نمط أميركي جديد في توظيف وحدات النخبة لتحقيق التفوق التكتيكي والمغامرة السياسية

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 05-01-2026
أثار إعلان الرئيس الأميركي تنفيذ عملية عسكرية مباشرة في العاصمة الفنزويلية كراكاس، انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، صدمة سياسية تتجاوز الحدث العسكري نفسه.
اذ تعمّد دونالد ترامب وصف العملية بأنها “غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية”، مسنداً تنفيذها إلى وحدة ” دلتا فورس”. هذا الإعلان لا يمكن التعامل معه بوصفه استعراض قوة فحسب، بل باعتباره تعبيراً عن نمط أميركي في توظيف وحدات النخبة لتحقيق أهداف سياسية كبرى، مع تقليص كلفة المواجهة العلنية على الداخل الأميركي.
في جوهرها، تكشف عملية فنزويلا – بصرف النظر عن دقة الرواية الأميركية لما جرى أو مآلاتها اللاحقة – عن رهان سياسي على فكرة أن وحدات العمليات الخاصة قادرة على اختزال التعقيد السياسي في ضربة نظيفة وسريعة.
هذا الرهان ليس جديداً في التفكير الاستراتيجي الأميركي، لكنه بلغ في السنوات الأخيرة درجة من التوسع جعلت من القوات الخاصة أداة مفضلة لتجاوز القيود التقليدية للحرب، والالتفاف على كلفة الحشد العسكري الواسع، ومخاطر الانزلاق إلى صراع طويل.
تُعد دلتا فورس النموذج الأكثر تعبيراً عن هذا المنطق. فهي وحدة مكافحة الإرهاب النخبوية في الجيش الأميركي، تعمل في الظل وتُعرف داخلها باسم “الوحدة”. تحمل تسميات رسمية متعددة، أبرزها الوحدة الأولى للقوات الخاصة العملياتية – دلتا (1st SFOD-D)، وتخضع مباشرة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، باعتبارها وحدة مهام خاصة من الدرجة الأولى. منذ تأسيسها على يد تشارلز بيكوورث، المتأثر بتجربة القوات البريطانية الخاصة (SAS)، بُنيت دلتا كأداة عالية التخصص لمهام لا تتحمل الفشل العلني.
المهمة الأساسية لدلتا هي “مكافحة الإرهاب”، بما يشمل إنقاذ الرهائن، تنفيذ عمليات القبض أو التصفية، وجمع الاستخبارات في البيئات شديدة الخطورة. توسعت هذه المهام لاحقاً لتشمل الحماية القريبة والحرب غير التقليدية. يتمتع مشغلوها بقدرات عالية في القتال القريب، القنص، الاقتحام السري، المتفجرات، والعمل في أنظمة النقل المختلفة، من طائرات وسفن وقطارات ومركبات. تنظيمياً، تتألف من أربعة أسراب عملياتية (A وB وC وD)، يضم كل منها فرقاً متخصصة في الاستطلاع والعمل المباشر، مع وجود عنصر استطلاع بالغ السرية مخصص للمهام الحساسة.
غير أن هذه البنية الاحترافية لم تحصّن دلتا من الإخفاق. فالتاريخ العملي للوحدة يكشف أن أعلى مستويات التدريب لا تعوّض بالضرورة عن سوء التقدير السياسي.
عملية “مخلب النسر” في إيران عام 1980 شكّلت لحظة تأسيسية لهذا الإدراك. فالمحاولة الأميركية لتحرير رهائن السفارة في طهران انهارت بفعل أعطال ميدانية وتقديرات مفرطة بالتفاؤل، وانتهت بكارثة في صحراء طبس أودت بحياة ثمانية جنود. الفشل لم يكن عسكرياً فحسب، بل سياسياً بامتياز، إذ أسهم مباشرة في تقويض إدارة جيمي كارتر، وأصبح رمزاً لانكشاف حدود القوة الأميركية في بيئة معادية ومعقّدة.
تكرر هذا النمط في مقديشو عام 1993. فالغارة المشتركة بين دلتا والرينجرز، التي استهدفت قيادات تابعة لمحمد فرح عيديد، بُنيت على افتراض أن عملية خاطفة قادرة على فرض نتيجة سياسية. لكن إسقاط المروحيات ودخول القوات في اشتباك طويل كشفا هشاشة هذا الافتراض. انتهت العملية بمقتل 19 جندياً أميركياً وأكثر من ألف صومالي، وأعادت إلى الواجهة السؤال حول جدوى استخدام وحدات نخبوية لتحقيق أهداف سياسية في بيئات لا يمكن السيطرة على دينامياتها.
ولا يقل دلالة عن ذلك العمليات التي لم تُنفذ. كمحاولة التخطيط لعملية “Round Bottle” في بيروت لتحرير رهائن غربيين، والتي أُلغيت قبل التنفيذ، التي تعكس إدراكاً متأخراً للمخاطر.
في هذا الإطار، يقدّم المؤرخ وعالم الأبحاث العسكري الأميركي، والمتخصص في تاريخ الحروب والعمليات العسكرية مارك موير، نقداً بنيوياً للاعتماد الأميركي المتزايد على قوات العمليات الخاصة. فبحسب تحليله الذي أورده في كتاب “مواجهة أي عدو: صعود قوات العمليات الخاصة الأميركية”، يمنح هذا النمط البيت الأبيض قدرة على تنفيذ عمليات عسكرية بعيداً عن الرقابة الشعبية، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام استخدام هذه القوات في مهام تتجاوز طبيعتها، و”يقوّض جوهر العملية السياسية الأميركية نفسها”. فحين تصبح السرية شرطاً لاستمرار العملية، تصبح حكمة القرار موضع شك. حيث تثير أسئلة حول سبب سريتها، وتملص واشنطن من المسؤولية المباشرة كما اخفاء النتائج ومنها الفشل أو التسبب بأزمة أو مقتل مدنيين وغيره.
هذا النقد يجد صداه في موقف صحيفة الغارديان البريطانية بعد فشل مقديشو، حين حذّرت في مقال نشرته عام 1993 من وهم “المشرط العسكري” القادر على تحقيق أهداف سياسية معقدة بضربة دقيقة. فالخبرة الأميركية، من الخليج إلى بيروت، أظهرت أن التفوق التقني لا ينتج تلقائياً استقراراً سياسياً، وأن الاعتماد على وحدات نخبوية، مهما بلغت كفاءتها، لا يعوّض غياب الفهم العميق للسياق السياسي والاجتماعي.
بالتالي، يمكن قراءة عملية فنزويلا بوصفها حلقة جديدة في مسار طويل من توظيف وحدات النخبة كأداة سياسية. فدلتا، رغم امتيازها المهني وقدراتها الاستثنائية، ليست كياناً فوق السياسة، وتاريخها – المعلن والمخفي – يضم آلاف العمليات الناجحة والفاشلة وتلك التي أُلغيت قبل التنفيذ. الفارق الحاسم لا يكمن في كفاءة “الوحدة”، بل في حدود استخدامها، وفي قدرة صانع القرار على التمييز بين العملية التي تحسم أزمة، وتلك التي تؤجل انفجارها أو تضاعف كلفتها.



