هل يتحمل ترامب حرباً طويلة ضد إيران مع الخسائر المتنوعة والكبرى التي يتلقاها؟

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 03-04-2026
كلفة مركبة تتجاوز الكلفة العسكرية:
تتجه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران نحو كلفة مركّبة تتجاوز الإطار العسكري، لتطال بنية القوة الأميركية نفسها، مادياً وسياسياً. كما يعكس ما تكشفه تقارير الاعلام الأميركي والغربي صورة مغايرة للرواية الرسمية في الولايات المتحدة، حيث يتراكم الاستنزاف في الميدان، وتتسع فجوات الثقة مع الحلفاء خاصة الناتو والدول الأوروبية والعربية.
-
أصول عسكرية تتآكل
ميدانياً، تظهر الخسائر في تآكل الأصول العسكرية الحساسة. تضررت ثلاث عشرة قاعدة أميركية في الشرق الأوسط خلال فترة قصيرة، وتعرضت منصات جوية رئيسية لضربات مباشرة، بينها طائرات الإنذار المبكر من طراز إي-3، إلى جانب طائرات التزود بالوقود جواً، ومنظومات الاستطلاع الجوي من طراز إم كيو-9 إضافة للطائرة الحربية اف 35 والتي أكدت إيران اسقاطها.
هذا النوع من الخسائر لا يرتبط فقط بقيمة المعدات، بل بوظيفتها ضمن منظومة القيادة والسيطرة، حيث يؤدي تعطيلها إلى إضعاف القدرة على إدارة العمليات الجوية وتنسيقها. اضافة للسمعة العسكرية التي ستفقدها الشركات المنتجة والتي ستتسبب بدورها بتراجع أسهمها وتراجع الثقة بها كما الطلب عليها.
-
استنزاف الذخائر الدقيقة
الأثر الأعمق يتصل باستنزاف الذخائر الدقيقة أيضاً. حيث تشير معطيات نقلتها واشنطن بوست إلى إطلاق مئات الصواريخ المجنحة، من بينها صواريخ بعيدة المدى يصعب تعويضها بسرعة. إنتاج هذه الأنظمة يحتاج إلى سنوات، في وقت تتزايد فيه الحاجة العالمية إليها، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط.
يفرض هذا الاستنزاف واقعاً جديداً على صانع القرار الأميركي، حيث لم يعد الفائض العسكري متاحاً كما في السابق، بل باتت الموارد محدودة وتخضع لحسابات توزيع دقيقة.
-
اختراقات لأنظمة الدفاع بالمسيرات
في المقابل، أثبتت الطائرات المسيّرة الإيرانية، وعلى رأسها طراز “شاهد-136″، قدرة على إحداث اختراقات متكررة في أنظمة الدفاع الأميركية. هذا التطور يعكس خللاً في التكيّف مع طبيعة الحروب الحديثة، رغم التجربة الطويلة في أوكرانيا التي أظهرت بوضوح دور المسيّرات في تغيير موازين الميدان. ما أشارت إليه المحللة العسكرية بيكا واسر في وكالة بلومبرغ يوضح هذا الخلل، إذ حذّرت من أن استمرار النزاع سيؤدي إلى نفاد صواريخ الدفاع الجوي والذخائر المتقدمة، مع صعوبة إعادة بناء المخزون في المدى القريب.
-
تراجع أمريكي في التزاماته مع حلفائها
هذا الاستنزاف لا يبقى محصوراً في الميدان، بل ينعكس مباشرة على موقع الولايات المتحدة داخل منظومة التحالفات. مع تقلّص المخزونات، تتراجع القدرة على تزويد الحلفاء بالأنظمة الدفاعية، ما يفتح نقاشاً داخل المؤسسات الأميركية حول أولويات الدعم. هل تُمنح الأولوية للجبهة الأوروبية، أم لمنطقة الخليج، أم للاحتياجات الاسرائيلية؟ هذا السؤال يكشف تحولاً في موقع واشنطن من قوة قادرة على تلبية جميع الالتزامات، إلى طرف مضطر لإعادة ترتيب أولوياته.
-
تكلفة سياسية باهظة
سياسياً، تتكشّف تداعيات أكثر تعقيداً، فخطاب الرئيس دونالد ترامب يعكس محاولة للجمع بين إعلان التقدم والسعي إلى إنهاء سريع للحرب، مع إدراك متزايد لكلفتها. اذ لا ينسجم حديثه عن إمكانية إنهاء النزاع خلال أسابيع مع المعطيات الميدانية التي تشير إلى صراع مفتوح زمنياً، ما يخلق فجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري.
يضيف التوتر مع الحلفاء الأوروبيين طبقة أخرى من الضغط. حيث تعكس الانتقادات الأميركية لرفض المشاركة في تأمين مضيق هرمز، وتصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو حول إعادة تقييم العلاقة مع حلف شمال الأطلسي، تحوّلاً في النظرة إلى التحالفات. تكشف الإشارة إلى أن الحلف قد يتحول إلى عبء إذا لم يخدم المصالح الأميركية عن اتجاه لإعادة تعريف الالتزامات التقليدية، في سياق يتسم بتراجع الثقة.
-
تراجع في العلاقات مع الشركاء
هذا التراجع لا ينفصل عن أزمات سابقة ساهمت في إضعاف العلاقات، ومع تصاعد كلفة الحرب يصبح من الصعب على واشنطن حشد دعم إضافي من شركائها. في الوقت نفسه، تواجه الإدارة الأميركية ضغوطاً داخلية متزايدة، مع ارتفاع كلفة العمليات واستنزاف الموارد، ما يضعف قدرتها على تسويق الحرب سياسياً.
في الخليج، تأخذ العلاقة بُعداً اقتصادياً واضحاً. اذ أن النظرة الأميركية إلى دول المنطقة كمصدر للاستثمارات تصطدم بتداعيات الحرب، حيث تؤدي المخاطر الأمنية إلى إعادة تقييم الالتزامات المالية. أي تراجع في هذه الاستثمارات يضيف خسارة اقتصادية إلى الكلفة العسكرية، ويؤثر على حسابات الإدارة في إدارة الصراع.
التخبط بين التراجع التكتيكي أو التهور الغير المحسوب
في هذا السياق، تتبلور معادلة معقّدة أمام الإدارة الأميركية. الاستمرار في الحرب يعني مزيداً من الاستنزاف المادي وتآكل القدرة على الانتشار العالمي، فيما يفرض التراجع دون تحقيق أهداف واضحة كلفة سياسية داخلية. هذا التوازن الصعب يعكس طبيعة المواجهة مع دولة تمتلك أدوات متعددة، تقليدية وغير تقليدية، وتستفيد من ثغرات في بنية القوة الأميركية.
ما تكشفه هذه الحرب يتجاوز حدودها الجغرافية، ليطرح تساؤلات أعمق حول قدرة الولايات المتحدة على خوض صراعات طويلة في بيئة دولية متغيرة. الخسائر لم تعد تُقاس فقط بعدد القواعد المتضررة أو حجم الذخائر المستهلكة، إنما أيضاً بمدى تأثيرها على موقع واشنطن في النظام الدولي، وعلى قدرتها في الحفاظ على شبكة تحالفاتها في ظل ضغوط متزايدة من الداخل والخارج.



