دافوس استعراض للهيمنة والقوة وفق المعادلة الترامبية

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 22-01-2026
ترامب في دافوس: ساحة لكسر الرمزية الأوروبية
لم يكن حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى منتدى دافوس الأخير مشاركة روتينية في ملتقى عالمي، بل بدا أقرب إلى عرض قوة سياسي مقصود يهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية وفق معادلة الهيمنة الأميركية مقابل انصياع أوروبي متدرّج، مهما ارتفعت نبرة الاعتراض العلني.
منذ اللحظة الأولى، تعامل ترامب مع دافوس كساحة لكسر الرمزية الأوروبية، المنتدى الذي لطالما مثّل فضاء لعرض “رؤى الكبار” حول الاقتصاد والمناخ والسياسة، جرى تفريغه من مضمونه لصالح خطاب مباشر، فظّ، ومقصود يضع القادة الأوروبيين مرة أخرى، في موقع التابع لا الشريك.
برز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هدفاً مركزياً في هذا المشهد. فالرجل الذي أعلن قبل دافوس رفضه مجلس ترامب للسلام بشأن غزة، ورفضه سيطرة واشنطن على غرينلاند، ومعارضته الدفع الأميركي لأوكرانيا نحو الاستسلام، وجد نفسه أمام رئيس أميركي لا يعترف بالمسافات الرمزية ولا بالأعراف الدبلوماسية.
اذ لم يكتفِ ترامب بتفنيد مواقف ماكرون، بل تعمّد إظهار الفجوة بين الخطاب العلني والممارسة الفعلية، عبر الكشف عن مراسلات خاصة وتصوير الرئيس الفرنسي كشريك منقاد خلف الكواليس.
استخدام ترامب لسلاح الفضح العلني، سواء عبر السخرية الشخصية أو نشر مقتطفات من رسائل خاصة، كان جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على نزع الشرعية المعنوية عن القادة الأوروبيين، وتحويلهم إلى فاعلين محدودي القدرة، مهما ارتفعت نبرة الاعتراض في العلن.
ترامب والاستخفاف بالقدرات الأوروبية وبمناوراتها العسكرية في غرينلاند
في ملف غرينلاند، اتخذ هذا المنطق بعداً أكثر عمقاً. فبينما حرص ترامب علناً على القول إنه لا ينوي استخدام القوة للاستحواذ على الجزيرة القطبية، جاءت تصريحاته مشبعة بالاستخفاف بالقدرات الأوروبية وبمناوراتها العسكرية هناك. غير أن الأهم لم يكن ما قيل أمام الكاميرات، بل ما نوقش خلف الأبواب المغلقة.
فوفق ما نُقل على لسان الصحف الأميركية، ناقش ترامب مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إطار اتفاق لا ينقل السيادة القانونية لغرينلاند من الدنمارك إلى الولايات المتحدة، لكنه يحقق فعلياً جميع الأهداف الاستراتيجية الأميركية. تحديث اتفاقية الدفاع لعام 1951، توسيع الوجود العسكري، إنشاء مناطق دفاعية بإشراف الناتو، تعزيز النشاط في القطب الشمالي، الاستثمار في المواد الخام، وبناء منظومة “القبة الذهبية”، واتمام الاجراءات التي توصل غرينلاند في النهاية لترزح تحت السيطرة الأميركية طويلة الأمد بكلفة سياسية منخفضة، ومن دون الحاجة إلى إعلان ضم رسمي.
دافس والمقاربة العسكرية الجديدة
هذا النموذج يعكس التحول الجوهري في المقاربة الأميركية. اذ لم تعد واشنطن بحاجة إلى السيطرة القانونية المباشرة، طالما أن السيطرة العملياتية والاقتصادية والعسكرية مضمونة. وبالتالي، تصبح السيادة تأمراً شكلياً، بينما تُفرغ عملياً من مضمونها.
ولم تقتصر رسائل ترامب على فرنسا أو الدنمارك. بريطانيا، الحليف التاريخي، وُضعت مثالاً على “الضعف السيادي” بعد تنازلها عن أرخبيل تشاجوس، فيما وُبّخت كندا علناً، وتعرّضت إسرائيل لنقد لاذع بدورها يتعلق بسرقة التكنولوجيا ونسب الإنجازات لنفسها. حتى الخصومات الداخلية الأميركية، كما في حالة النائبة إلهان عمر، جرى تصديرها إلى المسرح الدولي، في استخفاف واضح بالرمزية الدبلوماسية للمنتدى.
دافوس كأحد ملامح إعادة تشكيل النظام الغربي
ما تكشفه هذه الوقائع مجتمعة هو أن دافوس كان كأحد ملامح إعادة تشكيل النظام الغربي نفسه. الولايات المتحدة، في ظل قيادة ترامب، لا تسعى إلى ترميم التحالفات بقدر ما تعمل على إعادة تعريفها على أساس القوة الصلبة والابتزاز السياسي. أما الدول الأوروبية، فتجد نفسها عالقة بين خطاب سيادي متآكل وقدرة محدودة على رد الفعل والمواجهة المؤثرة الفاعلة.
أعطى مؤتمر دافوس لترامب فرصة لاستعراض جديد كما يحب رجل الصفقات. ووفرت له مساحة ليثبت مرة أخرى أن الدول الأوروبية التي لا تمتلك أي من أدوات القوة ستكتفي غالباً بالاعتراض الكلامي، وان امتلكتها لا تملك سوى رفاهية التلويح بها في وجه المارد الأميركي، بينما تتخذ القرارت الكبرى خلف الأبواب الموصدة في واشنطن.



