب بقيمه وقدراته.

لقد تحوّل الشعب الإيراني خلال عهدي البهلويين والقاجاريين إلى شعب مُهان. فإيران ذات التاريخ والحضارة والعلم والعلماء والمكتبات العظيمة تحوّلت منذ بدايات العصر القاجاري وحتى نهاية العهد البهلوي إلى شعب مُهان ومتخلّف؛ كنّا متأخرين في العلم والتكنولوجيا والسياسة. لم يكن لإيران أي تأثير في السياسات الإقليمية، ناهيك عن السياسات العالمية.

لقد ذكرتُ سابقاً حادثة مفادها أنه بعد الحرب العالمية الأولى دُعيت دول العالم إلى مؤتمر باريس لاتخاذ قرارات بشأن القضايا الدولية. فتوجّه وفد كبير من إيران إلى باريس للمشاركة، لكن لم يُسمح له بالدخول! بقي الوفد الإيراني ينتظر خارج القاعة أياماً عدة دون أن يُسمح له بالدخول. لقد أوصلوا إيران العظيمة والحضارية — التي كانت يوماً ما مصدر العلم والفلسفة — إلى هذا المستوى من الإهانة والصغر. في العلم والتكنولوجيا والسياسة ونمط الحياة والمكانة الدولية والقرارات الإقليمية، كان الشعب الإيراني خلال العهدين القاجاري والبهلوي متأخراً ومهاناً، دون اختراعات أو إنجازات كبرى أو حركات بارزة.

لقد جعل الإمام الشعب حساساً تجاه هذا التخلّف، ليشعر الناس بأن عليهم التساؤل: لماذا يجب أن نبقى متخلّفين؟ لماذا لا ننتج بأنفسنا ولا نصنع ولا نقدّم للعالم ولا يكون لنا صوت فيه؟ لقد أيقظ الإمام هذا الوعي لدى الشعب وأحيا فيه روح القدرة. لقد بثّ الإمام الثقة بالنفس في الشعب الإيراني. واليوم لم تعد تشعرون بالضعف أو الدونية أمام أي شعب أوروبي أو حتى أمام الولايات المتحدة. تقولون “نستطيع” وقد فعلتم ذلك بالفعل.

خلال هذه العقود الأربعة وما يزيد تحقّقت في هذا البلد إنجازات كبيرة لم يكن من الممكن حتى تخيّلها سابقاً. وهذا مستمر حتى الآن، رغم أن كثيراً من هذه الإنجازات يتم إخفاؤها، ورغم ضعف الدعاية لدينا.

فهناك اليوم آلاف الشركات التي يديرها شباب يعملون على مشاريع وأجهزة وإنجازات كبيرة. وقد تعجّب طلاب الجامعات عندما اطّلعوا على بعض الإنجازات الصناعية في أنحاء البلاد — وليس في طهران فقط — إذ لم يصدّقوا ما رأوه. من كان يصدّق أن يأتي يوم تصنع فيه إيران سلاحاً تقلّده الولايات المتحدة؟ لكن ذلك حدث فعلاً. لقد بثّ الإمام روح الثقة بالنفس وروح الأمل والطموح العالي في الشعب.

وكان الإمام نفسه مظهراً لهذا الأمل؛ لم يكن يرى أي مشكلة مستعصية. قال: “يجب تحرير خرمشهر”. كنّا هناك، وكانت خرمشهر محاصرة من كل الجهات، لكنه قالها بثقة تامة. قالها، فهبّ الشباب وبذلوا الجهد، وتحرّرت المدينة. لقد كان الإمام نموذجاً للأمل، وكان يقود الشعب نحو هذا الأمل. واليوم أيضاً، لولا وساوس الشياطين الخبيثة — من الداخل والخارج — التي تحاول إقناع الشباب الإيراني بأنه بلا أمل ولا مستقبل، لكان الوضع كذلك تماماً. لكن، رغم ذلك، فالشباب الإيراني يملك الأمل والمستقبل، وهو الذي يصنع المستقبل ويتقدّم.

لقد صنع الثاني عشر من بهمن يوم الثاني والعشرين من بهمن. فالعظمة التي يمثّلها يوم الثاني والعشرين من بهمن كانت نتيجة ليوم الثاني عشر من بهمن. فلو لم يكن قدوم الإمام، ولو لم يكن ذلك الاستقبال الشعبي العظيم، لما وقع يوم الثاني والعشرين من بهمن. كما أن يوم الجمهورية الإسلامية، الذي يوافق الثاني عشر من فروردين، هو أيضاً ثمرة لذلك اليوم، وكذلك إنجازات البلاد. إنه يوم مهم وصانع للتاريخ، ويجب ألا ننسى ذلك. وبفضل العناية الإلهية التي أحاطت بالإمام العظيم تحقق ذلك، ولا يزال مستمراً حتى اليوم. ومع ما حمله يوم الثاني عشر من بهمن من بركات، فقد حمل أيضاً عداء الولايات المتحدة، إذ أصبح عداؤها منذ ذلك اليوم أكثر علانية ووضوحاً، وسأشير إلى ذلك لاحقاً بكلمة موجزة. هذا ما يتعلّق بالثاني عشر من بهمن.

أمّا الفتنة الأخيرة؛ هذه الفتنة التي وقعت في الثامن عشر والتاسع عشر من شهر دي. أوّلاً، توصيفي لها أنها فتنة أمريكية وصهيونية. وقد قلتُ سابقاً في يوم آخر في هذا المجلس إن الذين خرجوا وأثاروا الشغب كانوا على فئتين: فئة من القادة المحرّضين، وفئة من العناصر التنفيذية و”العوام الرعاع”. كان أولئك القادة مدرَّبين؛ تلقّوا أموالاً وتدريباً، وتم تعليمهم كيف يتحرّكون، وكيف يهاجمون، وأين يهاجمون، وكيف يجمعون الشباب، وكيف يتحدثون معهم؛ كل ذلك دُرّس لهم. وقد أُلقي القبض على عدد كبير من هؤلاء القادة واعترفوا بهذه الأمور. وكانت هناك أيضاً مجموعة من الشباب المتحمّس الذي انجرف مع الضجيج وخرج إلى الشوارع؛ وهؤلاء لا توجد لدينا مشكلة كبيرة معهم. الفتنة كانت أمريكية؛ المخطط كان أمريكياً. وليس أمريكا فقط، بل صهيونياً أيضاً؛ فقد كان الكيان الصهيوني شريكاً. وعندما أقول “أمريكا”، فليس ذلك مجرد ادعاء، ولم يصلنا فقط عبر قنوات استخبارية سرّية معقّدة، وإن كنّا نملك معلومات عن كثير من التفاصيل، لكن ما يوضّح أن هذه الحركة كانت أمريكية هو تصريحات رئيس الولايات المتحدة نفسه؛ إذ كان يخاطب مثيري الشغب صراحةً ويصفهم بـ”شعب إيران”! فعندما خرج ملايين الناس في الثاني والعشرين من دي في طهران وسائر المدن لم يكونوا شعب إيران، لكن بضعة آلاف كانوا هم شعب إيران! وكان يقول لهم “تقدّموا، تقدّموا، أنا قادم!”; إذن، كانت فتنة أمريكية.

لاحظوا أن هذه الفتنة لم تكن الأولى التي تحدث في طهران، ولن تكون الأخيرة؛ ومن المحتمل أن نشهد مثل هذه الأحداث لاحقاً أيضاً. فهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. فنحن بلد يحمل فكراً جديداً ومساراً جديداً، ونحن في احتكاك وصدام مع مصالح المتجبّرين في العالم؛ لذلك يجب أن نبقى دائماً على استعداد. وإلى متى يستمر ذلك؟ إلى أن يصل الشعب الإيراني إلى مستوى من الثبات والصلابة والسيطرة على الأمور يجعل العدو ييأس؛ وسنصل إلى ذلك إن شاء الله.

قبل هذه الفتنة أيضاً شهدت شوارع طهران جرائم وأحداثاً مماثلة؛ ففي الثلاثين من خرداد عام 1981 هاجم المنافقون في هذه الشوارع عناصر التعبئة الشعبية بسكاكين قطع السجاد. لقد شهدنا كثيراً من هذه الوقائع؛ لم تكن هذه أولها ولن تكون آخرها. وفي جميع هذه الأحداث يمكن رؤية يد الأجانب، ولا سيما يد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

وبالطبع، في هذه الفتنة الأخيرة — وكذلك في الأحداث السابقة — قام المسؤولون، من قوى الأمن والتعبئة والحرس وغيرهم ممن تقع عليهم المسؤولية، بأداء واجبهم بالكامل. لكن الذي أخمد نار الفتنة فعلياً كان “الشعب”. فقد حدث ذلك هذه المرة، وحدث في عام 2009، وحدث في مناسبات أخرى أيضاً. فعندما يدخل الشعب إلى الساحة ويتخذ قراره، يخمد الحرائق ويحوّل اللهيب إلى رماد. وهذا ما حدث هذه المرة أيضاً. وإذا حدث مستقبلاً أمر مشابه، فإن الله سيبعث هذا الشعب لمواجهة الأحداث، وسيكون الشعب هو من يحسم الأمور.

كانت لهذه الفتنة عدة خصائص أود الإشارة إلى اثنتين أو ثلاث منها:

إحدى هذه الخصائص أن مثيري الشغب اختبأوا خلف الاحتجاجات السلمية التي قام بها التجّار. فقد جعلوا التجّار دروعاً بشرية لهم، كما يفعل بعض المجرمين في بعض المدن حول العالم عندما يضعون النساء والأطفال في الواجهة ويختبئون خلفهم. كان للتجّار مطالب واعتراضات، وقد خرج بعضهم إلى الشوارع وأغلقوا محالّهم — وقد قلتُ سابقاً إن مطالبهم كانت منطقية وصحيحة — لكن مثيري الشغب اختبأوا خلفهم كي لا يُكتشف أمرهم. غير أن التجّار كانوا واعين؛ فعندما أدركوا أن الأمر شغب وليس احتجاجاً سلمياً، وعندما رأوا الاعتداء على مراكز الشرطة، انفصلوا عنهم وتركوا مثيري الشغب وحدهم.

ومن الخصائص الأخرى أن هذه الفتنة كانت أشبه بانقلاب؛ إذ وصفها بعض المراقبين في العالم بأنها محاولة انقلابية. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الهدف كان تدمير المراكز الحساسة والمؤثرة في إدارة الدولة. فقد هاجموا الشرطة ومراكز الحرس الثوري وبعض المؤسسات الحكومية والبنوك من الناحية المادية، كما هاجموا المساجد والقرآن من الناحية المعنوية. وهذه المؤسسات هي التي تدير البلاد؛ والهجوم عليها يشكّل محاولة انقلاب.

ومن النقاط الأخرى المهمة أن التخطيط لهذه الفتنة جرى خارج البلاد، وليس داخلياً. صحيح أن بعض العناصر الداخلية أشعلت الشغب، لكن المخطط وُضع في الخارج. فقد كانت التعليمات تصدر من الخارج عبر تواصل القادة المحرّضين مع جهات خارجية، وكانوا يوجّهونهم حول ما ينبغي فعله وأين يهاجمون، مستخدمين وسائل مثل الأقمار الصناعية وغيرها للحصول على المعلومات وإرشادهم.

وقد علمتُ من مصدر ما أن أحد العناصر الأمريكية المؤثرة في الحكومة قال لنظيره الإيراني إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الموساد الإسرائيلي استخدما جميع إمكاناتهما في هذه الأحداث الأخيرة في إيران. وقد اعترف أمريكي بذلك، مؤكداً أن جهازين استخباريين رئيسيين دخلا الساحة بكامل طاقتهما ومع ذلك فشلا. إذن، المخطط كان خارجياً وكان يُدار من الخارج.

ومن خصائص هذه الفتنة أيضاً أن القادة المدربين كانوا مكلّفين بإيجاد قتلى لرفع عدد الضحايا. لم يكن لديهم عداوة شخصية مع بعض الضحايا، لكن كان لا بد من وقوع قتلى. لذلك كانوا يهاجمون المراكز الأمنية والعسكرية بأسلحة متطورة ليحدث ردّ فعل يسفر عن سقوط قتلى. ولم يكتفوا بذلك، بل كانوا يطلقون النار على بعض عناصرهم من الخلف أيضاً لزيادة عدد الضحايا. وقد نجحوا جزئياً في ذلك، رغم أن العدو كان يريد أعداداً أكبر. لكنه يبالغ في الأرقام، وهو أمر غير مستغرب منهم.

كان هدف العدو زعزعة أمن البلاد؛ لأن الأمن هو أساس كل شيء. فبدون الأمن لا يوجد إنتاج ولا تعليم ولا بحث علمي ولا تقدّم. والذين حافظوا على أمن البلاد لهم فضل عظيم على الجميع. ولو لم يكن الأمن قائماً لما استطاع الأطفال الذهاب إلى المدارس، ولا أصحاب المتاجر الذهاب إلى أعمالهم، ولا الباحثون إجراء أبحاثهم. لقد أرادوا وضع الشعب في مواجهة النظام، لكن الشعب أفشل ذلك، وخرج بالملايين في الثاني والعشرين من دي معلناً رفضه للفتنة. وعلى المسؤولين أن يقدّروا هذا الشعب حق قدره.

وأشير أيضاً إلى أن هذه الفتنة وقعت — سواء مصادفة أو عن تخطيط — في وقت كانت فيه الحكومة تعمل على إعداد حزمة اقتصادية لتحسين الأوضاع. ولا أستطيع الجزم إن كان توقيتها مصادفة أم مخططاً له.

ومن خصائص هذه الفتنة أيضاً العنف، الذي شبّهه بعنف تنظيم داعش. فمن الذي أنشأ داعش؟ لقد صرّح الرئيس الأمريكي الحالي خلال حملته الانتخابية الأولى بأن الولايات المتحدة أنشأت هذا التنظيم، كما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مذكراتها (يقصد الإمام الخامنئي هيلاري كلينتون) إن داعش أُنشئ للسيطرة على العراق وسوريا. وهذه الفتنة تشبه داعش في سلوكها؛ فداعش كانت تقتل الناس بتهمة عدم التدين، وهؤلاء يقتلون الناس بسبب تدينهم. لقد أحرقوا الناس أحياءً وخرّبوا الممتلكات وقطعوا الرؤوس، تماماً كما فعل داعش. كان العنف سمة أساسية لديهم.

وبما أنكم ذكرتم اسم أمريكا في شعاراتكم، فسأختم بالحديث عنها. ما حقيقة الخلاف بين أمريكا وإيران؟ أرى أن المسألة يمكن تلخيصها بكلمتين: أمريكا تريد ابتلاع إيران، بينما يقف الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية في وجه ذلك. فإيران بلد غني بالموارد مثل النفط والغاز والمعادن، ويمتلك موقعاً جغرافياً واستراتيجياً مهماً، مما يجعله هدفاً للقوى الطامعة. لقد كانت الولايات المتحدة تسيطر على إيران لنحو ثلاثين عاماً، تتحكم في النفط والسياسة والأمن والعلاقات الدولية. وبعد أن انتهى ذلك، تسعى لاستعادة نفوذها، لكن الشعب الإيراني يقف بثبات ويمنع ذلك. أما حديثهم عن حقوق الإنسان فهو مجرد ذرائع.

أما التهديدات بالحرب، فليست جديدة؛ فقد كانوا دائماً يقولون إن “كل الخيارات مطروحة على الطاولة”، أي بما فيها الحرب. واليوم يكررون هذه التهديدات ويتحدثون عن إرسال حاملات طائرات وغيرها. لكن الشعب الإيراني لا يخاف من هذه التهديدات. نحن لا نبدأ بالعدوان ولا نريد مهاجمة أحد، لكن إذا تعرّضنا لعدوان فسيوجه الشعب الإيراني ضربة قوية. وينبغي للأمريكيين أن يعلموا أنه إذا اندلعت حرب، فستكون حرباً إقليمية.

المصدر: موقع الخنادق الالكتروني

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق