أخبار العالمالشرق الأوسط

زيارة سرية في توقيت حساس: لماذا عاد نتنياهو إلى أبوظبي بعد انكشاف تحذيرات ما قبل 7 أكتوبر؟

نتنياهو في أبوظبي.. زيارة سرية تعيد فتح ملف تحذيرات ما قبل 7 أكتوبر

لم يكن خروج بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي يوم 27 سبتمبر 2026 مجرد زيارة خارجية عابرة. رئيس الوزراء الإسرائيلي سافر في رحلة لم يُعلن عنها مسبقًا، والتقى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، قبل أن تؤكد أبوظبي الزيارة رسميًا في اليوم التالي.

ووفق الرواية الإماراتية الرسمية، تناول اللقاء العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، بينما أشارت رويترز إلى أن الملف الإيراني كان حاضرًا في المحادثات.

لكن توقيت الزيارة جعلها أكثر إثارة للاهتمام من مضمون البيان الرسمي. فهي جاءت بعد أسابيع من عودة قضية قديمة إلى الواجهة:

 ماذا كانت القيادة الإسرائيلية تعرف قبل هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023؟

 وهل وصلت إليها تحذيرات من خارج إسرائيل، وماذا فعلت بها؟

القصة بدأت بتقرير نشرته صحيفة “هآرتس” عن تحذير مزعوم وجهه محمد بن زايد إلى نتنياهو قبل الهجوم، بعد أن تلقى الجانب الإماراتي معلومات عن استعداد حماس لتنفيذ عملية كبيرة. نتنياهو نفى ذلك بصورة قاطعة، وقال مكتبه إنه لم يتلق أي تحذير إماراتي قبل 7 أكتوبر، ثم جاءت زيارة أبوظبي لتضيف عنصرًا جديدًا إلى القضية.

فبحسب شخص قال لوكالة أسوشيتد برس إنه كان على اطلاع مباشر على الاجتماع، طلب نتنياهو من محمد بن زايد أن ينفي علنًا الرواية التي تحدثت عن تحذيره قبل الهجوم. وأفاد مصدر إقليمي آخر أُطلع على اللقاء بأن هذه المسألة كانت حاضرة في المحادثات. لكن هذه الرواية لم تُثبت بوثيقة أو تسجيل علني، كما أن مكتب نتنياهو نفى أن تكون الزيارة قد تمت لهذا الغرض، فيما امتنعت أبوظبي عن التعليق على تفاصيل اللقاء الخاص.

وهنا تكمن أهمية القصة فزيارة نتنياهو لا تثبت أن الهدف منها كان احتواء قضية التحذير الإماراتي، لكنها جاءت في اللحظة التي أصبحت فيها هذه القضية واحدة من أكثر الملفات حساسية في النقاش الإسرائيلي حول إخفاقات ما قبل 7 أكتوبر، والأهم أن الرواية الإماراتية لم تعد تقف وحدها.

 

ففي الأيام الأخيرة، نشرت “وول ستريت جورنال” تقريرًا قالت فيه إن عباس كامل، الذي كان يرأس جهاز المخابرات العامة المصرية آنذاك، اتصل بنتنياهو قبل أيام من هجوم 7 أكتوبر، بعد تحذيرين مصريين سابقين. ووفق المصادر التي تحدثت إليها الصحيفة، استمرت القاهرة في نقل إشارات تحذيرية إلى إسرائيل حتى الساعات أو الأيام الأخيرة التي سبقت الهجوم.

وتزامن ذلك مع ما نشرته مجلة “ذي أتلانتيك” عن زيارة قام بها عباس كامل إلى إسرائيل في أواخر سبتمبر 2023، حيث نقل إلى المسؤولين الإسرائيليين مخاوف مصرية من انفجار الوضع في غزة. لكن الرواية المصرية، وفق ما أوردته المجلة، لم تتضمن موعدًا محددًا لهجوم من النوع الذي وقع في 7 أكتوبر، وهو تفصيل مهم عند تقييم ما إذا كانت المعلومات المتاحة آنذاك ترقى إلى تحذير استخباري محدد أم أنها كانت تحذيرات عامة بشأن تدهور الوضع، وهذا هو الجزء الذي ينبغي عدم القفز فوقه.

وجود تحذيرات قبل الهجوم لا يعني تلقائيًا أن نتنياهو كان يعرف موعد العملية أو تفاصيلها أو حجمها. كما أن إثبات وصول معلومة إلى رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة إثبات أنه فهمها بالطريقة نفسها التي نراها اليوم بعد وقوع الحدث. وفي المقابل، فإن تعدد التحذيرات الصادرة عن أطراف إقليمية مختلفة يطرح سؤالًا مشروعًا حول كيفية تعامل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية معها. بعبارة أخرى، القضية لم تعد فقط: “هل حذر محمد بن زايد نتنياهو أم لا؟”

السؤال الأوسع هو، كم تحذيرًا وصل إلى إسرائيل قبل 7 أكتوبر، وإلى من وصل، وما طبيعة المعلومات التي حملتها هذه التحذيرات، وأين توقفت داخل سلسلة اتخاذ القرار؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من الجدل الإعلامي حول زيارة أبوظبي نفسها، لأنها تنقل النقاش من مستوى الرواية السياسية إلى مستوى يمكن اختباره بالوثائق وسجلات الاتصالات ومحاضر الاجتماعات وشهادات المسؤولين الذين كانوا في مواقع القرار آنذاك.

ومن هذه الزاوية، فإن لقاء نتنياهو بمحمد بن زايد يكتسب دلالة خاصة. فالرجلان التقيا بعيدًا عن الأضواء في وقت عاد فيه اسم الإمارات إلى ملف 7 أكتوبر، ثم ظهرت رواية تقول إن نتنياهو طلب من الرئيس الإماراتي نفي ما نشرته “هآرتس” وفي الوقت نفسه، ظهرت معلومات جديدة عن تحذيرات مصرية سابقة للهجوم.

قد تكون هذه مجرد مصادفة في التوقيت، وقد يكون اللقاء مرتبطًا بملفات إقليمية أكثر إلحاحًا، ولا سيما إيران، كما تقول الرواية الرسمية. وقد يكون ملف التحذير حاضرًا بالفعل في النقاش بين الرجلين المتاح حتى الآن لا يسمح بالجزم بأحد هذه الاحتمالات.

 

لكن المؤكد أن القضية بدأت تتجاوز الرواية الأولى التي دارت حول تحذير إماراتي مزعوم. فمع ظهور المعلومات المتعلقة بمصر، أصبح الحديث يدور عن منظومة أوسع من الإنذارات التي سبقت الهجوم، وعن السؤال الأصعب:

هل كانت المشكلة في غياب المعلومات، أم في تقييمها، أم في نقلها، أم في القرار السياسي الذي اتُّخذ على أساسها؟

وهنا يصبح ملف 7 أكتوبر أكثر من مجرد خلاف سياسي بين نتنياهو ومعارضيه. إنه سؤال يتعلق بكيفية عمل منظومة الأمن القومي الإسرائيلية كلها قبل الهجوم، وبالمسؤولية السياسية والمؤسساتية عن واحدة من أكبر المفاجآت الأمنية التي شهدتها إسرائيل.

أما تحميل نتنياهو مسؤولية جنائية بصورة مباشرة، أو القول إن زيارته إلى أبوظبي كانت بهدف “التستر” على التحذيرات، فلا يمكن حسمه من خلال التقارير الصحفية وحدها. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة ووثائق وتحقيق رسمي يحدد بدقة ما الذي عرفه رئيس الوزراء، ومتى عرفه، وما الذي طُلب منه أو اتخذه بعد ذلك.

الخلاصة

أن زيارة أبوظبي فتحت نافذة جديدة على ملف لم يُغلق بعد، فبينما ينفي نتنياهو تلقيه تحذيرًا إماراتيًا، تتحدث تقارير أخرى عن تحذيرات مصرية سبقت الهجوم، بينما تقول رواية منسوبة إلى مصدر مطلع إن رئيس الوزراء طلب من محمد بن زايد نفي التحذير المزعوم.

وبين هذه الروايات المتعارضة، تبقى الحقيقة التي تستحق التحقيق أبسط وأخطر في الوقت نفسه:

من كان يعلم أن شيئًا كبيرًا قد يحدث في غزة قبل 7 أكتوبر 2023؟ ومن تلقى التحذيرات؟ ولماذا لم تتحول تلك التحذيرات إلى إجراء يمنع الكارثة؟**

قد تحمل الإجابة عن هذه الأسئلة وزنًا أكبر بكثير من تفاصيل زيارة سرية واحدة إلى أبوظبي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق