واشنطن–بكين والحرب التكنولوجية: صراع على مستقبل منظومة التكنولوجيا العالمية

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 08-10-2026
مقدمة: من حرب الرقائق إلى إعادة تشكيل القوة التكنولوجية
دخل التنافس بين الولايات المتحدة والصين في التكنولوجيا مرحلة تختلف نوعيًا عن المرحلة التي بدأت مع القيود الأمريكية الأولى على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة، فالمواجهة لم تعد محصورة في سؤال: من يمتلك الرقائق الأكثر تقدمًا؟ وإنما أصبحت تتعلق بمن يمتلك القدرة على التحكم في السلسلة التكنولوجية بأكملها: التصميم، والبرمجيات، والرقائق، والذاكرة، ومعدات التصنيع، والتغليف المتقدم، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصال، والاختبار والتصديق، والمعايير، والملكية الفكرية، والأسواق.
وهذا التحول مهم لأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا مباشرًا من القوة الاقتصادية والصناعية والعسكرية للدول. ولذلك باتت واشنطن تنظر إلى بعض حلقات التكنولوجيا الصينية من منظور الأمن القومي، بينما تتجه بكين بصورة متسارعة إلى تقليل نقاط اعتمادها على الخارج، مع الإبقاء في الوقت نفسه على قدر من الانفتاح والتبادل الدولي.
لكن قراءة المشهد من زاوية واحدة تقود إلى نتائج مضللة، فليس دقيقًا القول إن الولايات المتحدة نجحت في وقف التقدم التكنولوجي الصيني، كما أنه ليس دقيقًا القول إن الصين أصبحت مكتفية ذاتيًا وتجاوزت القيود الأمريكية الوقائع تشير إلى شيء أكثر تعقيدًا:
القيود الأمريكية قلّصت بالفعل وصول الصين إلى بعض أهم حلقات التكنولوجيا المتقدمة، لكنها في الوقت نفسه رفعت تكلفة الاعتماد على الخارج ودفعت بكين إلى تسريع بناء بدائل محلية. وفي المقابل، لم تتمكن الصين بعد من إغلاق جميع الفجوات، خصوصًا في بعض تقنيات التصنيع والذاكرة ومعدات الرقائق المتقدمة، ومن هنا، فإن الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين ليست معركة قصيرة الأجل بين طرف متقدم وطرف يلحق به، بل عملية طويلة لإعادة توزيع مراكز القوة داخل الاقتصاد التكنولوجي العالمي.
ما الذي تغيّر في الاستراتيجية الأمريكية؟
تحتفظ الولايات المتحدة حتى أكتوبر 2026 بنظام واسع من القيود على أشباه الموصلات المتقدمة والحوسبة ومعدات تصنيع الرقائق، مع تعديلات مستمرة في نطاق التراخيص والاستثناءات وتوضح قواعد مكتب الصناعة والأمن الأمريكي BIS، بصيغتها السارية في 7 أكتوبر 2026، أن القيود تشمل شرائح الحوسبة المتقدمة، وبعض الحواسيب والأنظمة التي تتضمنها، إضافة إلى قيود مرتبطة بتطوير وإنتاج أشباه الموصلات ومعدات التصنيع. لكن السياسة الأمريكية خلال 2026 لم تكن خطًا مستقيمًا نحو الفصل الكامل ففي يناير 2026، عدلت وزارة التجارة الأمريكية سياسة مراجعة تراخيص تصدير بعض الشرائح المتقدمة إلى الصين، ومنها Nvidia H200 وAMD MI325X، لتصبح بعض الطلبات خاضعة للمراجعة حالة بحالة وفق شروط أمنية وإمدادية محددة. وهذا مهم للغاية في قراءة السياسة الأمريكية، فواشنطن لا تتحرك وفق منطق اقتصادي واحد، هناك ثلاثة اعتبارات متداخلة: الحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي زالاعتبار الثاني هو الحد من استخدام بعض التقنيات الحساسة في الصين والاعتبار الثالث هو عدم الإضرار بصورة مفرطة بالشركات الأمريكية نفسها والأسواق التي تعتمد عليها.
ولهذا شهدت السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة تشددًا وتخفيفًا انتقائيًا في آن واحد، وهذا يعني أن وصف السياسة الأمريكية بأنها حصار كامل ليس دقيقًا، كما أن وصفها بأنها مجرد إجراءات تجارية غير دقيق أيضًا بل إنها في جوهرها سياسة لإدارة نقاط الاختناق التكنولوجية.
الانتقال من الرقائق إلى التحكم في قواعد السوق
أحد أحدث المؤشرات على اتساع نطاق المواجهة جاء في 7 أكتوبر 2026، عندما أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية FCC أنها ستصوت في 29 أكتوبر على منع المختبرات الصينية من اختبار الأجهزة الإلكترونية الموجهة للاستخدام في السوق الأمريكية، وبحسب FCC، كانت الصين تستحوذ في 2025 على نحو 82% من عمليات اختبار الأجهزة الإلكترونية، بينما كانت نسبة الاختبارات التي تتم داخل الولايات المتحدة أقل من 4%. ومن المقرر أن تدخل القيود المقترحة حيز التنفيذ في ديسمبر 2028.
هذه الخطوة ليست مجرد تفصيل تنظيمي، فالاختبار والتصديق جزء من البنية التحتية غير المرئية للسوق التكنولوجية، وبالتالي، فإن المنافسة بدأت تنتقل من من يصنع التكنولوجيا؟ إلى من يحدد شروط قبول التكنولوجيا ودخولها إلى الأسواق؟ وهذا يفتح جبهة جديدة في الصراع، تتعلق بالمعايير وشهادات المطابقة ومختبرات الاختبار والاتصالات والاعتماد، وبذلك تصبح السيطرة على التكنولوجيا أكثر من مجرد امتلاك براءة اختراع أو رقاقة متقدمة؛ إنها تصبح أيضًا قدرة على تحديد قواعد تداول التكنولوجيا وانتقالها بين الأسواق.
ماذا فعلت القيود بالصين؟
هنا يجب تجنب استنتاجين متعاكسين وغير دقيقين: الأول يقول إن القيود الأمريكية فشلت بالكامل والثاني يقول إنها أوقفت التقدم الصيني، فكلاهما غير مدعوم بصورة كافية، والدراسات المتقاطعة تشير إلى أن القيود حدّت فعلًا من وصول الشركات الصينية إلى بعض الشرائح والمعدات الأكثر تقدمًا، لكنها في الوقت نفسه سرّعت الاستثمار الصيني في البدائل المحلية. وحتى دراسة حديثة من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، وهو مؤسسة أمريكية، خلصت إلى أن القيود عطلت وصول الصين إلى بعض التقنيات الرائدة، لكنها أعطت دفعة إضافية لجهود توطين أشباه الموصلات في الصين. وهذه النتيجة تتوافق جزئيًا مع المعطيات الصينية نفسها. فالصين وضعت في خطتها الخمسية الخامسة عشرة هدفًا صريحًا لتحقيق اختراقات في سلاسل التكنولوجيا الأساسية، بما يشمل الدوائر المتكاملة، والمعدات الصناعية، والبرمجيات الأساسية، والمواد المتقدمة. إذن، الضغط الخارجي لم يخلق هدف الاعتماد على الذات من الصفر؛ لكنه رفع مكانته الاستراتيجية وأسرع تنفيذه.
الصين لا تبني “رقاقة صينية” فقط، بل منظومة
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تكون مركز التقرير من الخطأ اختزال المسألة في سؤال: هل تستطيع Huawei منافسة Nvidia؟ انما السؤال الأصح هو هل تستطيع الصين بناء منظومة حوسبة وذكاء اصطناعي يمكنها العمل بدرجة متزايدة من الاستقلال عن المنظومة الأمريكية؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذا هو الاتجاه الفعلي وتأتي Huawei في قلب هذا المسار.
ففي سبتمبر 2026، أعلنت الشركة أن منظومة Ascend أصبحت مدعومة بأكثر من 90 مشروعًا مفتوح المصدر، وأنها أصبحت مدعومة رسميًا كمنصة لتسريع PyTorch، مع أكثر من 5200 مطور نشط شهريًا في مجتمع CANN، وأكثر من 40 نموذجًا جرى تدريبها مسبقًا بصورة أصلية على Ascend وCANN، وفق بيانات Huawei نفسها هذه أرقام صادرة عن الشركة، وبالتالي لا ينبغي تحويلها إلى إثبات مستقل على التفوق، لكنها مهمة من زاوية أخرى وهي إنها تكشف اتجاه الاستثمار Huawei لا تعمل على إنتاج معالج فقط؛ بل تبني حوله: أدوات برمجية، مكتبات؛ مطورين؛ أنظمة تشغيل؛ شبكات ربط؛ حلول مراكز بيانات؛ منصات ذكاء اصطناعي؛ وشراكات مع شركات أخرى. وهذا بالضبط ما يجعل المنافسة أكثر عمقًا من مجرد مقارنة مواصفات شريحة بشريحة.
Ascend تقدم حقيقي ولكن ليس تكافؤًا كاملًا
التقييم الموضوعي لـHuawei يتطلب الجمع بين معطيات الشركة ومصادر خارجية فلقد أعلنت Huawei أن Ascend 960 سيتاح في 2027، وأنها تخطط لـAscend 970 و980 في 2028 و2029، مع تطوير متزامن في الذاكرة والربط بين المعالجات والبنية الضوئية. كما أعلنت عن منظومة Atlas 960E SuperPoD القادرة، وفق مواصفاتها المعلنة، على التوسع إلى آلاف وحدات NPU.
لكن هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إثباتًا أن Huawei تجاوزت Nvidia في الأداء العام، المعطيات المستقلة تشير إلى أن الصين قطعت شوطًا مهمًا في تصميم معالجات الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تزال تواجه فجوات في: كفاءة التصنيع؛ الذاكرة عالية النطاق؛ بعض معدات تصنيع الرقائق؛ البرمجيات؛ وحجم النظام البيئي العالمي… وهذا يعني أن التقدم الصيني حقيقي، لكنه لا يساوي حتى الآن اكتمال الاستقلال التكنولوجي وهذه بالضبط هي النقطة التي ينبغي للمركز أن يبرزها: الاعتراف بالتقدم الصيني لا يتطلب تجاهل نقاط الاختناق القائمة.
DeepSeek المعركة انتقلت إلى البرمجيات
التطور الأهم في التعاون الصيني خلال الأشهر الأخيرة ليس بالضرورة إنتاج رقاقة جديدة، وإنما العمل على جعل الرقائق المحلية قابلة للاستخدام على نطاق واسع ففي 30 سبتمبر 2026، أطلقت DeepSeek بالتعاون مع Huawei أدوات برمجية مفتوحة المصدر مخصصة لمعالجات Ascend، شملت مكتبات للحوسبة والاتصال بين المعالجات، إضافة إلى دعم Ascend في TileLang. كما عمل الطرفان على تحسين التشغيل على منظومة تضم 128 معالج Ascend 950. وهذا التطور مهم لأن قوة Nvidia لا تعتمد على المعالج وحده، وإنما على منظومة CUDA والأدوات والمكتبات والمطورين والتطبيقات التي بنيت حولها. لذلك، فإن بناء طبقة برمجية قوية حول Ascend يمكن أن يقلل تدريجيًا من تكلفة انتقال المطورين الصينيين من منظومة Nvidia. وهنا يجب الحذر من المبالغة: وجود أدوات بديلة لا يعني أنها أصبحت مكافئة لـCUDA من حيث النضج والانتشار، لكنها تمثل خطوة باتجاه تقليل الاعتماد وهذا هو الأثر الاستراتيجي الحقيقي.
DeepSeek تتحول من شركة ذكاء اصطناعي إلى جزء من المنظومة الصناعية الصينية
تطور آخر يستحق الانتباه يتعلق بالتمويل فبحسب مصدرين مطلعين نقلت عنهما Reuters، تتجه DeepSeek إلى جمع أكثر من 80 مليار يوان، وربما يصل التمويل إلى 100 مليار يوان، مع مشاركة شركات مثل Tencent وCATL، بينما تستعد الشركة لاحتمال طرح أسهمها في السوق الصينية، ولا تزال تفاصيل الجولة النهائية وتقييم الشركة قيد التطور، ولذلك لا ينبغي التعامل مع الأرقام باعتبارها نهائية، لكن الاتجاه نفسه واضح فالذكاء الاصطناعي الصيني يجذب رأس مال صناعيًا وماليًا كبيرًا وهذا مهم لأن قوة النظام الصيني قد لا تأتي من شركة واحدة، وإنما من تكامل شركات الاتصالات والطاقة والبطاريات والحوسبة والرقائق والذكاء الاصطناعي وهذا أحد الفروق المهمة في النموذج الصيني.
الحلقة الأضعف HBM
إذا كان هناك ملف ينبغي عدم تجميله في تقييم القدرات الصينية فهو الذاكرة عالية النطاق HBM. فالذكاء الاصطناعي المتقدم يحتاج إلى ذاكرة ذات عرض نطاق هائل، ولا تكفي قوة المعالج وحدها، وتشير بيانات حديثة إلى أن شركات صينية، ومنها Huawei وCambricon، رفعت أسعار بعض معالجات الذكاء الاصطناعي بسبب ارتفاع تكلفة HBM ونقص الإمدادات. وارتفع السعر الاسترشادي لبطاقة Huawei Ascend 950DT إلى أكثر من 250 ألف يوان وفق مصادر مطلعة، بزيادة تراوحت بين 20% و50% عن الأسعار المعلنة قبل شهرين وهذه نقطة مهمة للغاية فإذا كانت الصين قادرة على تصميم المعالج، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على الذاكرة المتقدمة بكلفة مناسبة وبكميات كبيرة، فإن الاختناق ينتقل من التصميم إلى السلسلة المحيطة بالتصميم، وهذا يؤكد مرة أخرى أن الحرب التكنولوجية هي حرب على السلسلة بأكملها.
معدات التصنيع العقدة الأصعب
الرقائق المتقدمة لا يمكن إنتاجها بمجرد امتلاك تصميم جيد، هناك حاجة إلى معدات تصنيع معقدة للغاية، وهنا لا تزال الصين تواجه فجوة حقيقية فشركة ASML الهولندية تحتفظ بموقع فريد في تقنيات الطباعة الضوئية المتقدمة، وخصوصًا EUV، التي تعد أساسية لأكثر عمليات التصنيع تقدمًا. وفي يوليو 2026، قالت Reuters إن الصين بدأت إحراز تقدم في تطوير معدات DUV محلية، لكن الكميات لا تزال صغيرة مقارنة بإنتاج ASML، بينما لا تزال تقنية EUV خارج نطاق الإنتاج التجاري الصيني المعروف، وهذه نقطة يجب أن تُقال بوضوح: فالصين تتقدم في توطين معدات الرقائق، لكنها لم تصل بعد إلى استقلال كامل في أكثر حلقات معدات التصنيع تقدمًا وفي الوقت نفسه، بدأت الصين في توسيع قاعدة شركاتها المحلية في المعدات، كما أن شركة Hua Hong تستعد لإنتاج رقائق 7 نانومتر على نطاق محدود، لتصبح ثاني شركة صينية بعد SMIC تدخل هذه التقنية، وفق تقارير Reuters.
إذن هناك تقدم في قدرة التصنيع، لكنه لا يعني أن الصين أصبحت مساوية لأفضل منظومات التصنيع العالمية في الكفاءة والعائد الإنتاجي.
لماذا يبقى التقدم الصيني مهمًا رغم هذه الفجوات؟
لأن تقييم القوة التكنولوجية لا يجب أن يقوم فقط على سؤال من يمتلك أصغر عقدة تصنيع؟ هناك عناصر أخرى، الصين تنتج كميات هائلة من الدوائر المتكاملة، وقد أعلنت بيانات رسمية أن إنتاجها بلغ 279.8 مليار دائرة متكاملة في النصف الأول من 2026، بزيادة 23.1% على أساس سنوي، كما تمتلك قاعدة ضخمة في: الإلكترونيات؛ الاتصالات؛ الطاقة؛ البطاريات؛ الألياف والمكونات البصرية؛ تصنيع المعدات؛ مراكز البيانات؛ سلاسل الإمداد الصناعية.
وتشير بيانات منشورة في يونيو إلى أن الشركات الصينية تحتل سبعة مراكز ضمن أكبر عشرة موردين عالميين للوحدات البصرية، مع حصة مجمعة تتجاوز 60% وفق LightCounting، كما ارتفع إنتاج الدوائر المتكاملة الصينية بقوة في بداية 2026 وهذه ليست تفاصيل ثانوية، فالذكاء الاصطناعي لا يقوم على المعالج وحده بل إنه يحتاج إلى المعالج مع الذاكرة مع الشبكات مع الألياف مع التخزين والطاقة والتبريد والبرمجيات ومراكز البيانات… وفي بعض هذه الحلقات تمتلك الصين نقاط قوة صناعية كبيرة بالفعل.
مراكز البيانات القوة الصينية التي لا تظهر في سباق الشرائح
تتوسع الصين بسرعة في بناء مراكز البيانات وتشير تقديرات حديثة إلى نحو 24 غيغاواط من قدرة مراكز البيانات التشغيلية في الصين، مع نحو 50 غيغاواط إضافية قيد التطوير، بينما تبقى الولايات المتحدة متقدمة في القدرة التشغيلية الإجمالية وفق التقدير نفسه. لكن المفارقة هنا مهمة لأن الصين تستطيع بناء البنية التحتية للحوسبة بسرعة، لكنها تواجه في الوقت نفسه قيودًا على الحصول على كميات كافية من المعالجات المتقدمة، وهذا يخلق معادلة مزدوجة: قوة في الأرض والطاقة والبناء والبنية التحتية واختناق في بعض عناصر الحوسبة المتقدمة، ومن الناحية الاستراتيجية، فإن هذه ليست مشكلة ثابتة بالضرورة فكلما توسعت مراكز البيانات، أصبح هناك سوق أكبر للرقائق المحلية، ما يخلق بدوره حافزًا أكبر لتطويرها.
الصين لا تتجه إلى الانغلاق التكنولوجي
من المهم جدًا ألا نقع في تفسير معاكس للسردية الغربية فنفترض أن الصين تريد بناء نظام مغلق تمامًا، الوقائع لا تدعم ذلكن ففي 5 أكتوبر 2026، أعلنت Huawei إبرام اتفاق ترخيص متعدد السنوات مع Qualcomm يغطي الذكاء الاصطناعي و5G والحوسبة والشبكات ومع وجود هذا الاتفاق وسط المنافسة المحتدمة يكشف أن الصين لا تزال تستخدم التعاون والملكية الفكرية والتبادل التجاري الدولي عندما يخدم مصالحها، وبالتالي فإن استراتيجية بكين يمكن وصفها بصورة أدق بأنها: تقليل الاعتماد الاستراتيجي، وليس إلغاء الترابط الاقتصادي والتكنولوجي وهذا فرق أساسي.
المفارقة الكبرى الحرب التكنولوجية قد تخلق منظومتين أكثر استقلالًا
إذا جمعنا المعطيات، نجد أن السياسة الأمريكية حققت بعض النتائج المباشرة فلقد صعّبت وصول الصين إلى بعض الرقائق المتقدمة وحدّت من وصولها إلى بعض معدات التصنيع كما رفعت كلفة بعض المدخلات وأبقت فجوات تقنية مهمة، لكن هناك نتيجة موازية فكلما أصبح الاعتماد على الخارج أكثر خطورة بالنسبة للصين، أصبح بناء البديل المحلي أكثر قيمة اقتصاديًا وسياسيًا، ولهذا فإن القيود أصبحت عاملًا في تسريع الاستثمار المحلي وتطوير الرقائق وتطوير البرمجيات مع بناء مراكز البيانات و تطوير المعدات و توطين الذاكرة وإنشاء منظومات مفتوحة المصدر.
حتى دراسة حديثة من CSIS تقر بأن القيود يمكن أن تؤخر وصول الصين إلى التكنولوجيا، لكنها قد تدفع الشركات إلى تصميم بدائل تقلل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، وتؤدي أيضًا إلى خسارة جزء من إيرادات الشركات الأمريكية وتعقيد التنسيق مع الحلفاء.
هذه ليست نتيجة سياسية منحازة للصين إنها مفارقة بنيوية في سياسات القيود التكنولوجية.
أين تقف الولايات المتحدة في هذه المعادلة؟
سيكون من الخطأ أن يتحول التقرير إلى سردية مضادة تقول إن الصين تجاوزت الولايات المتحدة، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك نقاط قوة هائلة في: تصميم المعالجات ومنظومة الذكاء الاصطناعي والبرمجيات وأدوات التصميم والشركات الرائدة في الحوسبة والملكية الفكرية ورأس المال الاستثماري والبحث العلمي وشبكات التحالفات التكنولوجية وقدرتها على التأثير في سلاسل توريد عالمية عبر حلفائها.
كما أن تايوان ما زالت عنصرًا محوريًا في صناعة الرقائق المتقدمة، وهو ما تظهره بيانات صادراتها القياسية في سبتمبر 2026 نتيجة الطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي إذن الصورة ليست: الصين صعدت والولايات المتحدة تراجعت، بل ان الولايات المتحدة لا تزال تملك نقاط اختناق رئيسية، بينما الصين تبني تدريجيًا نقاط قوة مقابلة في عدد متزايد من الحلقات وهذا هو التوصيف الأكثر دقة.
المعركة الحقيقية من يملك النظام لا المنتج؟
بعد جمع هذه المعطيات، يمكن تحديد ثماني جبهات رئيسية للصراع:
- الرقائق: الصراع على القدرة الحاسوبية الأساسية.
- الذاكرة: خصوصًا
- معدات التصنيع وتحديدًا أكثر تقنيات الطباعة والتصنيع تقدمًا.
- البرمجيات CUDA في الجانب الأمريكي، وCANN وبيئات Ascend وغيرها في الجانب الصيني.
- الشبكات والربط وهي ضرورية لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي ضخمة.
- مراكز البيانات أي تحويل القدرة النظرية إلى قدرة حوسبة فعلية.
- المعايير والاختبار من يقرر ما الذي يدخل الأسواق وبأي شروط.
- الأسواق: من يمتلك سوقًا كافية تسمح لشركاته بالتوسع واختبار منتجاتها ثم تصديرها.
ومن هنا فإن الصراع الحقيقي ليس على “أفضل شريحة”، وإنما على من يمتلك منظومة قادرة على الاستمرار والتوسع حتى في ظل القيود.
هل نحن أمام انفصال تكنولوجي؟
ليس بعد، الأدق هو الحديث عن فك ارتباط انتقائي ومتدرج، فالولايات المتحدة والصين ما زالتا مرتبطتين في التجارة؛ الملكية الفكرية؛ بعض البرمجيات؛ بعض المكونات؛ الأسواق؛ سلاسل التوريد العالمية… وفي الوقت نفسه، كل طرف يحاول تقليل الاعتماد على الطرف الآخر في القطاعات الأكثر حساسية، وهذا ينتج نظامًا هجينًا فيه تنافس في القمة، ترابط في الوسط، وتنافس على الأسواق والمعايير في الأطراف، وهذا السيناريو يبدو أكثر اتساقًا مع الوقائع الحالية من فرضية الانقسام الكامل والفوري.
التداعيات على النظام العالمي
النتيجة الأهم لن تكون بالضرورة انتصار منظومة على أخرى فالأرجح أن العالم يتجه إلى تعددية تكنولوجية أكبر فإذا استمرت واشنطن في تقييد بعض التقنيات، واستمرت بكين في بناء البدائل، ستجد الدول الأخرى نفسها أمام خيارات متعددة منها التكنولوجيا الأمريكية والتكنولوجيا الصينية كذلك حلول أوروبية ويابانية وكورية أو مزيج من هذه المنظومات، وهذا قد يمنح دولًا في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية مساحة أكبر للتفاوض.
بالنسبة للدول النامية، لا ينبغي أن يكون السؤال مع من نقف؟ بل السؤال هو كيف نستفيد من المنافسة التكنولوجية للحصول على الاستثمار ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية دون الوقوع في تبعية جديدة لأي منظومة؟ وهذه إحدى أهم النتائج الجيوسياسية للحرب التكنولوجية.
التقدير الاستراتيجي
بعد فصل البيانات المؤكدة عن تصريحات الشركات والحكومات، يمكن استخلاص الآتي:
1- أولًا الولايات المتحدة ما زالت تمتلك تفوقًا واضحًا في عدد من نقاط الاختناق التكنولوجية، ولكن هذا التفوق لا يعني قدرتها على منع الصين من تطوير قطاعها التكنولوجي بصورة مطلقة.
2- ثانيًا الصين لم تحقق استقلالًا تكنولوجيًا كاملًا فالفجوات في HBM، وبعض معدات التصنيع المتقدمة، والتقنيات الأكثر تقدمًا في الطباعة الضوئية، وبعض البرمجيات والأدوات، ما زالت حقيقية.
3- ثالثًا لكن الصين لم تتوقف عند محاولة سد الفجوة، فهي تبني منظومة متكاملة تضم الرقائق والبرمجيات ومراكز البيانات والشبكات والذكاء الاصطناعي والبنية الصناعية.
4- رابعًا القيود الأمريكية تعمل في اتجاهين متناقضين فهي تقلل بعض القدرات الصينية في المدى القصير، لكنها تزيد في الوقت نفسه قيمة الاستثمار في البدائل المحلية الصينية.
5- خامسًا Huaweiهي أحد أهم مؤشرات هذا التحول ليس لأنها أصبحت بديلًا مكافئًا لـNvidia أو ASML، وإنما لأنها تتحرك من إنتاج شرائح منفردة إلى بناء منظومة حوسبة متكاملة حول Ascend.
6- سادسًا DeepSeekيضيف بعدًا مختلفًا فالمنافسة الصينية لا تعتمد فقط على زيادة عدد الشرائح، وإنما أيضًا على كفاءة الخوارزميات والبرمجيات واستخدام الموارد الحاسوبية.
7- سابعًا الترابط لم ينتهِ اتفاق Huawei وQualcomm الأخير يثبت أن المنافسة لا تلغي التعاون التجاري والتكنولوجي عندما تتقاطع المصالح.
8- ثامنًا التحول الأكبر يتمثل في أن القوة التكنولوجية أصبحت موزعة على عدد أكبر من مراكز القوة وهذا يعني أن مستقبل النظام التكنولوجي العالمي قد يكون أقل أحادية من المرحلة السابقة.
السيناريوهات
1- السيناريو الأول: منافسة محكومة تستمر القيود، لكن مع إبقاء قنوات محددة للتجارة والترخيص والتعاون. في هذه الحالة تستمر الصين في بناء بدائلها، لكن يبقى قدر من الاعتماد المتبادل.
2- السيناريو الثاني: فك ارتباط متسارع وتتوسع القيود الأمريكية إلى مزيد من القطاعات، وترد الصين بتقييد مكونات أو تقنيات أو أسواق مقابلة والنتيجة ستكون ارتفاع تكلفة التكنولوجيا عالميًا وظهور معايير ومنظومات أكثر انفصالًا.
3- السيناريو الثالث: تضييق الفجوة الصينية إذا نجحت الصين خلال السنوات المقبلة في تحسين HBM ومعدات التصنيع والبرمجيات، فإن القيود ستصبح أقل قدرة على تعطيل نمو قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني وهنا قد تتحول المنافسة من محاولة احتواء التكنولوجيا الصينية إلى منافسة مباشرة بين منظومتين.
4- السيناريو الرابع: إعادة التوازن قد تصل واشنطن وبكين إلى صيغة تسمح بتبادل التكنولوجيا التجارية الأقل حساسية، مع إبقاء القيود على التقنيات ذات الاستخدامات العسكرية والاستراتيجية. هذا السيناريو لا يعني انتهاء المنافسة، بل تحويلها من مواجهة مفتوحة إلى منافسة منظمة.
الخلاصة
الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين لم تعد مجرد صراع على من يمتلك الرقاقة الأفضل، إنها صراع على القدرة على بناء منظومة تكنولوجية مستقلة وقابلة للتوسع، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك نقاط اختناق مهمة في قلب التكنولوجيا المتقدمة، ولا سيما في بعض الشرائح والبرمجيات وأدوات التصميم ومعدات التصنيع وشبكات الشركات العالمية، لكن الصين، في المقابل، لا تتعامل مع هذه النقاط باعتبارها حدودًا نهائية لقدرتها، بل إنها تعيد تنظيم قطاعها التكنولوجي حول هدف أكثر واقعية: تقليل عدد نقاط الاختناق التي يمكن أن يتحكم فيها الخارج في مسارها التنموي والتكنولوجي، وهنا تحديدًا تكمن أهمية Huawei وAscend وDeepSeek. فالقصة ليست أن الصين أنتجت شريحة تنافس Nvidia وانتهى الأمر انما القصة هي أن الصين تحاول بناء سلسلة متكاملة تبدأ من الرقاقة ولا تنتهي عندها: تصميم وتصنيع و ذاكرة وتغليف وربط و برمجيات وذكاء اصطناعي ومراكز بيانات وتطبيقات وسوق.و
وفي الوقت نفسه، يجب عدم تجاوز حقيقة أن هذه السلسلة ما زالت تحتوي على حلقات تعتمد بدرجات مختلفة على التكنولوجيا الأجنبية، وأن بعض أهم الاختناقات، وخصوصًا HBM ومعدات التصنيع الأكثر تقدمًا، لم تُحل بصورة كاملة، لذلك فإن القول بأن الصين تجاوزت الولايات المتحدة سيكون غير دقيق، كما أن القول بأن القيود الأمريكية أوقفت صعود الصين سيكون أكثر خطأ.
التحول الحقيقي هو أن المسافة بين الطرفين لم تعد تُقاس فقط بمستوى التكنولوجيا، وإنما بقدرة كل طرف على بناء منظومة كاملة حول التكنولوجيا التي يمتلكها، وهنا قد تكون المفارقة الأهم في الحرب الحالية فكلما حاولت واشنطن جعل بعض التكنولوجيا المتقدمة أقل إتاحة للصين، ارتفعت القيمة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية التي توليها بكين لتطوير البدائل المحلية.
وفي المقابل، كلما توسعت الصين في بناء هذه البدائل، ازدادت الضغوط الأمريكية للحفاظ على نقاط التفوق والاختناق التي لا تزال تملكها. وبذلك تدخل العلاقات الصينية–الأمريكية مرحلة جديدة لا تقوم على الانفصال الكامل، وإنما على إعادة توزيع الاعتماد التكنولوجين وهذا قد يكون أهم من مسألة من يفوز في سباق الرقائق، لأن النتيجة النهائية قد لا تكون عالمًا تكنولوجيًا تقوده واشنطن أو بكين وحدها، بل عالمًا تتوزع فيه القوة بين منظومات متعددة، وتصبح القدرة على الابتكار، والتصنيع، ووضع المعايير، والتحكم في الأسواق، وتقليل نقاط الضعف الخارجية هي المعيار الحقيقي للقوة التكنولوجية في النظام الدولي الجديد.
وعليه، فإن الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين ليست مجرد معركة على مستقبل صناعة الرقائق؛ إنها إحدى المعارك الرئيسية على شكل النظام الاقتصادي والتكنولوجي العالمي خلال العقد المقبل.



