ويتواصل الضغط العسكري الامريكي على طهران: واشنطن تنشر ذخيرة “لوكاس” المتسكعة قرب إيران

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 27-01-2026

أكدت الولايات المتحدة نشر طائرات هجومية أحادية الاتجاه منخفضة التكلفة، تعرف باسم “لوكاس” في وحدات تابعة لسلاح الجو والبحرية الأمريكية في الشرق الأوسط. وتعد هذه الخطوة مؤشرًا لافتًا على تحوّل في التفكير العسكري الأمريكي، إذ تتبنى واشنطن علنًا تصاميم قتالية استلهمت من خصومها في ظل تصاعد التوترات الإقليمية مع إيران.
إقرار رسمي ونشر محدود لكن فعّال
أقرّ الجيش الأمريكي، للمرة الأولى، ببدء نشر فئة جديدة من طائرات الهجوم المسيّرة منخفضة التكلفة في الشرق الأوسط، وذلك وفقًا لتقرير نشرته شبكة ABC News في 23 يناير ويعتقد أن هذا النظام، الذي يحمل الاسم الرسمي نظام الهجوم القتالي المسيّر منخفض التكلفة (LUCAS)، مستوحى بشكل مباشر من الدروس المستفادة من ذخائر شاهد الإيرانية المتسكعة.
وبحسب موقع ABC News فإن عملية النشر وصفت من قبل مسؤولين في البنتاغون بأنها محدودة من حيث الأعداد، لكنها فعّالة من حيث التأثير، مع دمج النظام في وحدات العمليات الأمامية لسلاح الجو والبحرية الأمريكية في منطقة تشهد توترات تشمل إيران وإسرائيل ودول الخليج.
الدروس المستفادة من طائرات “شاهد” الإيرانية
يعكس هذا القرار تقييمًا صريحًا داخل البنتاغون، فطائرة شاهد 136، التي زودت بها إيران روسيا ويتم إنتاجها محليًا تحت اسم جيران، أعادت تشكيل بيئة التهديدات الجوية ليس بتطورها التقني، بل بحجم استخدامها واستمراريته.
تواجه الدفاعات الجوية الأوكرانية موجات متكررة من الطائرات المسيّرة الرخيصة ذات المحركات المروحية، حيث لا تكمن الخطورة في دقة الضربة الفردية، بل في تأثيرها التراكمي واستنزافها للموارد الدفاعية. كما راقبت الولايات المتحدة هذا النمط خلال عامي 2024 و2025، وخلصت إلى أن هيكل قواتها يفتقر إلى أداة هجومية مماثلة منخفضة التكلفة.
نظام LUCAS: التصميم والأصول
لوكاس هي نتيجة مباشرة لهذا الاستنتاج، لا تُخفي وثائق الاقتناء الأمريكية أصول النظام، إذ تسعى القوات الجوية صراحةً إلى نسخة تكاد تكون مطابقة للنظام الإيراني. تصنّع هذه الطائرة المسيّرة من قِبل شركة SpearWorksوتُسوّق أيضًا تحت اسم FLM 136
وقبل استعراض الخصائص التقنية، من المهم الإشارة إلى أن فلسفة التصميم تقوم على القابلية للاستهلاك وليس البقاء.
المميزات التصميمية الأساسية:
- تصميم جناح طائر.
- محرك مكبس خلفي.
- مهمة هجومية أحادية الاتجاه.
- ذخيرة متسكعة غير قابلة لإعادة الاستخدام.
الخصائص التقنية والأداء المتوقع
تشير البيانات الفنية المتاحة إلى أن نظام لوكاس يحاكي إلى حد كبير معايير فئة شاهد. ويقدّر مدى النظام بأكثر من 1500 كيلومتر، اعتمادًا على الحمولة ومسار الطيران، ما يسمح بالإطلاق من خارج المجال الجوي المحصّن.
يعتمد النظام على الملاحة عبر GPS ونظام التوجيه بالقصور الذاتي، مع مقاومة محدودة للحرب الإلكترونية المتقدمة، لكنها كافية ضد الأهداف الثابتة أو شبه الثابتة. ويُقدّر وزن الرأس الحربي بين 30 و50 كيلوغرامًا، وهو مُهيأ لإحداث تأثيرات انفجارية وتفتيتية ضد البنية التحتية والمنشآت خفيفة التحصين.
التكامل البحري والقدرة على الحركة
على عكس النسخ الإيرانية، تدمج لوكاس مكونات ومعايير تصنيع غربية، تشمل هذه أنظمة الدفع وأجهزة التحكم بالطيران، وواجهات ربط البيانات من موردين أمريكيين، ما يقلل الاعتماد على الإلكترونيات التجارية البسيطة.
وأكدت البحرية الأمريكية توافق النظام مع منصات الإطلاق البحرية، بما يسمح باستخدامه من السفن السطحية التي لا تمتلك مرافق طيران. ويشير اختبار إطلاق ناجح من سفينة حربية أمريكية في ديسمبر إلى نية دمج هذه القدرة ضمن مجموعات المهام البحرية في المناطق الساحلية المتنازع عليها.
مؤشرات استخدام عملياتي محتمل
تشير تقارير وتحليلات مستقلة إلى احتمال استخدام نظام لوكاس بالفعل في عمليات قتالية، فخلال عملية أمريكية في فنزويلا مطلع هذا الشهر، التقطت تسجيلات صوتية لبصمة محرك تشبه إلى حد كبير تلك المرتبطة بطائرات شاهد.
ورغم امتناع البنتاغون عن تأكيد الاستخدام، يرى محللون أن خصائص الصوت ومسار الطيران والتوقيت تتوافق مع ذخائر هجومية متسكعة، وليس مع صواريخ كروز أو طائرات مسيّرة تقليدية.
القيمة التكتيكية والقيود
من الناحية التكتيكية، تكمن جاذبية نظام لوكاس في وضوح دوره، فهو يمنح القادة أداة منخفضة التكلفة لإرهاق وتشتيت الدفاعات الجوية المعادية، وعند استخدامه بأعداد كبيرة، يجبر الخصم على استهلاك صواريخ اعتراضية باهظة الثمن ضد أهداف زهيدة نسبيًا.
في المقابل، تبقى قيوده واضحة، بما في ذلك قابليته للتأثر بالحرب الإلكترونية الحديثة وضعف قدرته على البقاء أمام دفاعات متعددة الطبقات، إلا أن قيمته الحقيقية تكمن في الكمّ والاستمرارية لا في البقاء الفردي.
دلالات استراتيجية أوسع
يتجاوز هذا التطور ساحة المعركة المباشرة، فتبنّي الولايات المتحدة لنظام طالما وُصف بالبدائي يشير إلى تحوّل في فلسفة القوة الجوية، حيث بات الحجم الصناعي وكفاءة التكلفة عنصرين حاسمين إلى جانب التخفي والدقة.
وبحسب موقع Defense News فإن هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن حروب المستقبل ستحسم جزئيًا بالقدرة على الإنتاج الكمي والاستنزاف طويل الأمد.
مع استمرار تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، يضيف نظام لوكاس بعدًا جديدًا إلى بيئة أمنية معقدة أصلًا. لم تعد الطائرات المسيّرة الرخيصة حكرًا على الدول الخاضعة للعقوبات أو الجهات غير الحكومية. إن تطبيع استخدامها ضمن العقيدة الأمريكية يُنذر بمستقبل تصبح فيه الكثافة العددية والضغط النفسي عنصرين أساسيين في التخطيط العسكري، مع تداعيات تتجاوز أي مسرح عمليات واحد.



