أخبار العالمأمريكابحوث ودراسات

خطاب ترامب الاستعراضي يوقعه في الفخ  

في خطابه الأخير أمام الكونغرس، قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نموذجاً مكثفاً عن أسلوبه السياسي في إدارة الملفات الحساسة، إلا أن المضمون أثار موجة انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية. اذ أن الخطاب الذي استمر ساعة و47 دقيقة، وهو الأطول في تاريخ خطابات حالة الاتحاد، عكس مفارقة واضحة بين الامتداد الزمني وكثافة المعلومات، حيث بدت المساحة المخصصة للقضايا الجوهرية محدودة مقارنة بحجم التحديات المطروحة.

إيران، التي كانت محور ترقب داخلي وخارجي، لم تحضر فعلياً إلا بعد مرور نحو 90 دقيقة على بدء الخطاب. وعندما تطرق إليها ترامب، لم يمنحها سوى ثلاث دقائق تقريباً، كرر خلالها عبارات سبق أن استخدمها في تصريحات سابقة، من دون تقديم توضيحات تفصيلية بشأن أسباب حشد أكبر قوة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003.

هذا الحشد الذي شمل مجموعتي حاملات طائرات وعشرات المقاتلات والقاذفات وطائرات التزود بالوقود، في وقت تُعقد فيه جولات تفاوضية بين واشنطن وطهران في العاصمة السويسرية جنيف.

هذا التباين بين التصعيد العسكري والخطاب الدبلوماسي لم يجد له ترامب تفسيراً يقدمه للشعب الأميركي على الأقل. حيث أكد أنه يفضل الحل التفاوضي، وتعهد بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، لكنه لم يشرح طبيعة الاتفاق الذي يسعى إليه، ولا الضمانات المطلوبة، ولا آلية التحقق. كما أشار إلى أن إيران استأنفت العمل على بناء سلاح نووي بعد قصف أميركي لمنشآتها النووية في يونيو الماضي، من دون تقديم معطيات داعمة داخل الخطاب نفسه. في المقابل، كانت طهران قد جددت على لسان وزير خارجيتها تعهدها بعدم تطوير سلاح نووي تحت أي ظرف.

لم ينجح الخطاب في بناء سردية متماسكة حول “التهديد الإيراني”، ولا في تهيئة الرأي العام لاحتمال انزلاق عسكري. مقارنة بما فعله الرئيس الأسبق جورج بوش الابن قبل حرب العراق عام 2003، حيث سبق التدخل العسكري بحملة خطابية مطولة لتبرير قراره، بدا أن ترامب يتجنب الانخراط في نقاش استراتيجي مفتوح حول كلفة المواجهة وحدودها. هذا التردد يرتبط بحسابات داخلية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وبسياق حملته الانتخابية التي قامت على رفض الحروب الطويلة.

في حين، تحولت قاعة الكونغرس إلى ساحة مقاطعات وصيحات احتجاج من عدد من النواب الديمقراطيين. النائبة إلهان عمر صرخت متهمة الإدارة بقتل أميركيين، فيما قاطعت رشيدة طليب الرئيس عند حديثه عن “إنهاء ثماني حروب”، ووصفت ذلك بالكذب. كما طالبت بنشر “ملفات إبستين”، في إشارة إلى قضية جيفري إبستين التي ما زالت تثير تساؤلات سياسية وأخلاقية. النائب مارك تاكانو بدوره انتقد تعهد ترامب بوقف التداول بناء على معلومات داخلية بين أعضاء الكونغرس، متسائلاً عن التزام الرئيس نفسه بهذه المعايير.

هذا المناخ الانقسامي عكس هشاشة المشهد السياسي الذي يتحول بسرعة قبل الانتخابات النصفية. حيث دخل ترامب القاعة بنسبة تأييد 39% مقابل 60% معارضة، وفق استطلاع أجرته واشنطن بوست بالتعاون مع شبكة إيه بي سي نيوز وشركة إيبسوس. وعلى امتداد 107 دقائق، لم يقدم الخطاب ما يكفي لتعديل هذا الميزان. فقد غلبت عليه العبارات العامة والتكرار، مع تركيز لافت على استعراض القوة العسكرية في ملف فنزويلا، حيث أسهب ترامب في سرد تفاصيل عملية استهدفت الرئيس نيكولاس مادورو، وصولاً إلى وصف إصابة طيار مروحية أميركي أثناء الغارة. هذا التفصيل الدرامي بدا متناقضاً مع الإيجاز الشديد في ملف إيران، الذي يحمل تبعات استراتيجية أوسع.

تكمن إحدى أبرز ثغرات الخطاب في غياب الإطار المفاهيمي الذي يربط بين الأهداف والوسائل. الحشد العسكري لم يُقرن بخطة سياسية، والتهديدات لم تُدعم بخارطة طريق تفاوضية محددة. كما أن التعهدات المتعلقة بمكافحة الفساد أو تنظيم التداول داخل الكونغرس جاءت في سياق سجالي، وسط اتهامات مباشرة من خصومه، ما أضعف قدرتها على التحول إلى مبادرات تشريعية قابلة للنقاش.

كذلك، لم يتطرق ترامب بعمق إلى التحذيرات الصادرة عن رئيس هيئة الأركان المشتركة بشأن مخاطر استهداف إيران، ولا إلى الكلفة المحتملة على القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة. في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، كان متوقعاً تقديم قراءة أكثر تفصيلاً لتداعيات أي خيار عسكري، سواء على صعيد الأمن القومي أو على مستوى الأسواق العالمية والطاقة.

قدّم ترامب خطاباً طويلاً لكنه محدود. التركيز على الداخل بدا مفهوماً انتخابياً، إلا أن تجاهل تفصيل القضايا الخارجية الساخنة ترك فراغاً واضحاً أمام الرأي العام الأميركي تحديداً. وبينما استثمر في إبراز صورته كقائد أعلى يستعرض القوة، كانت الأسئلة التي بقيت دون أجوبة تقحم نفسها لتتصدر الصورة، فما هي الاستراتيجية المتكاملة التي تحكم تحركات واشنطن بعد استعراض القوة العسكرية هذا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق