أخبار العالم

دول اتفاقيات أبراهام تعيد إطلاق مسار التطبيع رغم تداعيات حرب غزة

عقد ممثلون عن الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب اجتماعًا مشتركًا في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026، هو الأول من نوعه منذ 7 أكتوبر 2023، في خطوة تعكس مساعي واشنطن إلى إعادة تنشيط مسار اتفاقيات أبراهام وتعزيز التعاون بين الدول المنخرطة فيه. وجاء الاجتماع على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وبمشاركة مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى.

وشهد الاجتماع مشاركة كازاخستان للمرة الأولى، بعدما أبدت أستانا اهتمامًا بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام. وناقش المشاركون سبل تعميق العلاقات القائمة وتحديد مجالات عملية للتعاون، إلى جانب بحث خطوات إضافية لتطوير الإطار المؤسسي للتعاون بين الدول المشاركة.

وتعود اتفاقيات أبراهام إلى عام 2020، عندما جرى إطلاق مسار لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بدأت بالإمارات والبحرين ثم المغرب. وقد مثّل المسار آنذاك أحد أبرز مكونات الرؤية الأميركية لإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية على أساس التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والأمني. 

تعود اتفاقيات أبراهام إلى الواجهة في وقت ما تزال فيه القضية الفلسطينية في قلب التحولات السياسية في الشرق الأوسط وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة التطبيع مع إسرائيل في ظل استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية والسياسات المرتبطة به

فالمسألة لا تتعلق بمجرد إقامة علاقات دبلوماسية بين دول ذات سيادة وإنما تتعلق بسياق سياسي وقانوني أكثر تعقيدا يتمثل في استمرار السيطرة الإسرائيلية على أراض فلسطينية احتلت عام 1967 وفي هذا السياق أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في جويلية 2024 أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني وأن إسرائيل لا تملك حق السيادة أو ممارسة سلطات سيادية على أي جزء من هذه الأراضي بسبب الاحتلال كما أكدت المحكمة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره

ويطرح ذلك إشكالية أساسية أمام مشروع التطبيع الذي تسعى الولايات المتحدة إلى توسيعه في المنطقة إذ يجري التعامل مع إسرائيل باعتبارها طرفا طبيعيا في منظومة العلاقات الإقليمية من خلال الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والأمنية والتكنولوجية في حين تستمر في الأراضي الفلسطينية وضعية احتلال اعتبرتها أعلى هيئة قضائية دولية غير قانونية

وتزداد هذه المفارقة وضوحا عندما تتم عملية التطبيع دون ربطها بشكل مباشر بإنهاء الاحتلال أو ضمان الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني فبدلا من أن تكون معالجة القضية الفلسطينية مدخلا لإعادة بناء العلاقات الإقليمية أصبح التطبيع في جانب منه مسارا منفصلا عن القضية الفلسطينية وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية بناء استقرار إقليمي حقيقي مع إبقاء أحد أهم مصادر الصراع في المنطقة دون حل

وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن على جميع الدول عدم الاعتراف بالوضع الناتج عن الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعدم تقديم المساعدة في الحفاظ على هذا الوضع كما شددت على ضرورة التمييز في العلاقات مع إسرائيل بين أراضي دولة إسرائيل وبين الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند مناقشة الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية التي ترافق مسار التطبيع لأن القضية لا تتعلق فقط بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وإنما أيضا بضرورة التأكد من أن العلاقات الدولية لا تتحول إلى وسيلة لترسيخ واقع الاحتلال أو التعامل مع الأراضي المحتلة وكأنها جزء من السيادة الإسرائيلية

ومن هنا تظهر إحدى أبرز التناقضات السياسية في مشروع اتفاقيات أبراهام فبينما تقدم الولايات المتحدة هذا المسار باعتباره وسيلة لتعزيز الاستقرار والتعاون الاقتصادي والأمني في الشرق الأوسط فإن استمرار الاحتلال والاستيطان وغياب حل سياسي للقضية الفلسطينية يجعل مفهوم الاستقرار نفسه موضع نقاش

وقد أدت الحرب على غزة إلى تعميق هذه الإشكالية بصورة أكبر إذ أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد الإقليمي والدولي وأظهرت أن محاولة تجاوز الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال بناء علاقات إقليمية جديدة لا تعني اختفاء القضية الفلسطينية من المعادلات السياسية

فالحرب لم تؤد فقط إلى أزمة إنسانية وسياسية واسعة وإنما أعادت أيضا طرح الأسئلة المتعلقة بالقانون الدولي وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وبمسؤولية الدول تجاه الأوضاع القائمة في الأراضي المحتلة ولذلك أصبح من الصعب التعامل مع التطبيع باعتباره ملفا منفصلا تماما عن مستقبل غزة والضفة الغربية والقدس والقضية الفلسطينية ككل

كما أن استمرار التعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجي مع إسرائيل في ظل هذه الظروف يطرح سؤالا سياسيا جوهريا حول حدود العلاقات الدولية مع دولة تمارس سيطرة على أراض تعتبرها المؤسسات الدولية أراضي محتلة وحول ما إذا كان توسيع هذه العلاقات يمكن أن يساهم في تغيير الواقع القائم أم أنه قد يؤدي عمليا إلى تطبيع الوضع القائم ومنحه شكلا من أشكال القبول السياسي

ولا يعني ذلك أن العلاقات الدبلوماسية بين الدول يجب أن تتوقف بالضرورة بسبب وجود نزاع سياسي وإنما يطرح إشكالية تتعلق بالمسؤولية الدولية للدول عندما تكون علاقاتها مع طرف معين مرتبطة بوضع إقليمي غير قانوني وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن الدول مطالبة بعدم الاعتراف بالوضع الناتج عن الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وبالامتناع عن المساعدة في الحفاظ عليه

ومن هذا المنظور تصبح اتفاقيات أبراهام جزءا من نقاش أوسع حول طبيعة النظام الإقليمي الذي يجري بناؤه في الشرق الأوسط فهل تقوم هذه المنظومة على التعاون بين الدول فقط أم أنها قادرة أيضا على معالجة مسألة الاحتلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها وهل يمكن تحقيق سلام إقليمي مستدام من خلال إعادة ترتيب العلاقات بين الحكومات دون معالجة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

وتكشف إعادة تحريك الاتفاقيات في ظل حرب غزة عن محاولة لإعادة إطلاق مشروع التطبيع رغم التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة منذ عام 2023 غير أن مستقبل هذا المسار يبقى مرتبطا بالسؤال الفلسطيني لأن استمرار تجاهل الاحتلال أو التعامل معه باعتباره مسألة منفصلة عن بناء الأمن والاستقرار الإقليمي قد يبقي التناقض قائما بين مشروع التطبيع من جهة ومبادئ القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره من جهة أخرى

وبذلك لا تطرح اتفاقيات أبراهام مسألة التطبيع فقط وإنما تطرح سؤالا أوسع حول معنى السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وحول ما إذا كان من الممكن بناء نظام إقليمي جديد يقوم على التعاون الاقتصادي والأمني بينما يستمر الاحتلال ويظل الشعب الفلسطيني محرومًا من ممارسة حقه في تقرير مصيره

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق