أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

‏إيران ليست نظامًا… إنها ذاكرة تقاوم السقوط

‏”إذا لِنتَ لهم قُضي عليك.”: سيمين دانشور، سووشون

‏ليست إيران لغزًا لأنها عصية على الفهم، بل لأن كثيرين يدخلون إليها من الباب الخاطئ، من النظام، والعمامة، والحرس الثوري، والعقوبات، والشارع الغاضب، وصورة المرأة المحتجة، وصورة الجنرال. هذه كلها وجوه من المشهد، لكنها لا تكفي. فالسؤال الأعمق ليس، ماذا تفعل إيران؟ بل، من أين تفكر إيران؟

‏الغرب، في لحظات كثيرة، كان أكثر انتباهًا من العرب إلى هذا السؤال. لم يرد أن يعرف القرار الإيراني في لحظته الأخيرة فقط، بل أن يفهم التربة التي ينبت منها القرار، ذلك العمق الذي يجعل الصلابة مفهومة، والمناورة جزءًا من غريزة تاريخية لا مجرد حيلة سياسية. فالسياسة لا تخرج من فراغ. القرار ابن ذاكرة، والذاكرة حين تضغطها الأزمات تكشف معدن الشعوب لا صخب الشعارات.

‏في الأقحوان والسيف لم تحاول العالمة الأنثروبولوجيا والكاتبة الأمريكية روث بنديكت أن تفهم اليابان بوصفها جيشًا أو إمبراطورًا أو آلة حرب، بل بوصفها عقلًا مركبًا، رقة الأقحوان وقسوة السيف، الطقس والجمال، الانضباط والموت، العار والواجب. لم يكن سؤالها، لماذا يقاتل الياباني؟ بل، ما العالم الداخلي الذي يجعل القتال والطاعة والموت وحفظ الوجه أفعالًا مفهومة في وعيه؟

‏بهذا المعنى ينبغي أن تُقرأ إيران.

إيران ليست دولة طارئة، ولا مجتمعًا خرج في غفلة من الزمن. ولا يجوز اختزالها في نظامها الحالي، كما لا يجوز فصل هذا النظام عن التربة العميقة التي يتحرك فوقها. إيران أقدم من جمهوريتها، وأعمق من ثورتها، وأوسع من خطابها الرسمي. النظام قد يسيطر، يقمع، يفاوض، يناور، ويرفع الشعارات، لكنه لا يخلق وحده معنى إيران في وجدان الإيراني. هناك طبقة أقدم من السلطة، إيران بوصفها ذاكرة كرامة.

‏الفارق بين الإيراني وغيره في المنطقة ليس تفوقًا عرقيًا ولا أسطورة قومية، بل طبيعة العلاقة مع التاريخ. هناك مجتمعات تنظر إلى الدولة كحدود، أو حكم، أو غنيمة، أو جهاز خدمات. أما الإيراني، فيرى بلده غالبًا كامتداد حضاري. الأرض ليست مساحة فقط، إنها ميراث، لغة، شعر، أسطورة، ملوك، هزائم، ثورات، احتلالات، ومزاج طويل لم ينكسر كلما تبدل الدين أو الحكم أو التحالف.

حين دخلت شعوب كثيرة في الحضارة الإسلامية ذابت في مركزها الجديد، أما الفرس فلم يذوبوا بالمعنى الكامل. دخلوا الإسلام، لكنهم لم يدخلوا بلا ذاكرة. أخذوا من الدين، وأعطوه من جهازهم الإداري والثقافي والعقلي. لم يكونوا هامشًا في الحضارة الإسلامية، بل شاركوا في صناعة دواوينها، وعلومها، وفقهها، وحديثها، وفلسفتها، ولغتها الثانية. الشخصية الحضارية لا تختفي حين تُهزم، إنها تغيّر جلدها، ثم تعود لتعمل من الداخل.

الأمم القديمة لا تذوب بسهولة. قد تتغير العقيدة، وتسقط السلالة، وتُحتل العاصمة، وتنهزم الجيوش، لكن شيئًا خفيًا يبقى يهمس في الأعماق، نحن لسنا عابرين. نحن أبناء تاريخ لا ينتهي بهذه البساطة.

‏ويمكن فهم سؤال حيّر كثيرين، لماذا لم تسقط إيران في فوضى شاملة كما سقط العراق بعد صدام، وليبيا بعد القذافي، وسوريا بعد بشار الأسد؟ لماذا انهارت الدولة هناك، وبقيت إيران، رغم كل ما أصابها، واقفة على حافة الهاوية من دون أن تتحول إلى ركام؟

‏السؤال الإيراني مختلف. إيران شهدت ثورة كبرى، وحربًا مدمرة مع العراق، وعقوبات طويلة، واغتيالات وصلت من رأس السلطة إلى عمق الصفوف القيادية، واحتجاجات، وصراع أجنحة، واختراقات، وانهيارات اقتصادية، وأزمات شرعية. ومع ذلك لم تتحول إلى شظايا دولة. لا لأن النظام عادل، ولا لأن المجتمع راضٍ، ولا لأن القمع لا يفعل فعله، بل لأن المجتمع الإيراني ليس تجمعًا سكانيًا ينتظر سقوط السلطة كي يبحث عن معنى. المعنى موجود قبل السلطة، أعمق منها، وأحيانًا ضدها.

‏ولكي تُفهم إيران لا يكفي أن تقرأ خطابها السياسي أو ترصد صواريخها وتحالفاتها. لا بد أن تقرأ مجتمعها، تاريخها، أدبها، شعرها، وأساطيرها. في رواية سووشون، أو المأساة الإيرانية لسيمين دانشور، نرى هذا المعنى من الداخل. ليست الرواية بيانًا سياسيًا، بل بيتًا إيرانيًا في شيراز أثناء الحرب، رجل يرفض أن يبيع القمح لأصحاب القوة بينما الناس جياع، وامرأة تريد أن تحمي بيتها، ثم تكتشف أن البيت لا يُحمى إذا ماتت الكرامة خارجه.

‏ليست المأساة في موت يوسف وحده، بل في المعنى الذي يكشفه موته، أن الكرامة ليست فكرة معلقة في الهواء، بل أساس خفي إن تصدع سقط البيت والوطن معًا.

‏لهذا لا تبدو زري مجرد زوجة خائفة. إنها صورة للوعي حين ينتقل من غريزة النجاة إلى معرفة قاسية، النجاة بلا كرامة ليست نجاة. وهذا هو قلب المسألة الإيرانية. الخوف موجود، البراغماتية موجودة، الانقسام موجود، القمع موجود، والتعب موجود، لكن تحت ذلك كله تسكن فكرة صلبة، إيران لا تُختصر في الحاكم، ولا تُباع كغنيمة، ولا تُمحى كهوامش الجغرافيا.

‏هناك شعوب حين تكره نظامها تكره الدولة معه، فتتحول النقمة على السلطة إلى تفكيك للوطن. وهناك شعوب تكره النظام، لكنها لا تسمح للكراهية أن تبتلع معنى البلاد. إيران، في لحظات كثيرة، تنتمي إلى هذا النوع الثاني. الإيراني قد يتمرد على السلطة، لكنه لا يتمرد على فكرة إيران. قد يرفض الجمهورية، لكنه لا يلعن التاريخ. قد يرفض الولي الفقيه، لكنه لا يريد أن يرى بلده مكسورًا في يد الخارج.

‏هذه المسافة بين الدولة كسلطة والوطن ككرامة هي ما يغيب عن كثير من القراءة العربية. نقرأ إيران من سطحها السياسي، فنحسب النظام هو المجتمع، والحاكم هو التاريخ، والشعار هو الذاكرة، ثم نفاجأ حين لا تنهار كما توقعنا. لكن الشعوب القديمة لا تُفهم من خطاب حكامها وحده، بل من الوعي الذي تراكم قبلهم، ويبقى بعدهم.

‏لذلك لا يكفي تفسير إيران بالخوف وحده. الخوف قد يفسر الصمت، لكنه لا يصنع معنى البقاء. القبضة الأمنية قد تكبح الشارع، لكنها لا تخلق وحدها ذلك الإحساس العميق بأن البلد، مهما اختنق، ليس شيئًا يجوز أن يسقط مع الحاكم.

‏حتى النظام نفسه يعرف ذلك. حين تضيق شرعيته الأيديولوجية، يستدعي القومية، والتاريخ، والعمق الحضاري.

‏يعود إلى فارس القديمة، إلى الشعر، إلى الحضارة، إلى الذاكرة التي سبقت الثورة والجمهورية والعمامة. وهذه ليست مفارقة عابرة، إنها اعتراف غير مباشر بأن مصدر الصمود الأعمق لا يسكن المؤسسة وحدها، بل الخزان الحضاري الذي سبقها.

‏الدين يمنح شرعية لفئة، والثورة تمنح شرعية لجيل، لكن التاريخ يمنح شرعية لأمة. وحين تشعر أمة أنها أقدم من النظام، تصبح أقدر على احتماله ومقاومته في الوقت نفسه.

‏لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال، لماذا لم تسقط إيران؟ بل، لماذا لا تسقط المجتمعات بالطريقة نفسها؟ لماذا يصبح سقوط النظام في بلد بداية انهيار الدولة، وفي بلد آخر بداية إعادة ترتيب قاسية؟ الجواب لا يوجد في القصر وحده، ولا في الشارع وحده، بل في النسيج الذي يربط الناس بصورة أنفسهم، في اللغة، والأسطورة، والمدرسة، والشعر، والعائلة، وفي ذلك الشعور القديم بأن البلاد ليست ملكًا للحاكم كي يأخذها معه إلى الهاوية.

‏إيران ليست منيعة، ولا خارج قانون الانهيار. كل مجتمع قابل للكسر إذا اجتمعت عليه أسباب كافية، فساد، قمع، فقر، عزلة، صراع داخلي، وتدخل خارجي. لكن هشاشة إيران ليست كهشاشة الدول التي لا تملك سردية جامعة. إنها هشاشة جسد قديم، مثقل، مريض، لكنه يعرف اسمه. ومعرفة الاسم ليست تفصيلًا، إنها أول شروط البقاء.

‏لا يفهم إيران من يراقب صواريخها فقط، ولا من يسمع خطبها فقط، ولا من يحصي أزماتها فقط. إيران تُفهم حين نقرأ ما بين الأقحوان والسيف، الرمز والقوة، الجمال والعنف، الطقس والقرار. وتُفهم حين نقرأ سووشون، البيت الذي يكتشف أن الحياد لا يحميه، والمرأة التي تتحول من الخوف إلى الوعي، والرجل الذي يموت لأن الكرامة في زمن الخضوع تصبح تهمة.

‏السر ليس في أن إيران لا تنكسر، كل شيء قابل للكسر

السر أن الإيراني، حين يفكر في بلده، لا يفكر في حكومة عابرة فقط، بل في سلسلة طويلة من المعنى. ولهذا تبدو إيران، في لحظات الخطر، كأنها تستدعي موتاها وأساطيرها وشعراءها وملوكها وثوراتها لتقول لنفسها، قد يسقط النظام، قد تتغير الوجوه، قد يختنق الناس، قد يغضبون، قد يثورون، لكن إيران ليست شيئًا يُترك على قارعة التاريخ.

‏إيران، في وعي أبنائها، ليست سلطة فقط. إنها كرامة ممتدة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق