ورشة عمل فكرية بالمركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية: النظام العالمي الجديد ما بعد فنزويلا وحتمية التحصين الوطني

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 20-01-2026
تقديم ورشة العمل الفكرية “النظام العالمي ما بعد فينزويلا وحتمية التحصين الوطني
نظم المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية بتونس ورشة عمل فكرية حول النظام العالمي الجديد ما بعد فينزويلا وكيفية التحصين الداخلي الوطني لدول العالم من العربدة الترامبية وجوقته التي تؤمن بالبقاء للأقوى و”تشرعن” سياسة الغاب وسرقة مقدرات الدول والإعلان الترامبي عن الاستعمار الجديد الذي نزع قناع “الديمقراطية وحقوق الانسان والشرعية الدولية”… وغيرها من الشعارات الزائفة ليكشر عن انيابه ويعلنها صراحة انه يريد استعمار جديد والتحكم في العالم ويبرز القوة من خلال البطش والهجوم.
وكانت ورشة العمل الفكرية يوم الإربعاء 14 يناير 2026 بداية من الساعة الثانية بعد الظهر بتوقيت تونس تحمل عنوان: النظام العالمي الجديد ما بعد فنزويلا وحتمية التحصين الوطني
وذلك بحضور ثلة من الباحثين والمختصين السياسيين والجيوسياسيين من أغلب الدول العربية مثل تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والاردن وفلسطين وجمهورية مصر العربية وليبيا والسودان والعراق وكذلك من الولايات المتحدة الامريكية وروسيا الفيدرالية وجمهورية الصين الشعبية.
وقد دام اللقاء عبر تطبيقة الانترنات أكثر من ثلاثة ساعات تناول فيها الخبراء أهم القضايا الدولية الراهنة وخاصة العربدة الترامية في العالم.
كما شارك في اللقاء اللواء حابس شروف مدير عام معهد فلسطين للأبحاث الأمن القومي الفلسطيني ببحث قدمه حول ما وصل اليه العالم من فوضى واضطرابات وركّز اللواء على أهمية التحصين الوطني ليخرج الشباب والاجيال القادمة بأخف الأضرار وقدم اللواء حلولا وتوصيات يمكن تطبيقها على مجتمعاتنا العربية من أجل التحصين الداخلي الوطني.
كلمة اللواء حابس شروف: تحصين الداخل الوطني من اجل محاربة الاستعمار الجديد

مقدمة
يشهد النظام الدولي تحولات بنيوية عميقة تتجاوز مجرد إعادة توزيع القوة بين الدول، لتطال طبيعة الدولة، ووظائفها، وحدود سيادتها، وأدوات الصراع والنفوذ. وتُعدّ الأزمة الفنزويلية نموذجاً دالاً على كيفية توظيف الأدوات الإقتصادية، والسياسية، والإعلامية، والعقابية في إدارة الصراع الدولي بعيداً عن أنماط التدخل العسكري التقليدي.
في هذا السياق، تبرز مسألة “التحصين الداخلي” كخيار استراتيجي للدول والمجتمعات في مواجهة نظام عالمي جديد يتسم باللايقين، وتسييس الإقتصاد، وتراجع قواعد الإستقرار الكلاسيكي.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل ملامح النظام العالمي الجديد في مرحلة ما بعد فنزويلا، وبيان متطلبات التحصين الداخلي على المستويات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والمؤسسية، بوصفه شرطاً ضرورياً للصمود والإستقلال النسبي في بيئة دولية متغيرة.
أولاً: فنزويلا كنقطة إنعطاف في إدارة الصراع الدولي
تمثل فنزويلا حالة نموذجية لتحول أدوات الصراع في النظام الدولي، حيث جرى الإنتقال من التدخل العسكري المباشر إلى استخدام مزيج مركّب من:
- العقوبات الإقتصادية والمالية طويلة الأمد،
- الحصار النفطي والتجاري،
- عزل النظام سياسياً ودبلوماسياً،
- الحرب الإعلامية وصناعة السرديات،
- توظيف الإنقسامات الداخلية والشرعية الموازية.
تكشف هذه الحالة أن الصراع الدولي بات يُدار من داخل الدول المستهدفة، عبر إنهاك بنيتها الإقتصادية، وإضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة تشكيل التوازنات الداخلية، بما يجعل التحصين الداخلي خط الدفاع الأول، لا السياسة الخارجية وحدها.
ثانياً: ملامح النظام العالمي الجديد
يتسم النظام العالمي الجديد بعدد من الخصائص الأساسية، أبرزها:
- الإنتقال من الهيمنة العسكرية إلى الهيمنة المركبة (إقتصاد، تكنولوجيا، معلومات).
- تسييس الإقتصاد العالمي، وسلاسل التوريد، والطاقة، والغذاء.
- تراجع مفهوم الحياد، وازدياد الضغوط على الدول لإتخاذ مواقع واضحة.
- تصاعد دور الفاعلين غير الدولتيين (شركات، منصات رقمية، مؤسسات مالية).
- إعادة تعريف مفاهيم السيادة، والأمن القومي، والإستقرار الداخلي.
وفي هذا السياق، لم تعد قوة الدولة تُقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل بقدرتها على إمتصاص الصدمات، وإدارة الأزمات، والحفاظ على تماسكها الداخلي.
ثالثاً: التحصين الداخلي كمفهوم إستراتيجي
لا يقتصر التحصين الداخلي على البعد الأمني، بل يشمل منظومة متكاملة من السياسات والقدرات، تهدف إلى تعزيز مناعة الدولة والمجتمع ضد الإختراق والإبتزاز الخارجي.
ويقوم هذا المفهوم على أربعة أبعاد رئيسية:
-
التحصين السياسي والمؤسسي
- تعزيز الشرعية الداخلية عبر المشاركة السياسية، والشفافية، وسيادة القانون.
- وضوح العلاقة بين الدولة والنظام السياسي والمؤسسات الأمنية.
- إدارة الخلافات الداخلية بالحوار والمؤسسات، لا بالقوة أو الإقصاء
-
.التحصين الإقتصادي
- تنويع مصادر الدخل وتقليل الإعتماد على الخارج.
- تعزيز الأمن الغذائي والطاقة.
- بناء إقتصاد إنتاجي مرن قادر على الصمود أمام العقوبات والإضطرابات.
- حماية الفئات الإجتماعية الأكثر هشاشة لتفادي الإنفجار الإجتماعي.
-
التحصين الإجتماعي والثقافي
- ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة في مواجهة الإستقطاب.
- تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
- مواجهة الحروب النفسية والإعلامية عبر خطاب عقلاني ومصداقية عالية.
-
التحصين المعرفي والإعلامي
- إمتلاك سردية وطنية مستقلة في مواجهة السرديات الخارجية.
- تطوير الإعلام الوطني ومنصات التواصل كأدوات وعي لا تعبئة إنفعالية.
- الإستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والقدرة على تحليل المخاطر.
رابعاً: التحصين الداخلي في ظل التحولات الدولية الجديدة
في ظل التنافس بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، لم تعد الدول تُستهدف بسبب مواقفها فقط، بل بسبب موقعها، أو مواردها، أو قابليتها للإختراق. لذلك، يصبح التحصين الداخلي شرطاً مسبقاً لأي سياسة خارجية متوازنة، ويغدو الداخل هو ساحة الصراع الأولى.
تُظهر التجارب الحديثة أن الدول التي تمتلك مؤسسات متماسكة، وإقتصاداً متنوعاً، ومجتمعاً مندمجاً، تكون أكثر قدرة على المناورة، وأقل عرضة للإنهيار تحت الضغط الخارجي.
خامساً: دروس مستخلصة من حالة فنزويلا
- هشاشة الداخل تُحوّل العقوبات إلى أداة تغيير سياسي.
- الإستقطاب الداخلي يُسهّل تدويل الأزمات.
- غياب التنويع الإقتصادي يضاعف كلفة الصراع.
- الشرعية المنقسمة أخطر من التهديد الخارجي المباشر.
سادساً: إسقاطات مباشرة على الحالة الفلسطينية والعربية
تشكل الحالة الفلسطينية نموذجاً مركباً لتطبيقات النظام العالمي الجديد، حيث تتقاطع الهيمنة الأمريكية، والإنحياز لإسرائيل، وإستخدام أدوات الإقتصاد والأمن والقانون الدولي بشكل إنتقائي. في السياق الفلسطيني، ولا يقتصر التحدي على الإحتلال العسكري المباشر، بل يمتد إلى إعادة هندسة المجال السياسي والإقتصادي، وربط الإعمار والمساعدات بشروط أمنية وسياسية، وتحويل الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الغاز الفلسطيني والطاقة، إلى أدوات ضغط وسيطرة.
وعليه، فإن التحصين الداخلي الفلسطيني يقتضي إعادة بناء الوحدة الوطنية، وتوحيد النظام السياسي والمؤسساتي، وفصل مسار التحرر الوطني عن منطق التمويل المشروط، وبناء إقتصاد صمود يقلل من التبعية ويعزز القدرة على الإستمرار في ظل الضغوط الدولية.
أما على المستوى العربي، فتبرز مجموعة من القواسم المشتركة التي تجعل من التحصين الداخلي ضرورة إستراتيجية لا خياراً سياسياً؛ فالمنطقة العربية تعاني من هشاشة بنيوية في الدولة الوطنية، وتفكك في العقد الإجتماعي، وإرتهان إقتصادي وأمني للخارج، ما يجعلها عرضة لتطبيق سياسات الإحتواء، والعقوبات، وإدارة الصراعات بدل حلها.
وتكشف التجربة الفنزويلية، كما الفلسطينية، أن غياب الجبهة الداخلية المتماسكة يفتح الباب واسعاً أمام التدخل الخارجي، سواء عبر العقوبات، أو تأجيج الإنقسامات، أو توظيف أدوات الإعلام والحقوق والاقتصاد.
وفي هذا الإطار، يتطلب التحصين الداخلي العربي إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي ليشمل الأمن الإقتصادي والغذائي والتكنولوجي، وبناء شرعية سياسية قائمة على المشاركة والعدالة الإجتماعية، لا على الضبط الأمني وحده. كما يستدعي تعزيز التكامل الإقليمي العربي، ولو على مستويات جزئية، لتقليص كلفة الضغوط الدولية، وتوسيع هامش المناورة في النظام العالمي المتحوّل. ويظل الدرس المركزي أن القدرة على الصمود في النظام العالمي الجديد لا تُبنى عبر التحالفات الخارجية فقط، بل عبر الداخل الموحد والقوي والقادر على إمتصاص الصدمات وإدارة التنافس الدولي بوعي إستراتيجي.
خاتمة وتوصيات
الخلاصة، أن النظام العالمي الجديد لا يعاقب الدول الضعيفة عسكرياً فقط، بل الدول الهشة داخلياً. وعليه، فإن التحصين الداخلي لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية.
التوصيات:
- يجب إعتماد التحصين الداخلي كجزء من إستراتيجية الأمن القومي.
- ويجب أن يكون الإستثمار في الإنسان؛ بوصفه خط الدفاع الأول.
- ضرورة العمل على بناء إقتصاد مقاوم للصدمات لا اقتصاداً تابعاً.
- ويجب إدارة التنوع والخلاف الداخلي بوصفه مصدر قوة لا تهديداً.
- كما يجب الربط العضوي بين الإستقرار الداخلي والإستقلال في القرار السياسي.
تشكل هذه المقاربة مدخلاً عملياً لفهم التحديات القادمة، وبناء إستجابات وطنية قادرة على الصمود في نظام دولي سريع التحول.



