اليابان ترفع جزئياً تجميد الأصول عن 16 كياناً سورياً وتبقي العقوبات على بشار الأسد

قسم الأخبار الدولية 30-09-2026
أعلنت اليابان، الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، رفع تدابير تجميد الأصول وقيود مالية أخرى عن 16 كياناً سورياً، في خطوة جديدة ضمن مسار التخفيف التدريجي للعقوبات التي فرضتها طوكيو منذ عام 2011 على الرئيس السوري السابق بشار الأسد وأفراد وكيانات مرتبطة بنظامه. ويأتي القرار في ظل التحولات السياسية التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وفي سياق إعادة عدد من الدول تقييم علاقاتها مع دمشق.
وأوضحت وزارة الخارجية اليابانية أن قرار رفع القيود جاء في ضوء التطورات اللاحقة في سوريا والعلاقات الثنائية بين طوكيو ودمشق، مؤكدة أن الإجراء يندرج ضمن رفع جزئي لتدابير تجميد الأصول وليس إلغاءً كاملاً لنظام العقوبات الياباني المفروض على الشخصيات والجهات المرتبطة بالنظام السابق.
16 كياناً تخرج من قائمة العقوبات
شملت قائمة الكيانات التي رفعت عنها اليابان الإجراءات عدداً من المؤسسات الحكومية والأمنية والمصرفية والاقتصادية، من بينها وزارتا الدفاع والداخلية، وإدارة الأمن السياسي، والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ومؤسسة الإسكان العسكري.
كما شمل القرار عدداً من المؤسسات المصرفية، بينها المصرف التجاري السوري، والمصرف العقاري، والمصرف السوري اللبناني التجاري، وبنك سوريا الدولي الإسلامي، إضافة إلى مجموعة من المؤسسات والشركات العاملة في قطاع الطاقة، مثل المؤسسة العامة للنفط، والشركة السورية للنفط، والشركة السورية لنقل النفط، وشركة سيترول لتجارة النفط، وشركة محروقات.
وامتدت عملية رفع القيود أيضاً إلى شركة الاتصالات سيريتل ومؤسسة تسويق القطن. ويعكس تنوع الجهات المشمولة بالقرار أهمية الخطوة بالنسبة للقطاعات المالية والطاقة والاتصالات والمؤسسات الحكومية، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بعملية إعادة تنشيط الاقتصاد السوري وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
العقوبات لم تُرفع بالكامل
رغم أهمية القرار، فإن طوكيو أبقت جزءاً كبيراً من نظام العقوبات قائماً. فبعد شطب 16 كياناً من القائمة، لا تزال إجراءات تجميد الأصول وغيرها من القيود سارية على 59 شخصاً و15 كياناً، ومن بينهم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وفق ما أوردته وزارة الخارجية اليابانية.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار القرار الياباني تطبيعاً كاملاً مع جميع الشخصيات والجهات المرتبطة بالنظام السابق، وإنما يمثل تخفيفاً انتقائياً ومحدداً للعقوبات يستهدف كيانات ترى طوكيو أن التعامل معها أصبح مرتبطاً بالمرحلة الجديدة التي تمر بها سوريا.
وتنص الإجراءات اليابانية الخاصة بتجميد الأصول على ضرورة الحصول على موافقة السلطات المختصة لإجراء بعض المدفوعات والتحويلات المالية مع الأشخاص والكيانات المدرجة على قوائم العقوبات، وذلك بموجب قانون النقد الأجنبي والتجارة الخارجية الياباني.
خطوة ثانية بعد رفع العقوبات عن أربعة مصارف
لا يمثل القرار الحالي بداية التخفيف الياباني للعقوبات على سوريا، إذ سبق لطوكيو أن اتخذت خطوة مماثلة في مايو 2025 عندما رفعت تدابير تجميد الأصول عن أربعة مصارف سورية، هي البنك الصناعي وبنك التسليف الشعبي ومصرف التوفير والمصرف الزراعي التعاوني.
وبعد القرار الجديد، يرتفع عدد الكيانات السورية التي رفعت عنها اليابان هذه الإجراءات إلى 20 كياناً منذ بدء مسار التخفيف في 2025، بينما ينخفض عدد الكيانات التي لا تزال خاضعة للإجراءات من 31 إلى 15 كياناً.
ويشير هذا التسلسل إلى أن السياسة اليابانية تجاه سوريا تتحرك تدريجياً، بحيث يتم تخفيف القيود على المؤسسات الاقتصادية والمالية وبعض مؤسسات الدولة، مع الإبقاء على عقوبات تستهدف أشخاصاً وكيانات مرتبطة بالنظام السابق.
طوكيو تركز على إعادة إعمار سوريا
يحمل القرار أيضاً بعداً اقتصادياً واضحاً. فقد أوضح كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني مينورو كيھارا أن العديد من الكيانات التي أزيلت من قائمة العقوبات يُتوقع أن تؤدي دوراً في إعادة إعمار سوريا، مشيراً إلى أن استقرار سوريا وتنميتها يرتبطان باستقرار منطقة الشرق الأوسط ككل، وأن طوكيو تعتزم دعم البلاد.
ويكتسب هذا الموقف أهمية بالنظر إلى أن عملية إعادة الإعمار السورية تحتاج إلى إعادة تشغيل المؤسسات المالية والطاقة والخدمات الأساسية، وهي قطاعات كانت متأثرة بدرجات مختلفة بالعقوبات الدولية والقيود المالية المفروضة خلال سنوات الحرب.
ومن هذه الزاوية، فإن رفع التجميد عن بعض المصارف وشركات النفط والمؤسسات الحكومية يمكن أن يوفر مجالاً أوسع أمام التعاملات الاقتصادية والمالية المرتبطة بهذه المؤسسات، رغم أن تأثير القرار يبقى مرتبطاً أيضاً بمواقف الدول الأخرى وبطبيعة العقوبات الدولية التي لا تزال قائمة.
إعادة بناء العلاقات اليابانية السورية
يتزامن القرار مع إعادة بناء العلاقات الثنائية بين اليابان وسوريا. فقد استأنف البلدان علاقاتهما الدبلوماسية في ديسمبر 2025 بعد قطيعة استمرت نحو 15 عاماً، في أعقاب التحولات السياسية التي شهدتها سوريا وسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
ويعكس ذلك انتقال السياسة اليابانية من التعامل مع سوريا باعتبارها دولة تخضع لنظام عقوبات مرتبط بحكم الأسد إلى محاولة بناء علاقة مع السلطات الجديدة في دمشق، مع الإبقاء على أدوات ضغط تستهدف بعض الأفراد والجهات المرتبطة بالنظام السابق.
وتندرج هذه السياسة ضمن اتجاه أوسع لدى عدد من الدول لإعادة تقييم علاقاتها مع سوريا، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بإعادة الإعمار والاستقرار السياسي والاقتصادي وعودة العلاقات الدبلوماسية.
دلالة جيوسياسية
يحمل القرار الياباني أهمية تتجاوز الجانب المالي، لأنه يعكس إعادة تموضع تدريجية لطوكيو تجاه سوريا الجديدة. فرفع القيود عن مؤسسات مرتبطة بالطاقة والقطاع المصرفي ووزارتي الدفاع والداخلية يشير إلى استعداد اليابان للتعامل مع مؤسسات الدولة السورية في إطار المرحلة السياسية الجديدة، دون أن يعني ذلك التخلي الكامل عن العقوبات المرتبطة بأفراد وكيانات من النظام السابق.
كما أن دخول اليابان بصورة أكبر في ملف إعادة إعمار سوريا يمكن أن يمنحها موقعاً في مرحلة إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية مع دمشق. وتملك طوكيو أدوات مختلفة في هذا المجال، خصوصاً في مجالات التنمية والبنية التحتية والطاقة والمساعدات الفنية، وهي مجالات قد تكتسب أهمية أكبر مع انتقال سوريا من مرحلة الحرب والعقوبات إلى مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد.
وفي المقابل، فإن إبقاء العقوبات على 59 شخصاً و15 كياناً يوضح أن السياسة اليابانية لا تتجه إلى رفع شامل وفوري للقيود، وإنما تعتمد مقاربة تدريجية مرتبطة بتطورات الوضع السوري وبطبيعة العلاقات الثنائية مع دمشق.
وبذلك، يمثل قرار 29 سبتمبر 2026 خطوة جديدة في مسار إعادة إدماج سوريا تدريجياً في العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الدولية، مع استمرار التمييز بين مؤسسات الدولة التي أصبحت جزءاً من المرحلة الجديدة وبين الأشخاص والجهات التي لا تزال مرتبطة بالعقوبات المفروضة على نظام بشار الأسد.



