اختناق غذائي في السودان.. فتّش عن إغلاق المعابر

قسم الاخبار الدولية 17-10-2026
أحدث قرار تعليق عبور الشاحنات التجارية بين السودان ومصر ارتباكاً واسعاً في حركة نقل البضائع بين البلدين، وسط مخاوف من تعطل إمدادات السلع الغذائية وارتفاع الأسعار في الأسواق السودانية. وتوقع تجار ومستوردون سودانيون أن يؤدي توقف الشحن عبر المعابر البرية إلى تجميد تدفق الخضروات والفواكه والمواد المصنعة القادمة من مصر، ما يفاقم نقص السلع الأساسية ويزيد الأعباء المعيشية، في ظل اعتماد السوق السودانية على الواردات لتلبية جانب من احتياجاتها منذ اندلاع الحرب في إبريل/نيسان 2023
وتزامن تعليق حركة الشاحنات مع احتجاجات وإغلاق في محيط معبري أرقين وأشكيت، بعدما أعلن العاملون في قطاعات النقل والتخليص الجمركي والشحن والتفريغ وأصحاب شركات الترحيلات إضراباً شاملاً واعتصاماً مفتوحاً، أفضيا إلى إغلاق الحظيرة الجمركية والطريق المؤدي إلى معبر أشكيت الحدودي. ويحتج المشاركون على حزمة قرارات اقتصادية أقرتها الحكومة السودانية في إبريل/نيسان الماضي، تتعلق بقيود الاستيراد والرسوم المفروضة على الأنشطة التجارية.
وعلّقت السلطات المصرية عبور الشاحنات المتجهة إلى السودان عبر ميناء قسطل البري إلى حين صدور توجيهات جديدة، في ظل اضطرابات حركة النقل والتجارة عند الحدود. وأصدر مدير عام ميناء قسطل، العميد عصام فاروق القطب، القرار استناداً إلى تعليمات من رئاسة الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة، على خلفية التطورات في الجانب السوداني، ولا سيما في الولاية الشمالية، وتأثيرها على حركة التبادل التجاري مع ميناء أشكيت
وبموجب القرار، يتعين إبقاء الشاحنات المتجهة إلى قسطل في موقف تابع لمجلس المدينة، ومنع نقلها عبر العبارات إلى حين صدور تعليمات جديدة. ويستثني الإجراء الحافلات والسيارات الخاصة والميكروباصات والمسافرين الأفراد، الذين يُسمح لهم بالعبور
وفي خطوة منفصلة، أعلنت نقابة سائقي الشاحنات المصرية وقف حركة الشاحنات من السودان وإليه حتى إشعار آخر، من دون تحديد موعد لاستئنافها، عازية قرارها إلى ضرورة استقرار الأوضاع وضمان سلامة السائقين والمركبات على الطرق. ووصف مسؤول في سلطة جمارك أرقين، فضّل حجب هويته، إغلاق المعبر أمام الحركة التجارية وإضراب العاملين في الحظيرة الجمركية بأنهما تطوران خطيران يستوجبان معالجة عاجلة من السلطات، نظراً إلى أهمية المعبر في الإيرادات الجمركية وحركة التبادل التجاري
وقال المسؤول لـ”العربي الجديد” إن السودان بات يعتمد بدرجة كبيرة على هذا المنفذ في حركة الصادرات والواردات، خصوصاً بعدما توقفت معابر برية أخرى مع دول الجوار لأسباب متعددة. وأضاف أن الحكومة كثفت في الفترة الأخيرة جهود تطوير البنية التحتية في أرقين، ليكون منفذاً رئيسياً لواردات السلع الأساسية وصادرات المحاصيل ومنتجات أخرى، محذراً من أن استمرار الأزمة سيضر بالمواطنين والخزانة العامة على حد سواء. ولم تصدر الحكومة السودانية تعليقاً على إغلاق الحظيرة الجمركية والطريق المؤدي إلى معبر أشكيت وإضراب العاملين، رغم مرور ثلاثة أيام على بدء التحرك الاحتجاجي
من جهته، قال مخلّص الجمارك محيي الدين أبو بكر لـ”العربي الجديد” إن الإضراب سيستمر ما لم تستجب الحكومة لمطالب المحتجين، محذراً من مخاطر إغلاق الحظيرة الجمركية، خصوصاً مع وجود شاحنات محملة ببضائع، بينها مواد غذائية معرضة للتلف بفعل ارتفاع درجات الحرارة وطول فترة الانتظار
وقال المستورد عمر الزين إن عمليات الشحن البري ونقل البضائع توقفت تماماً عقب القرار، ما تسبب في تكدس الشاحنات وتعطيل التزامات التجار والمصدرين. بدوره، حذّر التاجر إسماعيل ياسين من أن نقص السلع الأساسية سيؤدي إلى ارتفاع أسعارها وتراجع توافرها في الأسواق، مع احتمال لجوء التجار إلى التخزين والبحث عن مسارات بديلة أكثر كلفة
وتوقع سائق الشاحنات الزين بابكر، في حديثه لـ”العربي الجديد”، تكبد خسائر مالية كبيرة إذا استمر الوضع على حاله، تشمل شركات النقل والاستيراد، فضلاً عن احتمال تلف بعض البضائع، ولا سيما المواد الغذائية. ويكتسب الإغلاق أهمية إضافية نظراً إلى الدور الذي تؤديه حركة النقل والتجارة والتخليص الجمركي في النشاط الاقتصادي بمدينة وادي حلفا. ويثير استمرار الإضراب مخاوف من تعطل المعاملات التجارية وتضرر العاملين في القطاعات المرتبطة بالمعابر، وسط دعوات إلى تدخل عاجل وفتح حوار مع المحتجين لاحتواء الأزمة
ويطالب المحتجون بإلغاء حظر استيراد عدد من السلع، والتراجع عن قرار وقف الاستيراد الشخصي، ومراجعة السياسات التي قيّدت دخول بعض المنتجات، معتبرين أنها رفعت الأعباء المالية على المواطنين وأصحاب الأعمال وأثرت سلباً على النشاط الاقتصادي في المنطقة الحدودية. كما يدعون إلى خفض الجبايات والرسوم المفروضة على قطاعات النقل والتجارة والتخليص الجمركي، بما يخفف تكاليف حركة البضائع والمعيشة. وكان مدير قوات الجمارك قد افتتح الحظيرة الجمركية في معبر أرقين في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بهدف تبسيط الإجراءات وتسهيل حركة التجارة وعبور السلع والبضائع
وفي سياق متصل، باشرت الغرفة القومية للمستوردين السودانيين إجراءات قانونية لمناهضة قرار حظر السلع، على المستويين الاقتصادي والقانوني. وقال رئيس الغرفة الصادق جلال لـ”العربي الجديد” إن القرار يحتاج إلى مراجعة شاملة وإلغاء، لا إلى الاكتفاء برفع الحظر عن بعض السلع، مشيراً إلى انعكاساته على أسعار الصرف وأسعار المواد الغذائية. وسبق أن رفعت هيئة الجمارك مذكرة إلى مجلس الوزراء تطالب فيها برفع الحظر عن الأرز والفول المصري وسلع أخرى.
وكان مجلس الوزراء السوداني قد أصدر في إبريل/نيسان 2026 قراراً بحظر استيراد قائمة من السلع المصنفة كمالية أو غير ضرورية، بدأت بـ46 سلعة قبل تقليصها إلى 34 سلعة وإجراء تعديلات عليها. واستهدف القرار تقليص الطلب على النقد الأجنبي والحد من تدهور سعر صرف الجنيه السوداني. وشملت القائمة الأرز والفول المصري والأسمنت والعطور والشعر المستعار والأثاث والسجاد والملابس الجاهزة والسيراميك والرخام واللحوم المصنعة ومنتجات الألبان الجاهزة، باستثناء ألبان الأطفال، فضلاً عن المشروبات الغازية والعصائر والمياه المعدنية
في المقابل، قالت وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب، في تصريحات صحافية الأسبوع الماضي، إن قرارات الحظر تستهدف حماية الصناعة الوطنية وتشجيع الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل ودعم جهود إعادة الإعمار. وأشارت إلى أن القرار يخضع للمراجعة المستمرة، وأن الحظر قد يُستبدل بزيادة التعرفة الجمركية على بعض السلع بالتنسيق مع الجهات المعنية. وأضافت أن القرار أسهم، بحسب تقديرها، في مضاعفة إنتاج بعض المصانع التي كانت تعمل بطاقات متدنية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن تلقي طلبات من مستثمرين لإنشاء مشروعات صناعية لإنتاج سلع مشمولة بالحظر
وتضع الأزمة السلطات السودانية أمام تحدي الموازنة بين تقليص الطلب على النقد الأجنبي وحماية الإنتاج المحلي من جهة، وضمان انسياب السلع الأساسية وعدم تحميل المستهلكين أعباء إضافية من جهة أخرى، في وقت يهدد فيه تعطل المعابر بتعميق اختناقات الإمدادات ورفع كلفة التجارة



