آسياأخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

لماذا فشلت اميركا في التأثير على الشعب الايراني؟

منذ انطلاق الثورة الاسلامية بإيران عام 1979 واعلان القيادة الايرانية الجديدة موقفها الصريح بالعداء للاستكبار العالمي المتمثل بأميركا وحتى اليوم، فان محاولات الولايات المتحدة لم تتوقف من التآمر على إيران، وبدلا من استهداف القيادة راحت تستهدف الشعب الإيراني ومحاولة توفير قناعة له بان حكومته الاسلامية بعيدة عن اسس الديمقراطية وأنها سبب معاناته الاقتصادية ولابد من اسقاط النظام.!

كثيرون يتساءلون ان اميركا دولة عظمى ومتفردة بالعالم وقوية التأثير بدول تفوق إيران عددا ومساحة وحتى تطورا علميا مثل دول اوروبا، واستطاعت ان تغير انظمتها وتصنع الفوضى والحروب والاقتتال الداخلي لها وتثير الضغائن والاحقاد العرقية والدينية والطائفية بين مكوناتها، فكيف عجزت عن التأثير بالشعب الايراني؟

 ان اميركا لم تفهم عمق الحساسية الايرانية اتجاه الاستقلال، وتعاني من امية في قراءة خصوصية الشعب الايراني وتاريخه ومزاجه ونظرته الى بلده وعمقه الحضاري، كما لم يتفهم الأميركان ان الضغط الخارجي غالبا ما يقوي الداخل بدلا من اضعافه، اما كيف أصبح الشعب الايراني بهذه الخصوصية فذلك امر يخص التاريخ وتشكيل الشخصية لاي قومية او شعوب بلد بالعالم.

كنت في زيارة الى إيران خلال حرب 12 يوما في حزيران من عام 2025 مع وفد إعلامي رفيع وعشنا معا، كيف تلقى الشعب الايراني الهجوم حيث لم تشهد ايما قلق على اي مواطن، فلم يزدحموا على الاسواق والمحال التجارية ولا على محطات الوقود ولم يخشوا ان يطالهم الهجوم فيما كانت تسمع اصوات الانفجارات بالعاصمة طهران ومعها اخبار الاغتيالات للعلماء والقيادات العسكرية والحكومية، كما لم نشهد انتشارا امنيا بالشوارع العامة وكانت حركة المرور جدا عادية وهذا دليل ثقة المواطن بدولته في مواجهة المخاطر وثقته بنفسه ايضا وعدم خضوعه للإملاءات الخارجية.

وانت تزور إيران بسهولة تسمع انتقاد المواطنين لأداء الحكومة، رغم اناقة الشوارع ونظافة المدن والتنظيم لحركة المرور، ورغم رخص الوقود من بنزين وغاز وبقية المشتقات والدعم الصحي وتقديم الخدمات المجانية الكثيرة.

إيران تنتج 98٪؜ من الادوية والعلاجات ومستشفياتها متطورة وتنتج اغلب الأجهزة الطبية، وتنتج جميع المنتجات الزراعية على ارضها ناهيك عن العدد الهائل للمصانع والمعامل والشركات والتطور العلمي والتقني للبلد.

روح الانتقاد موجودة في عقيدة المواطن الايراني قديما وحديثا، وغالبا ما يقسو في انتقاده على شؤون صغيرة ويرى في ذلك حقا له، فيما اعتاد المسؤولون على قبول هذه الانتقادات ومحاولة معالجتها، وهذه الانتقادات يعرضها الاعلام الايراني بكل شفافية، ويعرضها ممثلو الشعب اعضاء مجلس الشورى ايضا سواء بجلساتهم او عبر وسائل الاعلام، لكن هذا الانتقاد غير مرتبط بجهات خارجية او تحريض من قبل أحد كان من يكون انما هو انتقاد لواقع يحتاج معالجة.

الشعب الايراني في كل تاريخه وازمانه يرى في ارض إيران مكانا مقدساً ويرى فيها بديلا عن كل مباهج الحياة في الدول الاخرى، وفي اعياد نوروز ترى الشعب الايراني بكل اعراقه وطوائفه واديانه يحزم حقائبه ويسافر الى محافظات اخرى غير المحافظة التي يعيش بها، وحين تتابع الاسرة الايرانية وهي تعد تجهيزاتها للسفر تعتقد انها سترحل الى دولة اخرى لكن هي مجرد سفرة سنوية الى منطقة اخرى داخل نفس البلد.

إيران واسعة المساحة حوالي مليون وستمائة ألف كم٢ومتنوعة التضاريس والمناخات، وفيها من المراكز السياحية الكثير وكما يصفها المتنبي خلال زيارته لشِعْب بوان بإيران:

لَها ثَمَرٌ تُشيرُ إِلَيكَ مِنهُ بِأَشرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أَواني.

وَأَمواهٌ تَصِلُّ بِها حَصاها صَليلَ الحَليِ في أَيدي الغَواني.

إِذا غَنّى الحَمامُ الوُرقُ فيها أَجابَتهُ أَغانِيُّ القِيانِ.

أثناء الاحتجاجات الأخيرة في إيران خرجت تظاهرة للإيرانيين يعيشون في لندن امام المركز الاسلامي الايراني بالعاصمة لندن توافقا مع احتجاجات الداخل، فسأل مراسل قناة اجنبية شاب ايراني مشارك بالتظاهرة؛ -كيف تقيّم دعم الرئيس الاميركي ترامب للشعب الايراني ومطالبه؟ فانزعج الشاب ورد عليه، وما علاقة ترامب بالشعب الايراني؟ هذا شأن داخلي ايراني رجاءً، وأعتقد ان هذا الشاب ربما ولد في لندن وليس في إيران.

ان مجرد جردة سريعة لتاريخ إيران، ستجد ان إيران لم تُستعمر طيلة تاريخها استعمارا مباشرا وإن احتلت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران عسكريا خلال الحرب العالمية الثانية لكن كان احتلالا مؤقتاً حيث لم تُلغ الدولة الايرانية وانسحبوا لاحقاً.

 

وفي التاريخ القديم ان إيران تعرضت لغزوات واحتلالات لكنها لا تعد استعمارا مباشرا فمثلا حين اجتاح المغول ايران في القرن 13 الميلادي اشتمل الايرانيون على هذا الغزو الخطير والدموي واستطاعت اسرة الجويني الايرانية العريقة ان تبرز وان تأخذ الدور في ادارة الشعب الايراني دون ان تترك للقادة المغول الادارة العسكرية الخالصة واضطهاد الشعب الايراني، كما كان لهذه الاسرة في اعادة بناء إيران بعد الدمار المغولي.

إن واحدة من أهم اسباب تذمر الشعب الايراني من حكومة محمد رضا شاه بهلوي والثورة ضده هو ارتباطاته الخارجية بأميركا وإسرائيل. الشعب الايراني يحترم كل الشخصيات التي مرت في تاريخ بلده، ويرى فيهم جزءً من تاريخه من حكام وكتاب وفلاسفة وادباء وفنانين وشعراء ومؤرخين الخ، ومازالت مراقد هؤلاء تشيد وتزار وتعمر وتظهر بالأبهى من المباني وحين تزور قبر الشاعر الايراني حافظ شيرازي، وسعدي شيرازي، وعمر الخيام وغيرهم تعجب من جمال البناء والحدائق الغناء والرعاية والاهتمام من جميع الحكومات المتعاقبة، وليس غريبا لدى الشعب الايراني انهم حين يستخيرون صباحاً، يفتحون ديوان حافظ شيرازي ليدلهم بيت شعري على فألهم ذلك اليوم. فيما سنوياً يحج لقبر حافظ الالاف من الايرانيين.

الإيرانيون حافظوا على تراثهم وتاريخهم ولم تهدم امةٌ ما بناه من سبقهم وان جارَ عليهم، فعلى سبيل المثال ان (محمد رضا بهلوي شاه إيران السابق الذي كان وراء اعدام وقتل واعتقال الالاف من الشعب الايراني وخاصة رجال الدين، فما زال قصره يُزار (كاخ شاه) وتجد كافة مقتنيات الاسرة البهلوية وهناك دليل يهديك لتفاصيل القصر والاسرة ويعرفك بالمقتنيات.

الايرانيون يرون بأميركا دولة حديثة وقارة سُكنتْ قبل 500 عام فكيف لها ان تطاول دولة وتاريخا بحجم إيران وتاريخها الحضاري الذي يمتد لألاف السنين؟ الشعب الايراني قد يختلف مع حكوماته لكنه لا يقبل خيانة ارضه وتاريخه وسيادة بلده.

الايرانيون يرون ان العقوبات الاميركية وراء الازمات الاقتصادية في بلدهم ويحملون اميركا ذلك وهم القادرون على تغيير اوضاعهم الاقتصادية وليس لأميركا او اسرائيل ان تتدخل في شؤونهم ويحملونها مسؤولية ما حدث في بلدهم من اعمال عنف واعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة، ويرون انهم أكبر من مخططات الأعداء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق