الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة وسط أزمات دولية وأزمة متصاعدة في فعالية النظام متعدد الأطراف

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم الاخبار الدولية 21-09-2026
تنعقد أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في ظرف دولي شديد التعقيد، تتقاطع فيه النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية والتوترات الجيوسياسية مع تحولات عميقة في موازين القوى الدولية. ومع اجتماع قادة وممثلي دول العالم في مقر المنظمة الدولية، تتحول نيويورك إلى ساحة دبلوماسية مكثفة لمناقشة أبرز الملفات التي ترسم ملامح النظام الدولي، من الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط إلى أمن الطاقة والتغير المناخي والذكاء الاصطناعي والتنمية العالمية.
وكانت الدورة الـ81 قد افتُتحت رسميًا في 8 سبتمبر 2026، فيما تبدأ المناقشة العامة رفيعة المستوى في 22 سبتمبر وتستمر حتى 26 سبتمبر، على أن تستأنف في 28 سبتمبر. وتحمل الدورة شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، وهو شعار يعكس إلى حد كبير التحديات التي تواجه المنظمة في مرحلة تتزايد فيها الأزمات وتتراجع فيها مساحات التوافق بين القوى الدولية.
وتأتي هذه الاجتماعات في وقت تواجه فيه منظومة الأمم المتحدة أزمة تتعلق بقدرتها على الاستجابة الفعالة للأزمات الدولية. فعلى الرغم من استمرار المنظمة في لعب دور أساسي كمنصة للحوار والتفاوض بين الدول، فإن الخلافات بين القوى الكبرى، ولا سيما داخل مجلس الأمن، تحد من قدرتها على اتخاذ قرارات موحدة بشأن عدد من الملفات الحساسة.
ويبرز حق النقض الذي تتمتع به الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن باعتباره أحد أبرز مظاهر هذا التعقيد. فعندما تتعارض المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، يمكن للخلافات بينها أن تعرقل صدور قرارات تتعلق بالحروب والأزمات الدولية. وقد ساهم تزايد استخدام الفيتو والانقسامات داخل المجلس في تصاعد النقاش حول فعالية آليات الحوكمة الدولية وضرورة إصلاح المؤسسات الأممية.
ولا يقتصر هذا الضعف على مجلس الأمن، إذ تواجه منظومة الأمم المتحدة ككل ضغوطًا مالية ومؤسساتية، وتعددًا في الأزمات الإنسانية، وصعوبات في التنسيق بين وكالاتها وبرامجها المختلفة. ومن هنا برزت مبادرات إصلاحية تهدف إلى جعل المنظمة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحديات الجديدة، في إطار مساعي إصلاح الأمم المتحدة وتعزيز التعاون متعدد الأطراف.
الشرق الأوسط في صدارة الأجندة الدولية
من المرجح أن تحتل أزمات الشرق الأوسط موقعًا مركزيًا في المناقشات واللقاءات التي ترافق الدورة الحالية، في ظل استمرار الحرب والتوترات الإقليمية وتزايد المخاوف بشأن اتساع نطاق المواجهات.
وتبرز القضية الفلسطينية باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية والقانونية، إلى جانب النقاش الدولي حول مستقبل القضية الفلسطينية وحل الدولتين ودور المجتمع الدولي في حماية المدنيين وتطبيق قواعد القانون الدولي.
كما تفرض التوترات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وأمن الخليج نفسها على المشهد الدبلوماسي، خصوصًا في ظل التطورات المرتبطة بمضيق هرمز والملاحة الدولية وأمن الطاقة. ويكتسب هذا الملف أهمية تتجاوز المنطقة، نظرًا إلى الدور الذي تلعبه الممرات البحرية في استقرار أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي موازاة ذلك، تظل أزمات سوريا واليمن ولبنان وغيرها من الملفات الإقليمية حاضرة في النقاشات المتعلقة بالأمن الجماعي والاستقرار الإقليمي، بما يعكس استمرار صعوبة الوصول إلى تسويات سياسية شاملة في عدد من النزاعات الممتدة.
الحرب في أوكرانيا والتنافس بين القوى الكبرى
تمثل الحرب الروسية الأوكرانية ملفًا رئيسيًا آخر في أجندة الدورة، في ظل استمرار العمليات العسكرية والخلافات بشأن شروط التسوية ومستقبل الأمن الأوروبي.
ولا تتعلق الأزمة بالحرب نفسها فقط، بل أصبحت مرتبطة بإعادة تشكيل التوازنات الأمنية والاقتصادية في أوروبا وبالعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تأثير العقوبات وإعادة ترتيب أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
كما تعكس الأزمة الأوكرانية أحد أوجه الانقسام الأوسع داخل النظام الدولي، حيث تتباين مواقف الدول تجاه العقوبات الغربية، والدعم العسكري لكييف، والعلاقات مع موسكو، ومستقبل النظام الأمني الأوروبي.
أزمة الثقة في النظام متعدد الأطراف
في هذا السياق، تكتسب مسألة «استعادة الثقة» التي اختيرت شعارًا للدورة أهمية خاصة. فالتحدي الذي تواجهه الأمم المتحدة لا يرتبط فقط بقدرتها على جمع الدول حول طاولة واحدة، وإنما بقدرتها على تحويل التوافقات السياسية والقرارات الدولية إلى نتائج ملموسة.
وتكشف الأزمات الأخيرة عن فجوة متزايدة بين القرارات والمواقف الصادرة عن المؤسسات الدولية وبين القدرة على تنفيذها على أرض الواقع. كما تثير الانقسامات داخل مجلس الأمن تساؤلات حول مدى قدرة النظام الحالي على التعامل مع عالم تتغير فيه موازين القوة وتتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.
وفي المقابل، تظل الجمعية العامة إحدى أهم المساحات المتاحة للدول للتعبير عن مواقفها وبناء التحالفات السياسية. فهي تضم 193 دولة وتوفر لكل دولة صوتًا، الأمر الذي يجعلها أكثر شمولًا وتمثيلًا للمجتمع الدولي من مجلس الأمن. غير أن قرارات الجمعية العامة، في معظم الحالات، لا تتمتع بالطابع الإلزامي نفسه الذي تتمتع به قرارات مجلس الأمن، وهو ما يحد من قدرتها على فرض نتائج مباشرة.
الجنوب العالمي وإعادة تشكيل النظام الدولي
ومن المنتظر أن تعكس الدورة الـ81 أيضًا تصاعد مطالب دول الجنوب العالمي بإعادة النظر في بنية النظام الدولي. فقد أصبحت قضايا إصلاح مجلس الأمن، وزيادة تمثيل الدول النامية في مؤسسات الحوكمة العالمية، وإعادة هيكلة النظام المالي الدولي، من الملفات التي تحظى باهتمام متزايد.
وتسعى العديد من الدول النامية إلى تعزيز حضورها في عملية صنع القرار الدولي، معتبرة أن بنية المؤسسات الدولية الحالية لا تعكس بصورة كاملة التحولات التي شهدها العالم منذ تأسيس الأمم المتحدة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع صعود أدوار قوى وتكتلات مثل الصين وروسيا والهند ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، إلى جانب تزايد التنسيق بين عدد من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتضيف هذه التحولات بعدًا جديدًا للنقاش حول طبيعة النظام الدولي وما إذا كان يتجه نحو مزيد من التعددية في مراكز القوة.
الطاقة والمناخ والتكنولوجيا
ولا تقتصر أجندة الدورة على النزاعات والأمن الدولي، إذ تمثل قضايا الطاقة والمناخ والتنمية المستدامة جزءًا أساسيًا من النقاشات.
وتأتي قضية أمن الطاقة في ظل اضطرابات متكررة في طرق التجارة والممرات البحرية، ما يسلط الضوء على العلاقة المتزايدة بين الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة. كما يظل تغير المناخ والأمن الغذائي وتمويل التنمية من الملفات الأساسية بالنسبة إلى الدول النامية التي تواجه تداعيات اقتصادية وبيئية متزايدة.
وفي الوقت نفسه، يحتل الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي موقعًا متقدمًا في الأجندة الدولية، مع تصاعد النقاش حول كيفية تنظيم هذه التقنيات وضمان استخدامها بصورة مسؤولة، إضافة إلى تأثيرها المحتمل على الاقتصاد والأمن والمجتمعات.
مشاركة دولية واسعة وتحركات دبلوماسية مكثفة
وبالتوازي مع الجلسات الرسمية، تشهد نيويورك سلسلة واسعة من اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف بين رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية والمسؤولين الدوليين. وتوفر هذه اللقاءات مساحة للتفاوض المباشر حول الملفات التي يصعب حسمها داخل الأطر الرسمية.
وتشارك الدول العربية في هذه الاجتماعات بوفود رفيعة المستوى، من بينها العراق الذي توجه رئيس حكومته إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة وإلقاء كلمة بلاده أمام الجمعية العامة، إلى جانب عدد كبير من القادة والمسؤولين العرب والدوليين.
وتكتسب هذه اللقاءات أهمية خاصة لأنها تسمح للدول ببحث ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة والاستثمار والتعاون الإقليمي بصورة مباشرة، بعيدًا عن الخطابات الرسمية التي تهيمن على جلسات الجمعية العامة.
الأمم المتحدة أمام اختبار جديد
تنعقد الدورة الـ81 إذن في لحظة تتجاوز فيها التحديات الدولية قدرة أي دولة منفردة على التعامل معها، بينما تبدو المؤسسات متعددة الأطراف أمام اختبار متزايد لفعاليتها.
فالحروب والنزاعات، وأمن الطاقة، والتغير المناخي، والأزمات الاقتصادية، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كلها ملفات تتطلب تعاونًا دوليًا، في الوقت الذي تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى وتتعقد فيه عملية بناء توافقات دولية.
ومن هنا، فإن أهمية الدورة الحالية لا تكمن فقط في مضمون الخطابات التي سيلقيها قادة الدول، وإنما في قدرتها على الكشف عن اتجاهات النظام الدولي نفسه: هل ستتمكن الدول من إعادة بناء مساحات للتوافق داخل المؤسسات متعددة الأطراف، أم ستستمر الانقسامات في الحد من قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة للأزمات؟
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الدورة الـ81 للجمعية العامة بمثابة اختبار جديد لمستقبل النظام متعدد الأطراف، ولقدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على دورها المركزي في إدارة الأزمات الدولية، في مرحلة يشهد فيها العالم إعادة توزيع تدريجية لمراكز القوة وتزايدًا في التنافس الجيوسياسي.



