أخبار العالمالشرق الأوسط

الصراع السعودي الاماراتي ينتقل الى المستوى الاقتصادي

يشهد الخليج في الأشهر الأخيرة تصاعداً واضحاً في التوتر بين السعودية والإمارات، بعدما كانت الخلافات بينهما تُدار ضمن هوامش التحالف التقليدي وتُضبط عبر قنوات مغلقة. المستجدّ اليوم يتمثل في انتقال الصراع إلى مستوى أكثر علنية، حيث باتت المواجهة تدور على جبهات متعددة: من اليمن والسودان، إلى الاقتصاد والتجارة، وصولاً إلى السجال حول الهوية الدينية والسياسية في المنطقة.

أحد أبرز التطورات التي عكست هذا التحول تمثل في الهجوم الذي أطلقه مستشار إماراتي بارز على “الوهابية”، معتبراً أنها مصدر تحريض وتشدّد، ومحذّراً من عودتها بوصفها مدخلاً لعودة الإرهاب.

 هذا الخطاب يستهدف ركناً تاريخياً من شرعية الدولة السعودية، في مرحلة يحاول فيها ولي العهد محمد بن سلمان إعادة صياغة علاقة المملكة بموروثها الديني عبر مشروع تحديث اجتماعي واسع. لذلك، بدا الهجوم كأنه محاولة لإحراج الرياض داخلياً وخارجياً، وربطها مجدداً بصورة دينية متشددة تسعى القيادة السعودية إلى تجاوزها.

في المقابل، كشفت الردود السعودية الغاضبة على وسائل التواصل عن حساسية مستجدة تجاه هذا النوع من الطروحات. اذ تعيش المملكة مرحلة انتقالية معقدة على مستوى الحكم والتحول المجتمعي، وتحاول بناء شرعية جديدة تقوم على التنمية والانفتاح، مع الحفاظ على توازنات داخلية دقيقة. أي إعادة استحضار لمفهوم “الوهابية” يفتح ملفات شديدة الحساسية، ويضع المشروع السعودي أمام تحدي الجمع بين تحديث الدولة وضبط ردود الفعل المحافظة.

غير أن جذور الخلاف بين الرياض وأبو ظبي أعمق من السجال الديني والإعلامي. الحرب في اليمن شكّلت أحد أهم مسارح التباعد منذ عام 2018، حين بدأت أولويات الطرفين تختلف بشكل متزايد. السعودية ركزت على حماية حدودها وتثبيت نفوذ حكومة حليفة، بينما دعمت الإمارات قوى انفصالية جنوبية عززت حضورها الميداني. حيث أظهرت التطورات الأخيرة التي شهدت مواجهة غير مباشرة بين الطرفين هناك، أن اليمن بات مساحة تنازع نفوذ.

السودان بدوره تحوّل إلى نقطة مفصلية. السعودية دعمت الجيش السوداني، بينما ارتبط اسم الإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، وسط اتهامات دولية خطيرة لهذه الميليشيا. في حين رأت الرياض في هذا التدخل تهديداً مباشراً لأمن البحر الأحمر، بينما بررت أبو ظبي موقفها باعتبار أن الجيش السوداني واقع تحت نفوذ الإسلاميين. هنا يتضح البعد الأيديولوجي للصراع أيضاً، اذ تتعامل الإمارات مع الإسلام السياسي كخطر وجودي، في حين تُظهر السعودية استعداداً أكبر للتعايش البراغماتي مع بعض التيارات.

إلى جانب ذلك، يتداخل الخلاف مع التنافس على موقع القيادة الإقليمية. السعودية بحجمها السكاني والديني والاقتصادي ترى نفسها مركز الثقل الطبيعي في الخليج، وتسعى إلى استعادة أدوار فقدتها خلال العقد الماضي لصالح الإمارات التي بنت نموذجاً أكثر تنوعاً اقتصادياً وأكثر اندماجاً في شبكات النفوذ الغربية. هذا التنافس يظهر في ملفات الاقتصاد والاستثمار، حيث بدأت شركات إماراتية تتحدث عن عراقيل بيروقراطية داخل المملكة، وتأخير على الحدود، وتعقيدات في التأشيرات، ما يعكس انتقال الخلاف إلى المجال الاقتصادي.

كما يتغذى الصراع من اختلاف المقاربات تجاه إسرائيل. اختارت الإمارات التطبيع عام 2020 ونسجت شراكة وثيقة مع كيان الاحتلال، بينما تضع السعودية شروطاً أكثر تعقيداً بحكم ثقلها الديني وخصوصية بيئتها الداخلية. هذا الفارق يمنح السجال بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية.

الأخطر أن الخلاف تحول إلى حرب سرديات مفتوحة. معلقون سعوديون يصفون الإمارات بأنها أداة للمصالح الإسرائيلية، بينما يلمّح خطاب إماراتي إلى أن الرياض واقعة تحت تأثير الإسلاميين. هذا النوع من الخطاب كان يُعد سابقاً من المحظورات داخل منظومة الخليج، لكنه بات اليوم جزءاً من المشهد، في ظل تراجع الضوابط التقليدية.

لم تحقق اختراقاً الوساطات الإقليمية، بما فيها الدور القطري والتركي، حتى الآن، فيما تحاول واشنطن تجنب التورط العميق في نزاع بين حليفين رئيسيين. النتيجة أن الأزمة مرشحة للاستمرار، مع تداعيات على توازنات الخليج والقرن الأفريقي واليمن، وعلى مستقبل مجلس التعاون نفسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق