أخبار العالم

الكرملين يرفض الهدنة المؤقتة في أوكرانيا ويتمسك باتفاق سلام طويل الأمد: خلاف روسي أوروبي حول شروط إنهاء الحرب

أكد الكرملين، الاثنين 12 أكتوبر 2026، أن روسيا لا تسعى إلى هدنة مؤقتة في الحرب الأوكرانية، بل إلى اتفاق سلام طويل الأمد يعالج الأزمة بصورة شاملة، في موقف يعكس استمرار الخلاف بين موسكو وكييف بشأن شروط وقف القتال وآليات الانتقال إلى تسوية سياسية. وجاء التصريح على لسان المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف، عقب اقتراح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقفًا لإطلاق النار لمدة 60 يومًا بهدف إتاحة الظروف اللازمة لتنظيم انتخابات رئاسية في أوكرانيا. وفي المقابل، اتهم بيسكوف الدول الأوروبية بالانتماء إلى «معسكر الحرب» بدلًا من «معسكر السلام»، معتبرًا أن مواقفها لا تساعد على إنهاء النزاع.

ويعيد الموقف الروسي طرح إشكالية أساسية في مسار الحرب، تتمثل في التباين بين الدعوة إلى وقف مؤقت للعمليات العسكرية تمهيدًا لإجراءات سياسية محددة، وبين اشتراط التوصل إلى تسوية أوسع قبل تثبيت أي هدنة. فبينما ترى كييف أن وقف القتال لفترة محددة قد يتيح تنظيم الانتخابات في ظروف أكثر أمانًا، تعتبر موسكو أن الهدنة القصيرة لا تضمن معالجة أسباب النزاع، وتشكك في أن يكون المقترح الأوكراني مخصصًا فعلًا لإنجاز الاستحقاق الانتخابي.

موسكو ترفض مقترح زيلينسكي وتشكك في أهداف الهدنة

جاءت تصريحات بيسكوف بعد أن أعلن زيلينسكي استعداده لتنظيم انتخابات إذا وافقت روسيا على وقف شامل لإطلاق النار لمدة شهرين. ويهدف المقترح، وفق الطرح الأوكراني، إلى توفير ظروف أمنية تسمح بإجراء عملية انتخابية في بلد لا يزال يعيش تحت وطأة الحرب، مع استمرار الهجمات والمخاطر التي تهدد المدنيين والبنية التحتية.

لكن الكرملين رفض هذا الطرح، واعتبر أن كييف لا تحتاج إلى هدنة لمدة 60 يومًا لإجراء الانتخابات بقدر ما تسعى، وفق الرواية الروسية، إلى إعادة تنظيم قواتها واستعادة قدراتها العسكرية ومواصلة القتال. كما أكد بيسكوف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولين آخرين شددوا مرارًا على أن موسكو تريد سلامًا طويل الأمد، لا مجرد تعليق مؤقت للعمليات العسكرية.

ويكشف هذا التباين عن غياب الثقة بين الطرفين، إذ ينظر كل منهما إلى المبادرات المطروحة من زاوية حساباته الأمنية والعسكرية. فبالنسبة إلى أوكرانيا، قد يوفر وقف إطلاق النار فرصة لإجراء الانتخابات وتخفيف الضغط على السكان، بينما تخشى كييف أن يؤدي غياب ضمانات واضحة إلى استغلال الهدنة لإعادة التموضع العسكري أو مواصلة العمليات بوسائل أخرى. أما موسكو، فتتعامل مع أي وقف مؤقت للقتال باعتباره خطوة غير كافية ما لم يرتبط بترتيبات سياسية وأمنية أوسع.

غير أن رفض الهدنة لا يجيب بحد ذاته عن السؤال الأساسي المتعلق بالشروط التي تعتبرها روسيا ضرورية لتحقيق السلام، ولا يوضح ما إذا كانت موسكو مستعدة لقبول وقف لإطلاق النار ضمن مسار تفاوضي محدد بضمانات متبادلة. ولذلك، يظل الانتقال من التصريحات السياسية إلى مفاوضات عملية مرتبطًا بمدى استعداد الطرفين لتحديد شروط قابلة للتفاوض وآليات يمكن مراقبتها والتحقق من تنفيذها.

الانتخابات الأوكرانية بين الاعتبارات الدستورية والواقع العسكري

يمثل ملف الانتخابات أحد أكثر جوانب الأزمة الأوكرانية حساسية، لأنه يجمع بين متطلبات الشرعية السياسية والقيود التي تفرضها الحرب المستمرة. فالقانون الأوكراني لا يسمح بإجراء الانتخابات الرئاسية في ظل الأحكام العرفية، ما يجعل تنظيم أي استحقاق انتخابي مرتبطًا بتغير الظروف القانونية والأمنية القائمة. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، تبرز تحديات عملية تتعلق بأمن الناخبين، وإمكانية التصويت في المناطق القريبة من خطوط القتال، ووضع المواطنين النازحين واللاجئين، فضلًا عن الأوكرانيين المقيمين في المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية.

وتستغل موسكو استمرار تأجيل الانتخابات للتشكيك في شرعية القيادة الأوكرانية، بينما تتمسك كييف بأن تنظيم اقتراع في ظروف الحرب من دون ضمانات أمنية وقانونية كافية قد يهدد نزاهة العملية الديمقراطية ويعرض المشاركين فيها للخطر. ويعكس هذا الخلاف صراعًا أوسع حول الشرعية السياسية والتمثيل الشعبي، إذ يسعى كل طرف إلى توظيف المسألة لتعزيز موقفه في المواجهة الدبلوماسية والإعلامية.

لكن ربط وقف إطلاق النار بتنظيم الانتخابات لا يحل جميع الإشكاليات المرتبطة بالعملية الانتخابية، إذ يتطلب الأمر تحديد نطاق الهدنة وآليات مراقبتها، وضمان مشاركة الناخبين في مختلف المناطق، والتوافق على شروط تتيح إجراء انتخابات حرة وآمنة. كما أن تنظيم الاقتراع لا يعني بالضرورة أن الخلافات العسكرية والسياسية ستُحسم، ما لم يندرج ضمن مسار أوسع لمعالجة النزاع وضمان استقرار المؤسسات الأوكرانية.

اتهام أوروبا بالانتماء إلى «معسكر الحرب»

في موازاة رفض الهدنة، صعّد الكرملين انتقاداته للدول الأوروبية، متهمًا إياها بإعاقة الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب بدلًا من دعم التسوية السياسية. ويعكس هذا الخطاب الخلاف المتواصل بين موسكو والعواصم الأوروبية بشأن طبيعة الدعم العسكري المقدم إلى أوكرانيا، ودور الضغوط الاقتصادية والعقوبات في التأثير على القرار الروسي، وشروط أي اتفاق محتمل لإنهاء القتال.

وتنظر موسكو إلى استمرار الدعم العسكري الأوروبي لكييف باعتباره عاملًا يطيل أمد الحرب ويعزز قدرة أوكرانيا على مواصلة المقاومة. وفي المقابل، تقول الحكومات الأوروبية إن مساعدة أوكرانيا ضرورية للدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، وإن أي اتفاق سلام ينبغي ألا يكافئ استخدام القوة أو يترك البلاد عرضة لهجمات جديدة. وبذلك، لا يقتصر الخلاف على توقيت وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى تعريف السلام نفسه والضمانات التي ينبغي أن يستند إليها.

ويؤدي هذا التباين إلى تعقيد فرص بناء موقف دولي موحد بشأن التسوية. فبينما تركز موسكو على ضرورة معالجة ما تصفه بالأسباب الجذرية للصراع، تتمسك أوكرانيا وشركاؤها الأوروبيون بضرورة توفير ضمانات تحول دون تجدد الهجمات، وتمنع فرض تسوية بالقوة على الدولة الأوكرانية. كما أن تباين الرؤى بين روسيا والدول الأوروبية بشأن الترتيبات الأمنية المستقبلية يجعل أي اتفاق محتمل مرتبطًا بمفاوضات تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، فإن وصف أوروبا بأنها «معسكر الحرب» يظل توصيفًا سياسيًا روسيًا يعكس موقف الكرملين من الدعم الأوروبي لأوكرانيا، وليس توصيفًا محايدًا لدور جميع الدول الأوروبية. فالمواقف داخل أوروبا قد تختلف بشأن مستوى الدعم العسكري وأدوات الضغط وشروط التفاوض، حتى مع وجود توافق واسع على أهمية معالجة الأزمة وضمان الأمن الأوروبي.

السلام طويل الأمد: هدف معلن أم خلاف حول شروط التسوية؟

يضع تأكيد الكرملين على ضرورة تحقيق سلام طويل الأمد مسألة شروط التسوية في صلب النقاش. فالتوصل إلى اتفاق مستدام يتطلب تحديد الترتيبات المتعلقة بالأراضي المتنازع عليها، والضمانات الأمنية لأوكرانيا، ومستقبل علاقاتها مع المؤسسات الغربية، إلى جانب القضايا المرتبطة بالعقوبات والعلاقات الروسية الأوروبية. وهذه ملفات شديدة التعقيد، لا يمكن حسمها بمجرد الإعلان عن رفض هدنة مؤقتة.

وتكمن المعضلة في أن كل طرف يسعى إلى ضمان ألا يتحول وقف القتال إلى فرصة استراتيجية للطرف الآخر. فموسكو تريد اتفاقًا يراعي مطالبها الأمنية والسياسية، بينما تصر كييف على ألا تؤدي التسوية إلى تكريس نتائج العمليات العسكرية أو إضعاف قدرتها على الدفاع عن نفسها مستقبلًا. ويجعل هذا التعارض أي مفاوضات محتملة عرضة للتعثر، خصوصًا إذا غابت آليات التحقق والضمانات التي تضمن احترام الالتزامات.

ومن الناحية العملية، لا يتعارض وقف إطلاق النار بالضرورة مع السعي إلى سلام طويل الأمد، إذ يمكن أن يشكل خطوة أولى لتقليل الخسائر البشرية وتهيئة بيئة تسمح بالتفاوض. لكن الهدنة وحدها لا تضمن استدامة السلام إذا لم تقترن بآليات مراقبة واضحة، والتزامات متبادلة، ومسار سياسي يعالج القضايا التي أدت إلى استمرار النزاع. وفي المقابل، فإن اشتراط الاتفاق الشامل قبل وقف القتال قد يجعل العمليات العسكرية مستمرة إلى أجل غير محدد إذا لم تتوافر أرضية تفاوضية مشتركة.

ومن هنا، يتمثل الاختبار الحقيقي للموقف الروسي في مدى استعداد موسكو لتحويل إعلانها عن الرغبة في السلام طويل الأمد إلى مقترحات محددة يمكن التفاوض بشأنها، كما يتمثل الاختبار أمام كييف وشركائها في قدرتهم على صياغة ترتيبات تضمن وقف الهجمات من دون التخلي عن متطلبات السيادة والأمن. أما استمرار تبادل الاتهامات بشأن الطرف المسؤول عن إطالة الحرب، فلن يؤدي بمفرده إلى تقريب وجهات النظر.

يعكس رفض الكرملين للهدنة المؤقتة وتمسكه باتفاق سلام طويل الأمد استمرار الهوة بين موسكو وكييف بشأن كيفية إنهاء الحرب الأوكرانية. فروسيا تعتبر أن وقفًا مؤقتًا للقتال لا يعالج القضايا الأساسية للنزاع، في حين ترى أوكرانيا أن توفير ظروف أمنية مناسبة يمثل شرطًا ضروريًا لإجراء الانتخابات وحماية المؤسسات الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، يكشف اتهام الدول الأوروبية بالانتماء إلى «معسكر الحرب» عن استمرار المواجهة السياسية بين موسكو والعواصم الغربية بشأن الدعم العسكري والضمانات الأمنية ومستقبل النظام الأوروبي.

غير أن السلام المستدام لا يُقاس بطول الاتفاق المعلن أو بصياغة المواقف السياسية، بل بقدرته على وقف العمليات العسكرية فعليًا وحماية المدنيين ومنع تجدد الحرب. ويتطلب ذلك تفاوضًا جادًا بشأن الشروط الأمنية والسياسية، وضمانات قابلة للتحقق، واستعدادًا لتقديم تنازلات متبادلة بدل الاكتفاء برفض مقترحات الطرف الآخر.

وفي ظل استمرار الخلافات، يبقى احتمال التوصل إلى تسوية مرتبطًا بقدرة الأطراف على تجاوز الحسابات العسكرية الآنية وصياغة إطار تفاوضي واضح. فرفض الهدنة لا يعني بالضرورة رفض السلام، كما أن الدعوة إلى وقف مؤقت لإطلاق النار لا تضمن وحدها الوصول إلى تسوية نهائية. وبين الموقفين، تظل الأولوية الملحة هي وقف نزيف الحرب وتهيئة الشروط التي تجعل السلام طويل الأمد هدفًا قابلًا للتحقق، لا مجرد شعار في الخطاب السياسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق