موسكو تلمح إلى إمكانية عقد قمة ثلاثية لإعادة بحث الملفات الدولية

قسم الاخبار الدولية 19-10-2026
أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أن روسيا والولايات المتحدة والصين تقر بإمكانية عقد قمة ثلاثية تجمع قادة الدول الثلاث في إطار المشاورات المتعلقة بالقضايا الدولية الراهنة والتحديات التي تواجه النظام الدولي. وأوضح بيسكوف أن هذا اللقاء يظل احتمالاً مطروحاً من الناحية النظرية دون أن يعني ذلك التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تنظيمه أو تحديد موعد رسمي لانعقاده. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه أهمية الاتصالات الدبلوماسية بين القوى الكبرى في ظل استمرار النزاعات الدولية وتصاعد التنافس الاستراتيجي حول قضايا الأمن والطاقة والتجارة والتوازنات الجيوسياسية
ويكتسب الحديث عن قمة تجمع موسكو وواشنطن وبكين أهمية خاصة بالنظر إلى الثقل السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تمثله هذه الدول في العلاقات الدولية. فروسيا تسعى إلى تعزيز موقعها الاستراتيجي في مواجهة الضغوط الغربية ومواصلة الدفاع عن مصالحها الأمنية والسياسية في أوروبا ومناطق أخرى من العالم بينما تواصل الولايات المتحدة العمل على إدارة التحديات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا والتنافس مع الصين والحفاظ على نفوذها الدولي في المقابل تعمل بكين على تعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي وتوسيع دورها في القضايا الدولية مع التأكيد على أهمية الحوار بين القوى الكبرى وتجنب المواجهات التي قد تهدد الاستقرار العالمي
وتأتي هذه التطورات في أعقاب تقارير إعلامية تحدثت عن اقتراح روسي لعقد لقاء يجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ المقرر تنظيمها في الصين خلال شهر نوفمبر المقبل. وقد أثار هذا المقترح اهتماماً في الأوساط السياسية بالنظر إلى إمكانية استغلال اللقاء لبحث عدد من الملفات الدولية التي تتداخل فيها مصالح القوى الثلاث وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية ومستقبل العلاقات الروسية الأميركية والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين واشنطن وبكين فضلاً عن القضايا المرتبطة بالأمن الدولي وإدارة الأزمات الإقليمية
ويظل الملف الأوكراني أحد أبرز القضايا التي يمكن أن تكتسب أهمية في أي تحرك دبلوماسي من هذا النوع إذ تمثل الحرب المستمرة تحدياً للعلاقات بين روسيا والدول الغربية وتؤثر بصورة مباشرة في منظومة الأمن الأوروبي وفي العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية. وتسعى موسكو إلى الدفع نحو ترتيبات تراعي ما تعتبره مصالحها الأمنية والاستراتيجية بينما تؤكد واشنطن ضرورة التوصل إلى تسوية تنهي الحرب وتحد من تداعياتها الأمنية والسياسية. أما الصين فتتبنى خطاباً يدعو إلى التسوية السياسية والحوار وتؤكد أهمية معالجة النزاعات من خلال الوسائل الدبلوماسية مع استمرار علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع روسيا وتواصل تعاملها مع الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً ومنافساً في عدد من المجالات
ومن هذا المنطلق فإن أي قمة محتملة بين القادة الثلاثة قد تتيح فرصة لبحث حدود التفاهم الممكن بين القوى الكبرى بشأن النزاعات الدولية وآليات الحد من مخاطر التصعيد العسكري. غير أن انعقاد اجتماع بهذا المستوى لا يعني بالضرورة التوصل إلى توافقات واسعة أو تجاوز الخلافات القائمة إذ تتباين مواقف الدول الثلاث بشأن عدد من الملفات الأساسية بما في ذلك مستقبل الأمن الأوروبي والسياسات التجارية والتكنولوجيا المتقدمة والتوازنات العسكرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. كما أن أي تفاهمات محتملة بشأن الحرب في أوكرانيا ستظل مرتبطة بمواقف الأطراف المعنية مباشرة بالنزاع وبمدى استعدادها لقبول ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتطبيق
وعلى الصعيد الاقتصادي تمثل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين أحد أبرز عناصر التنافس الدولي في المرحلة الراهنة في ظل الخلافات المرتبطة بالرسوم الجمركية والتجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية. وفي المقابل تواصل روسيا البحث عن شراكات اقتصادية وسياسية تسمح لها بتخفيف آثار الضغوط الغربية وتعزيز علاقاتها مع القوى غير الغربية. ومن شأن أي لقاء ثلاثي محتمل أن يوفر إطاراً لمناقشة بعض هذه الملفات غير أن المصالح المتعارضة والاعتبارات المرتبطة بالأمن القومي لكل دولة قد تحد من فرص التوصل إلى تفاهمات شاملة
كما تطرح فكرة القمة تساؤلات أوسع بشأن مستقبل النظام الدولي ومدى قدرة القوى الكبرى على إدارة خلافاتها من خلال الحوار المباشر بدلاً من الاعتماد على أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي أو توسيع التحالفات العسكرية. ففي ظل تراجع الثقة بين عدد من العواصم الكبرى واستمرار النزاعات الإقليمية تصبح قنوات الاتصال الدبلوماسي عاملاً مهماً في الحد من سوء التقدير ومنع تحول الخلافات السياسية إلى مواجهات أوسع. ومع ذلك فإن نجاح هذه المساعي يظل مرهوناً بوجود إرادة سياسية مشتركة وبمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة تراعي مصالحها الأساسية ومواقف الدول الأخرى المتأثرة بنتائج أي تفاهم محتمل
وحتى التاسع عشر من أكتوبر 2026 لم يُعلن عن اتفاق نهائي بشأن عقد القمة الثلاثية أو تحديد موعدها وجدول أعمالها بصورة رسمية ولذلك يبقى التصريح الروسي مؤشراً على وجود إمكانية مطروحة للنقاش وليس إعلاناً عن انعقاد مؤكد. وستتوقف أهمية هذا المسار على تطور الاتصالات بين موسكو وواشنطن وبكين وعلى مدى قدرة هذه الاتصالات على الانتقال من تبادل التصريحات والمقترحات إلى خطوات دبلوماسية ملموسة يمكن أن تسهم في معالجة الملفات الدولية الخلافية



