أخبار العالمإفريقيابحوث ودراسات

كيدال في ميزان القوة: هل استعادت مالي المدينة أم استعادت المبادرة في الشمال؟

عملية “دوغوكولوكو” ودور فيلق إفريقيا الروسي وحدود الحسم العسكري في منطقة الساحل

مقدمة: استعادة المدينة لا تعني حسم الصراع

لم تكن عودة القوات المسلحة المالية إلى كيدال في 6 أكتوبر 2026 مجرد تطور ميداني في مواجهة الجماعات المسلحة شمال البلاد؛ فقد جاءت بعد نحو خمسة أشهر من فقدان المدينة، في أعقاب هجمات أبريل التي أوقعت خسائر كبيرة في صفوف السلطة العسكرية، وأدت إلى مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا.

 وبذلك استعادت باماكو موقعًا يحمل أهمية جغرافية وعسكرية ورمزية، بعدما تحولت خسارته إلى مؤشر على اتساع التحديات التي تواجه مشروعها لاستعادة السيطرة على كامل التراب المالي.

وجاءت العودة في سياق عملية عسكرية واسعة أطلقتها السلطات تحت اسم “دوغوكولوكو”، بمشاركة الشركاء الروس من فيلق إفريقيا، وفق البيانات المالية والتغطيات المنشورة. وتقول السلطات إن العمليات الجوية والبرية استهدفت مواقع الجماعات المسلحة ومحاور تحركها وإمدادها، بينما أعلنت الجبهة الانفصالية لتحرير أزواد انسحابًا وصفته بالمنظم والمؤقت، وعزته إلى الضغط الناجم عن استخدام القوة الجوية.

وبين الروايتين، تبرز مسألة تتجاوز إعلان استعادة المدينة: هل نجحت باماكو في تغيير ميزان القوة في شمال مالي، أم استعادت مركزًا استراتيجيًا بينما بقيت قدرات خصومها الأساسية قائمة؟

الإجابة تقتضي الفصل بين ثلاثة أمور لا تتطابق بالضرورة: استعادة مدينة، وتأمين المجال المحيط بها، وتفكيك القدرة العسكرية والتنظيمية للجماعات التي تنازع الدولة السيطرة. فالأول تحقق وفق المعلومات المتاحة، أما الثاني والثالث فلا تكفي المعطيات المنشورة حتى الآن للجزم بتحققهما. ولهذا تبدو كيدال، في المرحلة الراهنة، مكسبًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا، لكنها في الوقت نفسه اختبار جديد لقدرة الدولة المالية وشريكها الروسي على تحويل التقدم الميداني إلى استقرار قابل للاستمرار.

انتكاسة أبريل والخلفية العسكرية للعملية

لفهم أهمية استعادة كيدال، ينبغي العودة إلى هجمات 25 أبريل 2026، التي استهدفت مواقع عسكرية ومراكز في مناطق متعددة من مالي، وشهدت تحركًا متزامنًا للجبهة الانفصالية لتحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة. وأفضت الهجمات إلى خسارة القوات الحكومية مواقع مهمة في الشمال، من بينها كيدال، وإلى مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، في ضربة سياسية وأمنية كشفت قدرة خصوم السلطة على تنسيق عمليات واسعة وإرباك منظومتها الدفاعية.

لم تكن خسارة المدينة مجرد تراجع في خط الانتشار العسكري. فقد أصابت جوهر الخطاب الذي تقدمه السلطات الانتقالية بشأن استعادة السيادة الوطنية، وأعادت طرح التساؤلات حول مدى قدرة القوات المالية، بدعمها الروسي، على منع خصومها من فرض إيقاع المواجهة واختيار ساحاتها.

وفي هذا السياق، جاءت عملية “دوغوكولوكو” مطلع أكتوبر، بعد تحركات عسكرية في محيط كيدال وعلى محاور أخرى في الشمال. وتحدثت السلطات المالية عن عمليات جوية وبرية شملت قطاعات كيدال وإن تاسيك وتين أسّالاك وأبيبارا، وقالت إن الضغط على محاور استراتيجية أسهم في عودة القوات إلى المدينة. وفي بيان لاحق، أعلنت القوات المسلحة المالية تعزيز انتشارها داخل كيدال يوم 7 أكتوبر، بعد سلسلة من الضربات الجوية والعمليات المشتركة.

وتتفق هذه المعطيات مع حقيقة أن العودة إلى المدينة جاءت ضمن تحرك عسكري أوسع، لا في صورة دخول منفصل عن العمليات المحيطة بها. لكن تفاصيل حجم القوات المشاركة، والخسائر التي تكبدها كل طرف، ومدى تدمير البنية اللوجستية للجماعات المسلحة، لم تُثبت جميعها بصورة مستقلة في المعلومات المنشورة.

لذلك، فإن الاستنتاج الأكثر اتزانًا هو أن باماكو تمكنت من استعادة المبادرة في محور كيدال خلال هذه المرحلة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها أنهت قدرة خصومها على مواصلة القتال أو أعادت السيطرة المستدامة على كامل المنطقة.

ماذا حققت عملية “دوغوكولوكو” فعليًا؟

يمكن قراءة العملية من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة:

1- أولها، استعادة الموقع الاستراتيجي: تمثل عودة القوات المالية إلى كيدال مكسبًا واضحًا للسلطة المركزية، بالنظر إلى مكانة المدينة في النزاع بين باماكو والحركات الانفصالية في الشمال. كما تمنح المؤسسة العسكرية فرصة لاستعادة جزء من معنوياتها بعد خسارة أبريل، وتتيح للسلطات تقديم دليل ملموس على قدرتها على الرد واسترجاع مواقع فقدتها.

2- ثانيها، الضغط على الخصم خارج مركز المدينة: لم تقتصر البيانات المالية على الحديث عن دخول كيدال، بل أشارت إلى عمليات في قطاعات ومواقع أخرى في المنطقة، وإلى استهداف قدرات لوجستية ومواقع تابعة للجماعات المسلحة. وإذا تمكنت القوات من إضعاف طرق الإمداد ومراكز التجمع والقدرة على إعادة الانتشار، فقد يتجاوز أثر العملية حدود المكسب الرمزي. لكن هذا الاحتمال يظل مشروطًا بإثبات حجم الأضرار الفعلية واستمرار أثرها، لا بمجرد إعلانها.

3- ثالثها، استخدام القوة الجوية لتغيير حسابات المواجهة: نسبت الجبهة الانفصالية انسحابها إلى ما وصفته بالاستخدام المكثف وغير المتناسب للقدرات الجوية. وإذا كانت الضربات قد رفعت كلفة البقاء داخل كيدال، فمن الممكن أن تكون قد دفعت المقاتلين إلى الانسحاب بدل خوض مواجهة مباشرة. غير أن هذا التفسير لا يثبت وحده أن القوة المعادية دُمّرت أو فقدت القدرة على العمل؛ فقد يكون الانسحاب، كما يقول الطرف المنسحب، محاولة للحفاظ على الأفراد والعتاد وإعادة تنظيم الانتشار.

وتكشف هذه الأبعاد أن نجاح العملية لا ينبغي أن يُقاس بمشهد دخول القوات إلى المدينة فقط. فالمعيار الأهم هو ما إذا كانت العمليات قد أضعفت قدرة الخصوم على العودة، وأمّنت طرق الوصول والإمداد، ومكّنت الدولة من الاحتفاظ بالمواقع التي استعادتها.

الانسحاب من كيدال بين رواية الهزيمة وحسابات البقاء

وصفت الجبهة الانفصالية لتحرير أزواد خروجها من كيدال بأنه انسحاب استراتيجي ومنظم ومؤقت، وقالت إنه جاء للمحافظة على قدراتها البشرية واللوجستية. كما أكدت أن دخول القوات المالية إلى المدينة لم يسبقه اشتباك بري مباشر معها داخلها، في المقابل، قدمت السلطات المالية العملية بوصفها نجاحًا عسكريًا أفضى إلى استعادة المدينة بعد ضغط جوي وبري واسع.

لا ينبغي التعامل مع أي من الروايتين باعتبارها وصفًا مكتملًا لما جرى. فالسلطات المالية معنية بإظهار العملية بوصفها استعادة للمبادرة والسيادة، بينما تسعى الجبهة الانفصالية إلى الحد من الأثر السياسي والعسكري للانسحاب، وتقديمه باعتباره قرارًا عملياتيًا محسوبًا. وتقتضي الموضوعية اختبار الروايتين في ضوء النتائج اللاحقة، لا اعتماد لغة أحد الطرفين.

لكن الحذر من الروايات لا يعني إنكار النتيجة الميدانية: القوات الحكومية عادت إلى كيدال، وهو تحول فعلي بعد خسارتها في أبريل. وفي الوقت نفسه، لا توجد أدلة كافية حتى الآن تسمح بالجزم بأن الانسحاب أدى إلى انهيار القوة الانفصالية أو فقدانها قدرتها على العمل في المنطقة.

ومن المهم هنا التمييز بين ثلاثة مستويات:

1- السيطرة على المدينة: وجود القوات الحكومية في كيدال وتأمين مواقعها الأساسية.

2-السيطرة على محيط المدينة: تأمين طرق الوصول والمناطق القريبة ومنع استخدامها لإعادة الهجوم أو قطع الإمداد.

3- تفكيك القدرة القتالية للخصم: إضعاف القيادة والاتصالات والموارد البشرية واللوجستية بما يحد من قدرته على شن عمليات جديدة.

تحقّق المستوى الأول وفق المعلومات المنشورة، بينما يحتاج المستويان الآخران إلى متابعة. وإذا استطاعت الجبهة الانفصالية الاحتفاظ بجزء مهم من قدراتها ثم إعادة تنظيم صفوفها، فسيبقى المكسب الحكومي محدودًا من الناحية الاستراتيجية. أما إذا تراجعت قدرتها على الحركة والإمداد، وتمكنت القوات المالية من الاحتفاظ بالمدينة وتأمين محيطها، فستكون العملية قد أحدثت تغييرًا أعمق في ميزان القوة.

فيلق إفريقيا الروسي واختبار الشراكة الأمنية

تحتل روسيا موقعًا رئيسيًا في حسابات باماكو الأمنية منذ تدهور العلاقات مع فرنسا وشركاء غربيين، وانسحاب القوات الفرنسية والبعثة الأممية من مالي. ومع انتقال الحضور الروسي من مرحلة مجموعة فاغنر إلى فيلق إفريقيا المرتبط بوزارة الدفاع الروسية، باتت الشراكة الأمنية بين البلدين جزءًا من إعادة تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية في منطقة الساحل.

وقد أكدت السلطات المالية مشاركة شركائها الروس في العملية، كما ربطت تقارير منشورة عودة القوات إلى كيدال بدعم فيلق إفريقيا. لكن تحديد الوزن العملياتي الدقيق لهذا الدور يظل مسألة مختلفة عن إثبات المشاركة نفسها.

فالمعلومات المتاحة لا تسمح بتحديد مساهمة الفيلق بدقة في التخطيط والاستطلاع والاستهداف الجوي والتنسيق الميداني، ولا بتوزيع المسؤولية عن النتائج بينه وبين القوات المالية. ومن ثم، فإن القول إن فيلق إفريقيا حسم العملية بمفرده يتجاوز ما تثبته المعطيات، مثلما أن تجاهل دوره المعلن لا يعكس طبيعة الشراكة القائمة.

وتكمن أهمية هذه المسألة في أنها تحدد طبيعة العلاقة بين الطرفين. فإذا كانت القوات المالية تقود العمليات وتدير الانتشار، بينما يقدم الشريك الروسي قدرات مساندة، فإن الشراكة قد تسهم في تعزيز قدرة الدولة على إدارة أمنها. أما إذا ظلت القدرة على الاحتفاظ بالمواقع مرتبطة بصورة جوهرية باستمرار الدعم الخارجي، فإن الاستقلالية الأمنية التي ترفعها باماكو هدفًا سياسيًا ستظل بحاجة إلى إثبات عملي.

وبالنسبة إلى موسكو، تمثل كيدال فرصة لإظهار أن حضورها الأمني ما زال قادرًا على تقديم قيمة ملموسة بعد الانتكاسة التي شهدها الشمال في أبريل. لكن هذه الفرصة لا تتحول إلى نجاح استراتيجي بمجرد المشاركة في استعادة مدينة؛ إذ يتوقف الأمر على قدرة الشراكة على منع تكرار الخسارة، وتحسين أمن المحاور، وتطوير قدرات مالية مستدامة.

وعليه، فإن المعيار الأهم لتقييم دور فيلق إفريقيا ليس حجم حضوره في لحظة الهجوم فحسب، بل ما إذا كان هذا الحضور يساعد على بناء منظومة أمنية قادرة على العمل والاحتفاظ بالمواقع على المدى الطويل.

الجغرافيا والإمداد وحدود السيطرة على شمال مالي

تفرض جغرافية شمال مالي تحديات تتجاوز السيطرة على المراكز الحضرية. فالمساحات الشاسعة، وتباعد التجمعات السكانية، وطول طرق الحركة، وصعوبة الإمداد، تجعل الاحتفاظ بالمواقع أكثر تعقيدًا من الوصول إليها. وقد تتمكن القوات الحكومية من السيطرة على مدينة، فيما تحتفظ الجماعات المسلحة بحرية حركة في المناطق الريفية والصحراوية أو تستخدم مسارات بديلة لإعادة الانتشار.

ولهذا، تكتسب طرق الإمداد أهمية تضاهي أهمية المدينة نفسها. فالقوات الموجودة في كيدال تحتاج إلى إمدادات منتظمة من الوقود والذخائر والمواد الأساسية، وإلى قدرة على تبديل الوحدات وإجلاء المصابين وتأمين الاتصالات والقوافل. وإذا ظلت هذه الوظائف معرضة للهجمات، فقد يتحول الانتشار العسكري إلى عبء متزايد حتى في غياب هجوم مباشر على المدينة يعني تصبح العملية في استنزاف مباشر للقوات الدولة.

ولا يعني ذلك أن استعادة كيدال لا قيمة لها؛ بل يعني أن قيمتها تعتمد على ما يأتي بعدها. فالتقدم الميداني الذي لا تدعمه قدرة مستمرة على الإمداد والتعزيز قد يبقى هشًا، بينما يمكن لتأمين المحاور أن يتيح توسيع الانتشار الحكومي وتقليل قدرة الخصوم على استغلال الفراغات الأمنية.

كذلك، لا ينبغي التعامل مع الجماعات المسلحة بوصفها كتلة واحدة، فالجبهة الانفصالية لتحرير أزواد تتحرك ضمن مشروع سياسي يرتبط بقضية أزواد وعلاقة الشمال بالسلطة المركزية، في حين تتبنى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مشروعًا جهاديًا مختلفًا، وتعمل ضمن شبكات واعتبارات عملياتية خاصة بها.

وقد أظهرت هجمات أبريل قدرة الطرفين على التحرك في سياق متزامن ضد السلطة المالية، لكن ذلك لا يعني تطابق أهدافهما أو ثبات علاقتهما على المدى الطويل. ومن ثم، فإن نجاح الدولة في الضغط على أحد الطرفين لا يضمن تحييد الآخر، كما أن الانسحاب من كيدال لا يثبت أن جميع القوى التي شاركت في الهجمات فقدت قدرتها على العمل.

وتتطلب القراءة الاستراتيجية متابعة نشاط الجماعات المسلحة خارج مركز المدينة، ومدى انتظام الحركة على الطرق، وقدرتها على إعادة إنشاء مواقع أو شن هجمات منسقة. فهذه المؤشرات هي التي ستكشف ما إذا كان التغير في السيطرة قد تحول إلى تغير مستدام في ميزان القوة.

استعادة السيادة بين الحضور العسكري وبناء الدولة

تقدم السلطات المالية استعادة كيدال باعتبارها خطوة في استعادة السيادة الوطنية وإعادة حضور الدولة إلى الشمال. غير أن السيادة في معناها العملي لا تختزل في نشر القوات أو استعادة المواقع، بل تتطلب قدرة مستمرة على حماية السكان، وتشغيل الإدارة العامة، وتوفير الخدمات، وضمان الحركة الآمنة، ومعالجة النزاعات المحلية عبر مؤسسات الدولة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في منطقة تراكمت فيها توترات سياسية وأمنية بين المركز وأجزاء من الشمال، إلى جانب مطالب محلية ونزاعات لم تُحسم بصورة مستقرة. وإذا اقتصر الحضور الحكومي على المواقع العسكرية، من دون عودة فعلية للإدارة والخدمات، فقد تبقى السيطرة عرضة للاهتزاز كلما تغير ميزان القوة.

ولا يمكن، في المقابل، بناء إدارة مدنية مستقرة في غياب الحد الأدنى من الأمن، فالحماية العسكرية شرط لعودة الموظفين والخدمات، لكنها ليست بديلًا من الحكم الفعلي، كما أن استعادة المؤسسات لن تكون مستدامة إذا لم تتمكن القوات من تأمين الطرق والمرافق ومنع الجماعات المسلحة من فرض نفوذها بالقوة.

ومن هنا، تواجه باماكو ثلاثة اختبارات مترابطة: أمنيًا، عبر منع عودة الجماعات المسلحة؛ ومؤسسيًا، عبر إعادة تشغيل الإدارة والخدمات؛ وسياسيًا واجتماعيًا، عبر توفير شروط تسمح للسكان بالتعامل مع الدولة بوصفها مصدرًا للأمن والخدمات، لا مجرد حضور عسكري.

وتظل هذه المسارات مترابطة، فقد تحقق العملية مكسبًا عسكريًا مهمًا، لكن استدامته تتوقف على قدرة الدولة على تحويل هذا المكسب إلى حضور مؤسسي وأمني مستمر. ومن دون ذلك، قد تبقى المدينة ساحة يتغير فيها ميزان السيطرة، بدل أن تصبح نقطة ارتكاز لاستقرار أوسع في الشمال.

التداعيات الإقليمية ورسالة كيدال إلى تحالف دول الساحل

تتجاوز أهمية كيدال الداخل المالي، لأن التطورات الأمنية في شمال البلاد ترتبط بمشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وشبكات التهريب، والتحديات الأمنية في دول الساحل المجاورة.

وتسعى مالي وبوركينا فاسو والنيجر، في إطار تحالف دول الساحل، إلى تعزيز تعاونها الأمني والسياسي ضمن ترتيبات بديلة عن الشراكات الغربية السابقة. وفي هذا السياق، قد تمنح استعادة كيدال باماكو دفعة سياسية، وتعزز خطابها بشأن استعادة القرار الأمني الوطني.

لكن العملية لا تثبت وحدها أن المقاربة الأمنية الجديدة باتت قادرة على احتواء التهديدات في كامل منطقة الساحل. فذلك يتطلب نتائج قابلة للاستمرار، وتنسيقًا حدوديًا فعالًا، وقدرة على منع الجماعات المسلحة من نقل نشاطها إلى مناطق أخرى. كما أن التعاون الإقليمي، مهما بلغت أهميته، لا يعفي كل دولة من معالجة نقاط الضعف الداخلية وتأمين المواقع التي تستعيدها.

أما بالنسبة إلى روسيا، فتشكل مالي إحدى الساحات المهمة لاختبار قدرتها على بناء شراكات أمنية طويلة الأمد في إفريقيا. وبالنسبة إلى باماكو، لا تتعلق المسألة باختيار شريك خارجي فحسب، بل بمدى إسهام هذا الشريك في تعزيز قدرة الدولة على إدارة أمنها بنفسها.

وإذا أسهمت العملية في تثبيت السيطرة وتحسين الأمن على المدى الطويل، فقد تعزز مكانة الشراكة المالية الروسية. أما إذا بقيت السيطرة على المدينة منفصلة عن أمن محيطها، فإن المكسب سيظل محدودًا، وستبقى الأسئلة قائمة بشأن حدود الدعم الخارجي وقدرته على معالجة الأسباب البنيوية لاستمرار النزاع.

ما الذي ينبغي مراقبته بعد استعادة كيدال؟

لا يمكن حسم القيمة الاستراتيجية للعملية من خلال البيانات الصادرة في الأيام الأولى وحدها. والأجدى هو متابعة مؤشرات محددة تسمح بالتمييز بين استعادة مؤقتة للموقع وتغيير أعمق في ميزان القوة:

المؤشر الأول: استمرارية الوجود العسكري: هل تحافظ القوات المالية على مواقعها داخل كيدال بعد انتهاء مرحلة الهجوم، أم تضطر إلى تقليص انتشارها بسبب الضغوط الأمنية أو اللوجستية؟

المؤشر الثاني: أمن المحاور: هل تصبح الحركة على الطرق المؤدية إلى المدينة أكثر انتظامًا وأقل عرضة للهجمات، أم تظل القوافل وخطوط الإمداد تحت التهديد؟

المؤشر الثالث: قدرة الجماعات المسلحة على إعادة التنظيم: هل تتراجع وتيرة الهجمات المنسقة، أم تظهر مؤشرات على إعادة الانتشار واستعادة القدرة على تنفيذ عمليات جديدة؟

المؤشر الرابع: عودة الإدارة والخدمات: هل يتحول الإعلان عن إعادة حضور الدولة إلى إجراءات ملموسة في الإدارة العامة والخدمات الأساسية، أم يبقى الوجود الحكومي عسكريًا في المقام الأول؟

المؤشر الخامس: طبيعة الدور الروسي: هل يظهر أثر مستمر للشراكة في تحسين قدرات القوات المالية، أم يظل الدعم مرتبطًا بعمليات محددة لا تضمن بذاتها استدامة النتائج؟

هذه المؤشرات لا تمثل توقعات مسبقة، بل إطارًا لتقييم ما ستؤول إليه العملية، وهي أكثر دلالة من إعلان النصر أو توصيف الانسحاب؛ لأنها تربط الحكم على النتائج بما يحدث بعد استعادة المدينة.

الخلاصة: المكسب الحقيقي هو منع تكرار الخسارة

تمثل عودة القوات المالية إلى كيدال تطورًا مهمًا بعد انتكاسة أبريل 2026، وتمنح باماكو فرصة لاستعادة جزء من المبادرة العسكرية والسياسية في الشمال، كما تتيح لفيلق إفريقيا الروسي إظهار أن الشراكة الأمنية مع مالي ما زالت قادرة على تقديم دعم مؤثر في مواجهة تحديات ميدانية معقدة.

لكن استعادة المدينة لا تعني أن الصراع قد حُسم، ولا تثبت بمفردها انهيار قدرات الجماعات المسلحة. فالفارق بين استعادة موقع استراتيجي واستعادة السيطرة المستدامة يتحدد بقدرة القوات على الاحتفاظ به، وتأمين محيطه، وحماية طرق الإمداد، ومنع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم.

أما الشراكة الروسية المالية، فستُقاس بمدى إسهامها في بناء قدرة مالية مستدامة على حماية الأرض والسكان، لا بمجرد تقديم الدعم في عملية ناجحة. وبالمثل، فإن استعادة السيادة لا تكتمل بالسيطرة على مركز استراتيجي إذا ظلت الدولة عاجزة عن تأمين محيطه أو إعادة تثبيت مؤسساتها فيه.

الخلاصة الاستراتيجية:

 استعادة كيدال مكسب عسكري وسياسي مهم لباماكو، لكنها بداية اختبار جديد وليست نهاية الصراع في شمال مالي. وسيكون المؤشر الحاسم هو قدرة الدولة على منع تكرار خسارة المدينة، وتحويل الانتشار العسكري إلى أمن مستمر وحضور مؤسسي، فيما يظل الدور الروسي عاملًا ينبغي تقييمه من خلال نتائجه الفعلية على الأرض، لا من خلال حجم حضوره في الخطاب السياسي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق