ألكسندر دوغين في أكتوبر 2026: “الدولة–الحضارة” وإعادة تعريف الصراع على النظام الدولي

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 07-10-2026
مقدمة
تكتسب تصريحات ألكسندر دوغين خلال أكتوبر 2026 أهمية تتجاوز مضمونها المباشر، ليس لأنها تمثل بالضرورة موقفاً رسمياً روسياً، وإنما لأنها تكشف عن استمرار تطور تيار فكري روسي ينظر إلى التحولات الدولية الحالية باعتبارها انتقالاً عميقاً في بنية النظام العالمي، وليس مجرد خلاف سياسي أو أمني بين روسيا والغرب.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في تركيز دوغين على مفاهيم مثل “الدولة–الحضارة”، والسيادة الحضارية، وتعدد مراكز القوة، ورفض فكرة وجود نموذج سياسي أو ثقافي واحد يصلح مرجعاً لجميع المجتمعات. وفي كتابه الصادر عام 2026 بعنوان “الدولة–الحضارة”، يطرح دوغين هذا المفهوم باعتباره صيغة تتجاوز نموذج الدولة القومية التقليدية، ويربط ظهوره بتشكل نظام دولي متعدد الأقطاب والحضارات.
وعليه، فإن أهمية متابعة دوغين لا تكمن في البحث عن “تنبؤات” تصدر عنه، وإنما في فهم البنية الفكرية التي يستخدمها لتفسير التحولات الروسية والدولية، وما تكشفه هذه البنية عن اتجاهات أوسع في التفكير الجيوسياسي الروسي.
ماذا يقول دوغين في أكتوبر 2026؟
في 6 أكتوبر، ركز دوغين في حديث له على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، معتبراً أن ما يثير قلق خصوم روسيا هو قدرة القيادة الروسية على الدفاع عن المصالح الروسية وتعزيز مكانة الدولة. ووصف بوتين بأنه “حاكم روسي حقيقي”، وربط ذلك بقدرته، وفق تصوره، على حماية الشعب الروسي وتعزيز الدولة.
وفي اليوم نفسه، تحدث دوغين عن “المهمة التاريخية” للقائد الأعلى للدولة، معتبراً أن وظيفة القيادة لا تقتصر على الصفات الشخصية، وإنما تتمثل في قيادة الدولة إلى الأمام، والحفاظ على الاستمرارية، ومنح المجتمع تصوراً للمستقبل. وقد ربط هذه الوظيفة مباشرة ببوتين.
هذه التصريحات تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بشخص الرئيس الروسي، لكنها تصبح أكثر وضوحاً عند وضعها داخل الإطار الفكري العام لدوغين. فهو لا ينظر إلى الدولة باعتبارها مجرد جهاز إداري، ولا إلى القيادة باعتبارها وظيفة مؤقتة، وإنما يربطهما بمسألة أوسع تتعلق ببقاء الكيان الحضاري وقدرته على الحفاظ على استقلاله وتحديد مساره التاريخي.
ومن هذه الزاوية، فإن حديثه عن بوتين يعكس تصوراً للسلطة السياسية بوصفها أداة لحماية “الموضوع الحضاري” الروسي، وليس فقط إدارة الدولة في معناها التقليدي.
“الدولة–الحضارة” هي المفتاح لفهم موقف دوغين
التحول الأهم في فكر دوغين خلال السنوات الأخيرة يتمثل في انتقاله من التركيز على روسيا باعتبارها قوة كبرى داخل النظام الدولي إلى النظر إليها باعتبارها “دولة–حضارة” لها فضاؤها التاريخي والثقافي والسياسي الخاص.
وفي كتابه “الدولة–الحضارة” الصادر عام 2026، يشرح دوغين أن المفهوم جاء استجابة للحاجة إلى تفسير عالم لم تعد فيه الدولة القومية، بصيغتها التقليدية، كافية لفهم موازين القوة الجديدة. ويضع روسيا والصين والهند والعالم الإسلامي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ضمن فضاءات حضارية يمكن أن تتحول إلى أقطاب مستقلة في النظام الدولي.
المهم هنا أن “الدولة–الحضارة” عند دوغين ليست مجرد دولة كبيرة ذات اقتصاد قوي وجيش متقدم. القطب، وفق هذا التصور، يحتاج إلى قاعدة حضارية تمنحه القدرة على إنتاج تصور خاص للسيادة والهوية والنظام السياسي والعلاقات الدولية.
وهذا يفسر أيضاً رفضه لفكرة أن يكون العالم مجرد مجموعة من الدول التي تتنافس داخل قواعد موحدة. فالمشكلة، في قراءته، ليست فقط في توزيع القوة بين الدول، وإنما في الجهة التي تمتلك حق تحديد القواعد والمعايير التي تحكم النظام الدولي.
روسيا في التصور الدوغيني ليست “قطباً ضد الغرب” فقط
من الخطأ اختزال فكر دوغين في عبارة “روسيا ضد الغرب” هذه الثنائية موجودة بقوة في خطابه، لكنها لا تستوعب كامل مشروعه.
ففي التصور الذي يقدمه، روسيا تمثل أحد الأقطاب الحضارية الكبرى، لكن وجودها كقطب لا يفترض أن تكون جميع القوى الأخرى تابعة لها. الصين، مثلاً، تظهر في كتاباته كحضارة مستقلة تمتلك مشروعها الخاص ومصالحها وسيادتها. وينطبق الأمر، بدرجات مختلفة، على الهند والعالم الإسلامي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وفي مادة منشورة على موقعه حول الجغرافيا السياسية للعالم المتعدد الأقطاب، يحدد دوغين مجموعة من الأقطاب تشمل روسيا–أوراسيا، والصين، والعالم الإسلامي، والهند، وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، مع رفض احتكار أي قوة واحدة لتعريف النظام الدولي.
وهذه نقطة مهمة في قراءة الموقف الروسي من داخل المدرسة الدوغينية: الهدف النظري ليس إقامة ثنائية جديدة تحل محل الثنائية السابقة، بل الانتقال إلى نظام تتوزع فيه مراكز القرار بين كيانات حضارية متعددة.
الصين ليست “حليفاً تابعاً” في النظرية الدوغينية
تحتاج العلاقة مع الصين إلى قراءة دقيقة، لأن تقديمها باعتبارها مجرد شريك لروسيا في مواجهة الولايات المتحدة يختزل الفكرة التي يطرحها دوغين.
في نصوصه المنشورة عام 2026، يتعامل دوغين مع الصين باعتبارها قوة حضارية تمتلك إرادة سياسية واقتصادية مستقلة، ويرى أن قوتها تكمن تحديداً في قدرتها على استخدام أدوات النظام الدولي دون فقدان السيطرة على مسارها الداخلي. كما يضع الصين في صلب عملية الانتقال إلى تعدد مراكز القرار الدولي.
وهذا يعني أن العلاقة الروسية–الصينية، في القراءة الدوغينية، ليست بالضرورة مشروع اندماج بين دولتين في كتلة واحدة، وإنما جزء من بنية أوسع تقوم على وجود أكثر من مركز حضاري قادر على ممارسة الاستقلال الاستراتيجي.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ومشروعات التكامل الأوراسي وغيرها من الأطر التي يربطها دوغين بعملية إعادة تشكيل النظام الدولي. وفي كتابه الجديد، يذكر بريكس وشنغهاي و”أوراسيا الكبرى” و”الحزام والطريق” ورابطة آسيان والاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرها باعتبارها تعبيرات مؤسسية مختلفة عن عملية تشكل عالم متعدد المراكز.
ما الذي يعنيه رفض “العالم الواحد”؟
المواجهة الأساسية في فكر دوغين ليست، في جوهرها، بين روسيا والولايات المتحدة فقط، وإنما بين تصورين للنظام الدولي.
التصور الأول يقوم على وجود منظومة عالمية ذات قواعد وقيم ومعايير عامة، بينما يقوم التصور الثاني على تعدد الحضارات وحق كل منها في بناء نظامها السياسي والثقافي وتحديد مصالحها وفق ظروفها الخاصة.
ولهذا يرفض دوغين فكرة “العالمية” عندما تتحول إلى وسيلة لفرض نموذج حضاري واحد. وفي نظريته للعالم المتعدد الأقطاب، يؤكد أن الحضارات ليست مجرد وحدات ثقافية، بل كيانات سياسية يمكن أن تصبح فاعلاً مستقلاً في النظام الدولي.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن هذه الفكرة تحمل نتيجة مهمة: إذا أصبح العالم مجموعة من “الدول–الحضارات”، فإن التنافس لن يدور فقط حول الأراضي أو الموارد أو الأسواق، وإنما حول من يملك القدرة على تحديد المجال الذي يتحرك داخله كل قطب، ومن يضع قواعد التعامل بين هذه الأقطاب.
الحرب الروسية–الأوكرانية في السياق الأوسع
ينظر دوغين إلى الحرب الروسية–الأوكرانية ضمن إطار أوسع من حدود الصراع العسكري المباشر. وفي كتاباته المتعلقة بالجغرافيا السياسية والحرب، يربط الحرب بالتحول في طبيعة النظام الدولي وبالصراع على اتجاه النظام العالمي، لكن من الضروري هنا عدم الخلط بين تحليل دوغين وبين توصيف رسمي للحرب من جانب الدولة الروسية.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يستخدم دوغين تعبيرات شديدة الاتساع مثل “الحرب العالمية” أو الصراع الحضاري. فهذه المصطلحات ينبغي قراءتها داخل قاموسه النظري، الذي يوسع مفهوم الصراع من الحرب العسكرية إلى التنافس السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي على شكل النظام الدولي.
ماذا تكشف عودة مفهوم “الحضارة” إلى مركز الخطاب؟
اللافت في مشروع دوغين الحالي أن مفهوم الحضارة لم يعد مجرد خلفية فلسفية، بل أصبح أداة لتفسير السياسة الدولية وهذا التحول له دلالته. فالدولة القومية التقليدية تفترض أن السيادة مرتبطة بحدود سياسية ومؤسسات وطنية. أما “الدولة–الحضارة” فتضيف إلى ذلك عمقاً تاريخياً وثقافياً وجغرافياً، بحيث تصبح الدولة مركزاً لفضاء أوسع من حدودها القانونية.
ولا يعني ذلك تلقائياً أن كل دولة كبيرة تتحول إلى “”حضارة” أو أن العالم أصبح بالفعل منظومة دول–حضارات. فهذا جزء من التقدير النظري لدوغين، وليس حقيقة مكتملة يمكن إثباتها بمجرد ظهور المصطلح في كتاباته.
لكن انتشار هذا المفهوم في الأدبيات الروسية وفي الخطاب السياسي حول التعددية القطبية يستحق المتابعة، لأنه يوفر إطاراً تفسيرياً مختلفاً للعلاقات بين روسيا والصين والهند والعالم الإسلامي وأفريقيا وغيرها.
التقدير الاستراتيجي
المؤشر الأهم في خطاب دوغين خلال أكتوبر 2026 ليس التصريح المتعلق ببوتين بحد ذاته، وإنما استمرار وضع القيادة الروسية داخل تصور تاريخي وحضاري أوسع يمكن تسجيل أربعة استنتاجات رئيسية:
1- أن دوغين يربط شرعية القوة الروسية بقدرتها على حماية الاستقلال الحضاري للدولة، وليس فقط بحجم القوة العسكرية أو الاقتصادية.
2- أن مفهوم “الدولة–الحضارة” أصبح أحد المفاتيح المركزية لفهم مشروعه الفكري، وهو مفهوم يتجاوز فكرة الدولة القومية من دون أن يعني بالضرورة إلغاء الدولة.
3- أن الصين والهند والعالم الإسلامي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تظهر في هذا التصور باعتبارها مراكز حضارية محتملة، وليست مجرد ساحات تنافس بين موسكو والغرب. وهذا يعطي مفهوم التعددية القطبية لدى دوغين بعداً أوسع من التحالفات الثنائية.
4- أن الصراع في رؤية دوغين يتجه تدريجياً من سؤال “من ينتصر في مواجهة محددة؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “من يمتلك القدرة على تشكيل قواعد النظام الدولي الجديد؟”.
وهنا تكمن القيمة التحليلية لمتابعة خطابه. فدوغين لا يقدم بالضرورة خريطة دقيقة للسياسة الروسية الرسمية، لكنه يقدم إطاراً فكرياً لفهم أحد الاتجاهات التي تنظر إلى التحولات الدولية باعتبارها انتقالاً من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة التعدد الحضاري.
الخلاصة
تُظهر تصريحات ألكسندر دوغين في أكتوبر 2026 استمراراً واضحاً في بناء رؤية تعتبر روسيا أكثر من دولة كبرى داخل النظام الدولي؛ فهي، في تصوره، “دولة–حضارة” تسعى إلى الحفاظ على استقلالها التاريخي والسياسي والثقافي، في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الرؤية لا تكمن في تحويل دوغين إلى ناطق باسم الدولة الروسية، بل في قراءة مشروعه باعتباره جزءاً من النقاش الروسي حول طبيعة النظام الدولي المقبل.
والأهم أن دوغين لا يطرح الصين أو الهند أو العالم الإسلامي أو أفريقيا بوصفها مجرد أطراف في صراع روسي–غربي، وإنما يضعها ضمن تصور أوسع لعالم متعدد الحضارات، لكل قطب فيه حق امتلاك مشروعه ومجاله ومفهومه للسيادة.
وبذلك، فإن التحول الذي يصفه دوغين لا يتعلق فقط بتغير ميزان القوة بين روسيا والغرب، وإنما بإعادة تعريف السؤال نفسه: هل يتجه النظام الدولي إلى مجرد تعدد القوى داخل قواعد واحدة، أم إلى تعدد المراكز الحضارية التي تسعى كل منها إلى امتلاك مساحة أكبر في صياغة قواعد النظام العالمي؟
هذا السؤال هو الذي يعطي خطابه الحالي قيمته الاستراتيجية، وهو أيضاً ما يجعل متابعة تطور مفهوم “الدولة–الحضارة” أكثر أهمية من متابعة التصريحات اليومية المنفصلة.



