نافي بيلاي تنتقد ترامب وتدعو إلى محاكمة نتنياهو على خلفية جرائم الحرب في غزة

قسم الاخبار الدولية 15-10-2026
دعت الحقوقية والقاضية الدولية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2026، إلى محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية ما خلصت إليه لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة والتحريض عليها. وأكدت بيلاي، في مقابلة مع قناة «سكاي نيوز»، أن المسؤولين الثلاثة ينبغي أن يخضعوا للمحاكمة أمام محاكم وطنية أو أمام المحكمة الجنائية الدولية، مشددة على ضرورة إخضاع المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي للمساءلة القضائية.
وتستند هذه الدعوة إلى المسار الذي قادته بيلاي بين عامي 2021 و2025 بصفتها رئيسة اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل. وكانت اللجنة قد خلصت في تقريرها إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، معتبرة أن هناك أدلة على توافر النية الخاصة اللازمة لارتكاب هذه الجريمة، كما حمّلت مسؤولين إسرائيليين مسؤولية التحريض عليها. وقد أثارت هذه الاستنتاجات ردود فعل حادة من الحكومة الإسرائيلية، التي رفضت الاتهامات الموجهة إليها وشككت في حياد اللجنة
وفي دفاعها عن نتائج التحقيق، رفضت بيلاي الاتهامات الإسرائيلية التي تصف عملها بالتحيز السياسي أو معاداة السامية، معتبرة أن الانتقادات التي تستهدفها تصاعدت بعدما تولت رئاسة لجنة التحقيق وبدأت في توثيق الانتهاكات المزعومة. وأوضحت أن التقرير استند إلى أدلة ومعلومات، من بينها مواد صادرة عن مصادر إسرائيلية، في حين أشارت إلى وجود قيود على وصول اللجنة إلى بعض المعلومات التي تحتاج إليها لإجراء تحقيقاتها بصورة كاملة.
وشددت بيلاي على أن الغاية الأساسية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لا تقتصر على معاقبة مرتكبيها بعد وقوعها، بل تشمل منعها قبل أن تؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية. وأكدت أن الدول الأطراف في الاتفاقية تتحمل التزامات قانونية تتعلق باتخاذ التدابير اللازمة لمنع الإبادة الجماعية عندما تتوافر مؤشرات جدية على احتمال وقوعها، معتبرة أن الانتظار إلى حين اكتمال الجريمة يتعارض مع الغاية الوقائية للقانون الدولي.
وفي سياق متصل، انتقدت بيلاي مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه القانون الدولي والمؤسسات القضائية الدولية، داعية إياه إلى الاستعانة بمستشاريه القانونيين لفهم قواعد القانون الدولي والعدالة الدولية ومبدأ سيادة القانون. كما ذكّرته بالدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية، حين تولى القاضي الأميركي روبرت جاكسون منصب المدعي العام الرئيسي، معتبرة أن الدولة التي ساهمت في تأسيس منظومة للمساءلة الدولية لا ينبغي أن تتعامل مع قواعدها بصورة انتقائية عندما تصبح موضع مساءلة.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد الخلاف بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما بعد إعلان الإدارة الأميركية فرض عقوبات جديدة تستهدف المحكمة، على خلفية تحقيقاتها وإجراءاتها المتعلقة بالمسؤولين الإسرائيليين. وترى بيلاي أن مثل هذه التدابير تمثل تهديداً لاستقلال المؤسسات القضائية الدولية وقدرتها على أداء مهامها، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية على الجهات التي تسعى إلى التحقيق في الجرائم الدولية ومحاسبة المسؤولين عنها.
ويعكس هذا الخلاف مواجهة أوسع بشأن حدود النفوذ السياسي في عمل القضاء الدولي، ومدى قدرة المؤسسات القانونية على ممارسة اختصاصاتها بعيداً عن ضغوط الدول الكبرى. فبينما تؤكد واشنطن رفضها لما تعتبره تجاوزاً لصلاحيات المحكمة وتهديداً لمصالحها ومصالح حلفائها، تحذر أصوات حقوقية من أن فرض العقوبات على المؤسسات القضائية أو الجهات المتعاونة معها قد يضعف آليات المساءلة ويحد من قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة.
وتكتسب مواقف بيلاي أهمية إضافية في ضوء مسيرتها الطويلة في مجال حقوق الإنسان، إذ شغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وعملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، كما ساهمت في تطوير الاجتهاد القضائي المتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وقد مُنحت جائزة نوبل للسلام لعام 2026 تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي وترسيخ مبدأ مساءلة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة.
وتعيد تصريحاتها بشأن غزة طرح إشكالية ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدول تحظى بدعم سياسي وعسكري من قوى كبرى. كما تبرز التناقض القائم بين الالتزامات المعلنة بحماية حقوق الإنسان من جهة، والضغوط السياسية التي تواجه المؤسسات القضائية الدولية عندما تفتح تحقيقات تمس مسؤولين نافذين من جهة أخرى.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى المحاكمة لا تعني صدور حكم قضائي بالإدانة، إذ تظل المسؤولية الجنائية الفردية خاضعة للأدلة والإجراءات القانونية واختصاص المحاكم المعنية. وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ترفضها إسرائيل. ويختلف المسار القانوني المتعلق بهذه الاتهامات عن أي إجراءات محتملة بشأن جريمة الإبادة الجماعية أو التحريض عليها.
وفي المحصلة، تعكس مواقف نافي بيلاي تصاعد المطالب الدولية بتحويل المساءلة عن الانتهاكات في غزة من نطاق الإدانات السياسية إلى مسارات قانونية قابلة للتنفيذ. كما تضع المجتمع الدولي أمام سؤال أساسي: هل تستطيع منظومة العدالة الدولية تطبيق قواعدها بصورة متساوية على جميع الدول والمسؤولين، أم ستظل فعاليتها رهينة موازين القوى والتحالفات السياسية؟



