ملفات إبستين تحت الطلب لتصدير المشاكل وإدارة ترامب في قلب العاصفة

قسم البحوث والدراسات 31-01-2026
تحوّل الإفراج الأخير عن الدفعة الأضخم من وثائق جيفري إبستين سريعاً إلى معركة سياسية مكتملة الأركان داخل الولايات المتحدة، كشفت هشاشة الخطاب الرسمي حول الشفافية، وحدود استخدام القضاء والأرشيف الأمني في لحظات الاستقطاب.
فحجم الوثائق، وما رافقه من تنقيح واسع، ونفي قاطع لوجود “قائمة عملاء”، أثار تساؤلات عدة حول ما اذا كان الهدف من نشرها بهذا الحجم هو إغلاق الملف، أم التحكم في تداعياته السياسية.
إدارة الرئيس دونالد ترامب وجدت نفسها في موقع دفاعي، فرغم غياب أي اتهام جنائي مثبت، فإن ورود اسم ترامب في بلاغات وتحقيقات، وسحب بعض الملفات ثم إعادة نشرها، خلق انطباعاً عاماً بأن الإدارة تحاول إدارة الضرر فقط دون أن يكون التعامل مع الملف بإطاره القانوني والاخلاقي من ضمن أولوياتها.
اذ أن الإدارة التي أقرت “قانون شفافية ملفات إبستين” عجزت عن الالتزام بآجاله، وقدّمت إفراجاً متأخراً، منقوصاً، ومُثقلاً بالتنقيح من الحذف والتظليل والحجب أيضاً.
الجدل لم يتوقف عند ترامب شخصياً، بل طال مؤسسات الدولة نفسها. اعتراضات الديمقراطيين، وبيانات ضحايا إبستين، وتساؤلات حول ملايين الصفحات غير المنشورة، كلها صبّت في اتجاه واحد يعكس أزمة الثقة بين الرأي العام والمؤسسة العدلية.
هذه الأزمة تزداد خطورة مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث تصبح كل ثغرة أخلاقية أو إجرائية مادة قابلة للاستثمار السياسي، سواء من الديموقراطيين أو من أجنحة داخل الحزب الجمهوري نفسه.
وفي هذا السياق، أعادت بعض الوثائق والتقارير غير المدققة بالكامل، المدرجة ضمن الإفراج الأخير لملف إبستين، تسليط الضوء على دور جاريد كوشنر وعلاقته بإسرائيل داخل إدارة ترامب.
إذ يزعم تقرير منسوب إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي، استناداً إلى معلومات قدمها مصدر بشري سري (CHS)، أن إسرائيل مارست نفوذاً واسعاً على إدارة ترامب خلال ولايته الأولى، إلى حد الحديث عن “مساومة” أو تأثير ضاغط على الرئيس نفسه.
ووفق هذه الرواية، لم يكن كوشنر مجرد مستشار مقرب، بل صُوِّر بوصفه “العقل الحقيقي” الذي أدار منظمة ترامب والرئاسة فعلياً، مستنداً إلى شبكة علاقات سياسية وأمنية وثيقة مع إسرائيل.
من هنا، يمكن فهم إصرار إدارة ترامب على نفي “القائمة السرية” والتشديد على أن الادعاءات الواردة غير مثبتة أو كاذبة. اذ أن أي انزلاق للملف من خانة “ادعاءات غير مدققة” إلى خانة الاشتباه أو الشك السياسي قد يعمّق الشرخ داخل القاعدة المحافظة، ويمنح الديمقراطيين ذخيرة إضافية لتأطير ترامب بوصفه جزءاً من شبكة نفوذ نخبوية فاسدة، وهو الخطاب الذي بنى ترامب نفسه مسيرته السياسية على مناهضته.
لكن الأخطر من الجدل الداخلي هو كيفية إدارة الأزمة خارجياً. تاريخ السياسة الأميركية يظهر أن الإدارات المحاصَرة داخلياً تميل، في لحظات معينة، إلى تصعيد خارجي محسوب لإعادة توحيد الرأي العام خلف القيادة. في هذا السياق، تعود إيران إلى الواجهة بوصفها “الخصم الجاهز”، القادر على لعب دور الملهي الاستراتيجي من دون كلفة سياسية فورية داخلية.
لا يعني ذلك أن توجيه ضربة لإيران قرار تلقائي أو حتمي، فالكلفة الإقليمية والدولية لأي تصعيد تبقى عالية. لكن رفع مستوى التوتر، سواء عبر استعراض عسكري، أو تشديد العقوبات، أو عمليات أمنية محدودة بالوكالة، يبقى خياراً قائماً في حسابات إدارة تسعى إلى تحويل النقاش من ملفات أخلاقية محرجة إلى “أمن قومي” يوحّد الصفوف -على الرغم من أسباب التصعيد لدى الادارة الاميركية كثيرة منها الدفع الاسرائيلي أيضاً”-. فالتجربة الأميركية، من الرئيس الأسبق بيل كلينتون إلى جورج دبليو بوش، تُظهر أن السياسة الخارجية كثيراً ما تُستخدم كأداة لإعادة ضبط الإيقاع الداخلي.
في المقابل، يدرك خصوم واشنطن، وفي مقدمتهم طهران، هذا النمط جيداً. لذلك فإن محاولة لتصدير الأزمة عبر التصعيد سيجلب تصعيداً مقابلاً، ما يضع إدارة ترامب في هامش ضيق من الخيارات، في محاولة لملمة السخط الناجم عما تحتويه الوثائق وما لم ينشر منها أيضاً.
لا تكمن خطورة ملفات إبستين في ما كُشف، بقدر ما تكمن في ما لم يُكشف، وفي الطريقة التي أُدير بها الإفراج. فالقضية لم تعد قضية رجل مدان بجرائم جنسية، إنما تحوّلت إلى مرآة تعكس تداخل القضاء بالسياسة، وحدود الشفافية في نظام يرفعها شعاراً ويقيّدها ممارسة. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، ستبقى هذه القضية متصدرة لعناوين الصحف نتيجة حجم الجرائم المنشورة واسماء المتورطين بها، سواء أرادت إدارة ترامب ذلك أم لا.



