أخبار العالمأوروبا

أوهام النفوذ في المياة المغلقة: تفكيك دعاوي التمدد الأوروبي في البحر الأسود

لا يمكن قراءة القرار الأخير الصادر عن البرلمان الأوروبي والذي يحثّ فيه على إطلاق عملية بحرية داخل حوض البحر الأسود تحت ذريعة “تأمين الملاحة وحماية سلال الغذاء” بعيداً عن أزمة العجز التكتيكي التي تعاني منها بروكسل في إدارة الصراع على تخومها الشرقية. إن القراءة السريعة لنص التوصية تكشف عن محاولة جديدة لترجمة الانحياز السياسي إلى سياسات أمنية، لكنها في جوهرها تصطدم بصلابة الجغرافيا ومعادلات القوة البحرية التي لا تُدار بالبيانات الإنقائية.

الهندسة الأمنية لبروكسل: تسليح الممرات وتوظيف الأزمات

تسعى القوى الأوروبية إلى إعادة صياغة تواجدها في البحر الأسود من خلال مدخل إنساني يتصل بالأمن الغذائي ودعم صادرات الحبوب. غير أن التتبع الدقيق لتدفقات الشحن يُظهر أن الرهان الحقيقي لبروكسل يتجاوز ملف الغذاء إلى محاولة خلق شريان آمن للإمداد اللوجستي والعسكري المتجه شرقاً، وفرض مظلة حماية غربية على شبكات الموانئ التي أصبحت عماد القدرة على الصمود.

تجلّت هذه النية في محاولة إلصاق مسؤولية الحوادث البحرية الأخيرة — من استهداف لبعض سفن البضائع قبالة سواحل بلغاريا ورومانيا — بالجانب الروسي بشكل مسبق وقبل اكتمال أي تحقيق تحليلي أو تقني. وتُبرز الضغوط التي مارسها البرلمان الأوروبي على حكومة صوفيا لمجرد أنها تمسّكت بحد أدنى من التحفظ والحياد الفني، حجم الرغبة في إخضاع الوقائع الميدانية للمقتضيات السياسية، وتحويل البحر الأسود من مسرح للتحقيق المستقل إلى منصة للاتهام السياسي المباشر.

اصطدام بالواقع القانوني: عقدة “مونترو” والتوازنات الإقليمية

بعيداً عن الأبعاد السياسية، تصطدم أي حركة أوروبية نحو تشكيل قوة بحرية في البحر الأسود بحائط قانوني واستراتيجي سميك تُشكّله اتفاقية “مونترو” لعام 1936. تمنح هذه الاتفاقية أنقرة صلاحيات حصرية ومطلقة في التحكم بمضيقي البوسفور والدردنيل، وتفرض قيوداً صارمة على حمولة ومدة إقامة السفن الحربية التابعة للدول غير المطلة على البحر.

إن الموقف التركي الحاسِم في تمسكه ببنود الاتفاقية وإغلاق المضايق أمام القطع العسكرية أثناء الصراعات لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل هو خط دفاع أمني يمنع تحويل البحر الأسود إلى بحيرة للمواجهة المباشرة بين الناتو وروسيا. ومن ثمّ، فإن دعوات البرلمان الأوروبي تفتقر إلى أدوات التنفيذ الميداني؛ إذ لا تملك بروكسل ولا حلف الناتو الآلية القانونية التي تسمح بإدخال أساطيل حربية دون صدام مباشر مع الإرادة السياسية لأنقرة، وهو ما يجعل التوصيات الأوروبية أقرب إلى الملاسنات الإعلامية منها إلى الخطط الميدانية القابلة للتحقق.

مخاوف التصعيد واستنزاف الجناح الشرقي

إن الزج بقطع بحرية أو طائرات مسيرة تابعة لدول الاتحاد الأوروبي في منطقة عمليات مشحونة بالغموض والتهديدات الهجين — مثل الألغام البحرية السائبة والتشويش الإلكتروني المتبادل — يرفع احتمالات وقوع “خطأ تكتيكي” أو احتكاك غير محسوب إلى مستويات غير مسبوقة.

بدلاً من تقديم استراتيجية واقعية لخفض التصعيد، تعكس توجهات البرلمان الأوروبي رغبة في العروب إلى الأمام؛ حيث تُخفي النبرة الهجومية ضد موسكو حقيقة التخبط في التعامل مع الجناح الشرقي للحلف. فالاستثمار في تعزيز أنظمة الإنذار المبكر في رومانيا وبلغاريا، وإن كان يُقدّم في قالب دفاعي، يسهم في الواقع في تحويل شواطئ البحر الأسود الغربية إلى رأس جسر عسكري متقدم، مما يدفع الطرف الآخر بالضرورة إلى اتخاذ تدابير مضادة تُفاقم من حالة عدم الاستقرار الشامل في حوض الملاحة الإقليمي.

خلاصة

إن القرار الصادر عن البرلمان الأوروبي ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة المحاولات الغربية للالتفاف على الواقع الجغرافي والقانوني في البحر الأسود. إن التعاطي مع الأمن البحري عبر فرض سرديات سياسية أحادية، وتجاهل حقوق ومواقف الدول المحورية بالمنطقة، واختزال خطوط الملاحة في مجرد ساحة للمواجهة النفعية، لن يؤدي إلا إلى إغلاق منافذ الحل السياسي وتعميق حالة الانقسام الأمني في شرق أوروبا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق