أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

سيناريوهات الحرب الأميركية–الإيرانية: بين الردع المتبادل والانفجار الشامل

حين تتكدّس حاملات الطائرات في البحار، وتُستدعى القاذفات الشبحية إلى قواعد متقدمة، لا يكون السؤال الحقيقي:

هل ستقع الحرب؟ بل: لماذا يُعاد إنتاج شروطها؟

في الحالة الأميركية – الإيرانية، لا يبدو التصعيد مجرد سوء تقدير دبلوماسي أو تراشقٍ لفظي بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب والسيد علي الخامنئي، بل هو نتاج بنية أعمق تحكم النظام الدولي المعاصر، حيث تُستخدم الحشود العسكرية أداةً لإدارة التفاوض، ويُستخدم التفاوض غطاءً لإعادة هندسة موازين القوة.

أولاً: الحرب كأداة تفاوض

الإدارة الأميركية تعلن إرسال مزيد من الطائرات والقوات إلى المنطقة، وتسرّب مواقع إعلامية تقديرات عن حرب “قريبة وطويلة”. في المقابل، تؤكد طهران أنها لا ترغب في الحرب، لكنها تستعد لها.

هذا التناقض الظاهري يخفي منطقاً معروفاً في الاستراتيجية الأميركية: “التفاوض تحت الضغط”. فالحشد العسكري ليس بالضرورة مقدمةً حتمية لإطلاق النار، بل هو أداة لرفع كلفة الرفض على الطرف المقابل.

الجولة الثانية من المفاوضات في جنيف، التي أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنها أحرزت تقدماً “بنّاءً”، تؤكد أن المسار الدبلوماسي لم يُغلق. لكن التقدم في النصوص لا يلغي واقع الحشود في البحر. هنا تحديداً يظهر التناقض البنيوي: واشنطن تفاوض، لكنها تفاوض من موقع التهديد. وطهران تتفاوض، لكنها تفاوض من موقع الاستعداد للرد.

الردع المتبادل ليس شعاراً، بل معادلة قائمة: كل طرف يحاول إقناع الآخر بأن كلفة الهجوم ستكون أعلى من عائداته. غير أن هذه المعادلة تصبح هشة حين تُقرن بخطاب سياسي داخلي يستثمر في التصعيد.

ثانياً: الاقتصاد السياسي للحرب

الحرب، في التحليل البنيوي، ليست انفعالاً، بل أداة. الاقتصاد الأميركي، الذي يقوم على مجمّع صناعي – عسكري ضخم، يجد في الأزمات الإقليمية فرصاً لإعادة تدوير الهيمنة. عقود التسليح، تثبيت التحالفات، فرض شروط الطاقة، كلها عناصر تدخل في حسابات “الاستقرار بالقوة”.

الحديث عن أن “النظام الرأسمالي يحتاج الحرب ليصنع الاستقرار” ليس توصيفاً أخلاقياً، بل قراءة في منطق القوة. فحين يتعرض مركز النظام الدولي لتحديات – صعود الصين، تآكل الردع في الشرق الأوسط، اهتزاز صورة التفوق العسكري – يصبح استعراض القوة وسيلةً لإعادة تثبيت الهرمية.

غير أن هذه المعادلة تصطدم بحقيقة أن إيران ليست دولة هامشية يمكن احتواؤها بضربة محدودة. فهي لاعب إقليمي يمتلك أدوات ردع غير تقليدية، من الصواريخ الباليستية إلى شبكات الحلفاء في لبنان والعراق واليمن وفلسطين. أي حرب لن تكون جراحية؛ ستكون متعددة الجبهات.

ثالثاً: وهم الضربة النظيفة

السؤال المتكرر: هل تستطيع إيران إغراق حاملة طائرات أميركية؟

الإجابة التقنية معقدة. حاملات الطائرات لا تبحر منفردة، بل ضمن مجموعات قتالية محمية بطبقات من الدفاعات الصاروخية والبحرية والجوية. القوة الجوية الاستباقية، عبر مقاتلات مثل F-35، تُستخدم لتدمير منصات الإطلاق قبل أن تطلق صواريخها. ومنظومات الدفاع الذاتي والتدريع الهيكلي تجعل من إغراق حاملة أمراً بالغ الصعوبة.

لكن الردع لا يقوم على الاحتمال المطلق، بل على الاحتمال الممكن. الاستراتيجية الإيرانية، القائمة على “الهجوم الهجين والمتزامن”، تهدف إلى تشبع الدفاعات عبر إطلاق متزامن لصواريخ ومسيرات وألغام وزوارق سريعة. لا تحتاج طهران إلى تدمير الحاملة بالكامل؛ يكفي إلحاق ضرر جسيم بها لإحداث صدمة استراتيجية ونفسية.

غير أن النقطة الأهم ليست تقنية. المسألة أن أي اشتباك مباشر مع حاملة أميركية سيحوّل النزاع إلى حرب مفتوحة، تتجاوز الحسابات المحدودة. هنا يصبح الردع المتبادل خطاً رفيعاً بين السيطرة والانفجار.

رابعاً: المضائق كسلاح استراتيجي

إغلاق مضيق هرمز، ولو لساعات، يرسل إشارة تتجاوز الجغرافيا. أكثر من خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الممر. وإذا تزامن ذلك مع تعطيل باب المندب بفعل توترات في اليمن، فإن الاقتصاد العالمي سيدخل منطقة اضطراب حاد.

هذا السلاح لا يُستخدم إلا في حالات قصوى، لأنه يرتدّ على الجميع، بما في ذلك إيران. لكنه يظل جزءاً من معادلة الردع: تحويل أي هجوم على إيران إلى أزمة عالمية، لا نزاع إقليمي محدود.

خامساً: إسرائيل والقلق الوجودي

القراءة السطحية تفترض أن “إسرائيل” تدفع نحو الحرب. لكن الواقع أكثر تعقيداً. ضربة إيرانية واسعة قد تُحدث خسائر غير مسبوقة، ليس فقط عسكرياً، بل ديموغرافياً ونفسياً. الخطاب التصعيدي قد يخدم أغراضاً داخلية، لكنه لا يلغي حقيقة أن الحرب الشاملة تحمل مخاطر يصعب احتواؤها.

في المقابل، الإدارة الأميركية توظف التهديد أيضاً في سياقها الداخلي. التصعيد يمكن أن يحشد القاعدة اليمينية، وعدم وقوع الحرب يمكن تسويقه كإنجاز ردعي. الحرب هنا تتحول إلى أداة سياسية مزدوجة، سواء حدثت أم لم تحدث.

سادساً: الصين وحدود الدعم

يبقى السؤال: أين تقف الصين؟

بكين معنية ببقاء إيران موحدة ومستقرة، ليس حباً أيديولوجياً، بل حمايةً لمصالحها الاستراتيجية ومبادراتها العابرة للقارات. لكنها ليست مستعدة للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن طهران.

الدعم سيكون غير مباشر: دبلوماسي، اقتصادي، وربما تقني. أما التدخل العسكري المباشر، فيتعارض مع عقيدة “الواقعية الباردة” التي تحكم السياسة الصينية. هذا يعني أن إيران، في حال اندلاع حرب شاملة، ستواجهها أساساً بمواردها الذاتية وشبكاتها الإقليمية.

سابعاً: بين الردع والانفجار

اللحظة الراهنة تُدار بمنطق حافة الهاوية. كل طرف يقترب بما يكفي لإقناع خصمه بالجدية، لكنه يحاول ألا يتجاوز العتبة التي تفرض عليه إطلاق النار. هذا التوازن هشّ بطبيعته. خطأ حسابي، ضربة غير مقصودة، أو ضغط داخلي مفاجئ، قد يحول الردع إلى مواجهة.

لكن الاحتمال الأكبر، حتى الآن، هو استمرار لعبة الضغط المتبادل: حشود عسكرية، مفاوضات متقطعة، تصريحات نارية، وتفاهمات جزئية. فالحرب الشاملة ليست خياراً سهلاً لأي من الطرفين، رغم أنها تبقى احتمالاً قائماً.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بإيران والولايات المتحدة، بل بمستقبل شكل النظام الدولي. إذا اندلعت الحرب، فلن تكون مجرد نزاع إقليمي، بل اختباراً لقدرة القوة الأميركية على فرض إرادتها في عالم لم يعد أحادي القطبية. وإذا تم تجنبها، فسيكون ذلك نتيجة اعتراف ضمني بحدود القوة.

بين الردع المتبادل والانفجار الشامل، تقف المنطقة على مفترق طرق. والقرار، كما في كل لحظات التحول التاريخي، لن يُتخذ في الخطابات، بل في الحسابات الباردة لموازين القوة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق