الاتحاد الأوروبي يعزز تعاونه مع شرق ليبيا في ملف الهجرة بتمويل إضافي

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم الاخبار الدولية 14-10-2026
أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي وقّع اتفاقاً لتمويل إضافي بقيمة 25 مليون يورو لتوسيع التعاون مع شرق ليبيا في مجال إدارة الهجرة، في خطوة تعكس توجهاً أوروبياً نحو تعزيز التنسيق مع السلطات المسيطرة على المنطقة للحد من الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط. ويأتي هذا التمويل في سياق توسيع الشراكة الأوروبية الليبية لتشمل مناطق تقع خارج نطاق الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، بما يعكس الأهمية المتزايدة التي توليها بروكسل للمسارات التي تنطلق منها رحلات المهاجرين نحو السواحل الأوروبية.
ويستهدف التمويل الجديد دعم إدارة الحدود وعمليات البحث والإنقاذ ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين، إلى جانب تعزيز القدرات المحلية المرتبطة بمراقبة التحركات البحرية. كما تشمل الخطط الأوروبية العمل على إنشاء مركز لتنسيق عمليات الإنقاذ البحري في بنغازي، بما يسمح بتوسيع نطاق التعاون العملياتي مع الجهات الموجودة في شرق ليبيا. ويأتي هذا التحرك في ظل تزايد الاهتمام الأوروبي بالمنطقة الشرقية، بعدما برزت باعتبارها إحدى المناطق التي تنطلق منها رحلات الهجرة عبر البحر المتوسط باتجاه أوروبا.
توسيع التعاون الأوروبي خارج نطاق طرابلس
يحمل الاتفاق أبعاداً سياسية تتجاوز مسألة تمويل برامج إدارة الهجرة، إذ يعكس استعداد الاتحاد الأوروبي لتوسيع تعامله العملي مع السلطات القائمة في شرق ليبيا، رغم اعترافه الرسمي بالحكومة الموجودة في طرابلس. وتسيطر القوات التابعة للمشير خليفة حفتر على أجزاء واسعة من شرق البلاد، الأمر الذي يجعل التعاون معها ذا أهمية ميدانية بالنسبة إلى بروكسل في سعيها إلى الحد من انطلاق المهاجرين من السواحل الليبية.
وتكشف هذه الخطوة عن معادلة معقدة تحكم السياسة الأوروبية تجاه ليبيا، حيث تسعى المؤسسات الأوروبية إلى الحفاظ على دعم المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، مع توسيع الاتصالات العملية مع الجهات التي تمتلك نفوذاً فعلياً على الأرض. وفي ملف الهجرة تحديداً، تصبح القدرة على تنفيذ إجراءات المراقبة والاعتراض والإنقاذ عاملاً مؤثراً في تحديد الجهات التي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى التعاون معها، حتى عندما يثير هذا التعاون تساؤلات بشأن الشرعية السياسية وتوحيد المؤسسات الليبية.
ومن الناحية الجيوسياسية، يشير توسيع التعاون إلى أن ملف الهجرة بات أحد المحددات الأساسية للعلاقات الأوروبية مع ليبيا، إلى جانب قضايا الأمن والطاقة والاستقرار السياسي. فالاتحاد الأوروبي لا يتعامل مع ليبيا باعتبارها دولة عبور فحسب، بل باعتبارها شريكاً جغرافياً مؤثراً في أمن الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث يمكن للتطورات السياسية والأمنية أن تنعكس بصورة مباشرة على المصالح الأوروبية.
الهجرة غير النظامية وأمن الحدود الأوروبية
يأتي التمويل الإضافي في إطار استراتيجية أوروبية أوسع تقوم على تعزيز التعاون مع دول العبور للحد من وصول المهاجرين بطرق غير نظامية إلى أراضي الاتحاد. وتستند هذه المقاربة إلى نقل جزء من جهود مراقبة الحدود إلى خارج المجال الأوروبي، من خلال دعم قدرات الدول الشريكة في مراقبة السواحل وتفكيك شبكات التهريب وتنظيم عمليات الإنقاذ.
وتنظر بروكسل إلى هذا التعاون باعتباره وسيلة للحد من المخاطر المرتبطة برحلات الهجرة البحرية، بما في ذلك غرق القوارب واستغلال المهاجرين من قبل شبكات التهريب. غير أن هذه السياسة ترتبط أيضاً باعتبارات داخلية أوروبية، حيث أصبحت الهجرة قضية سياسية بارزة في عدد من الدول الأعضاء، وتزايدت الضغوط على الحكومات الأوروبية لإظهار قدرتها على ضبط الحدود وتقليص أعداد الوافدين.
ومن هذا المنطلق، يمثل التعاون مع شرق ليبيا امتداداً لسياسة أوروبية تسعى إلى معالجة الهجرة قبل وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية. إلا أن فعالية هذه المقاربة تظل مرتبطة بقدرة السلطات المحلية على إدارة الحدود والعمليات البحرية، فضلاً عن مدى استقرار الأوضاع الأمنية والمؤسسية في ليبيا، التي لا تزال تعاني انقساماً سياسياً وتعدد مراكز النفوذ.
التحديات الإنسانية والقانونية
في مقابل الأهداف الأمنية التي يعلنها الاتحاد الأوروبي، يثير توسيع التعاون مع الجهات الليبية تساؤلات تتعلق بحماية حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء، خصوصاً في ظل التقارير الحقوقية التي وثقت تعرض مهاجرين في ليبيا لانتهاكات وسوء معاملة واحتجاز في ظروف قاسية. وقد حذرت منظمات حقوقية من أن نقل مسؤولية مراقبة الهجرة إلى دول العبور قد يؤدي إلى الحد من وصول المهاجرين إلى الحماية الدولية، إذا لم تقترن الاتفاقات بضمانات فعالة للمساءلة واحترام الحقوق الأساسية
وتتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في التوازن بين منع الرحلات الخطرة وضمان عدم إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية. فعمليات البحث والإنقاذ لا تقتصر على اعتراض القوارب أو إعادة المهاجرين إلى الشاطئ، بل تستلزم أيضاً مراعاة سلامة الأشخاص وتحديد ما إذا كان المكان الذي سيُنقلون إليه آمناً وفقاً للمعايير الدولية ذات الصلة.
ومن هنا، فإن تقييم التمويل الأوروبي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الأموال المخصصة أو عدد العمليات البحرية التي يمكن تنفيذها، بل يتطلب أيضاً النظر في آليات الرقابة المستقلة وشروط استخدام الموارد ومدى ضمان وصول المهاجرين إلى الإجراءات القانونية والإنسانية اللازمة. كما أن توسيع التعاون مع سلطات شرق ليبيا يطرح تساؤلات إضافية بشأن الجهة المسؤولة عن مراقبة تنفيذ الاتفاقات وضمان احترام الالتزامات الدولية في ظل الانقسام المؤسسي الليبي.
ليبيا بين الشراكة الأوروبية والانقسام الداخلي
يعكس الاتفاق كذلك استمرار التعامل الأوروبي مع الواقع الليبي القائم على تعدد مراكز السلطة والنفوذ. فمنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، واجهت ليبيا صعوبات متواصلة في بناء مؤسسات موحدة قادرة على احتكار استخدام القوة وإدارة الحدود بصورة مركزية. وقد أدى استمرار الانقسام السياسي والأمني إلى جعل التعاون الخارجي يعتمد بدرجة كبيرة على التفاهمات مع السلطات والجهات المسيطرة فعلياً على مناطق محددة.
وفي هذا السياق، قد يمنح توسيع التعاون مع شرق ليبيا الاتحاد الأوروبي قدرة أكبر على التحرك في مناطق كانت خارج نطاق شراكاته التقليدية، لكنه قد يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن تأثير الاتفاقات القطاعية على جهود توحيد المؤسسات الليبية. فالتعاون في مجال الهجرة، رغم طابعه التقني المعلن، قد يمنح الجهات المحلية التي تشارك فيه موارد إضافية ومكانة تفاوضية أوسع في علاقاتها مع الأطراف الخارجية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن التمويل سيؤدي إلى تغيير مباشر في موازين القوى الليبية، لكنه يوضح كيف يمكن لملفات محددة، مثل الهجرة وأمن الحدود، أن تؤثر في طبيعة العلاقات بين السلطات المحلية والشركاء الدوليين. ولذلك، فإن أحد التحديات أمام الاتحاد الأوروبي يتمثل في توسيع تعاونه الميداني دون الإضرار بمسار التسوية السياسية أو تعزيز الانقسامات القائمة.
تداعيات الاتفاق على مستقبل السياسة الأوروبية في المتوسط
تؤكد الخطوة الأوروبية أن إدارة الهجرة أصبحت جزءاً من مقاربة أمنية وجيوسياسية أوسع للبحر المتوسط، حيث تتداخل حماية الحدود مع العلاقات الدبلوماسية والتنمية الاقتصادية والتعاون الأمني. كما تعكس إدراكاً أوروبياً بأن الاقتصار على التعاون مع السلطات المركزية المعترف بها لا يضمن وحده القدرة على التأثير في جميع مسارات الهجرة، خصوصاً في الدول التي تعاني انقساماً مؤسسياً مثل ليبيا.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطاً بقدرتها على معالجة العوامل التي تدفع الأفراد إلى الهجرة، وليس فقط الحد من وصولهم إلى أوروبا. فالنزاعات والفقر وانعدام الاستقرار وضعف فرص العمل، إلى جانب شبكات التهريب، تشكل عناصر متداخلة في ديناميات الهجرة عبر المتوسط. ومن ثم، فإن التركيز على الإجراءات الأمنية وحدها قد يؤدي إلى تغيير مسارات الهجرة بدلاً من إنهائها، أو دفع المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة.
وفي المحصلة، يمثل التمويل الإضافي خطوة جديدة في مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز نفوذه العملياتي في ملف الهجرة داخل ليبيا، مع توسيع التعاون ليشمل شرق البلاد. وبين اعتبارات ضبط الحدود والمصالح الجيوسياسية والالتزامات الإنسانية، يظل الاختبار الأساسي أمام بروكسل هو قدرتها على تحقيق أهدافها الأمنية دون تجاهل حقوق المهاجرين أو تعقيد مسار توحيد المؤسسات الليبية. فاستدامة أي شراكة في هذا المجال لا تتوقف على قدرتها على تقليص أعداد الوافدين فحسب، بل أيضاً على مدى شفافيتها وفعاليتها واحترامها للمعايير القانونية والإنسانية.



