من القانون الدولي إلى منطق الغاب: القانون الدولي يطبق على الضعفاء

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 06-01-2025
ما وقع فجر يوم 03 يناير 2026 وفي بداية سنة ادارية جديدة في فينزويلا ومع عصابة ترامب ليس حادثا عابرا ولا مجرد تصفية حسابات بين ترامب ومادوروا انما هو زلزال قوي جدا في البنية القانونية في العالم، وهو آخر ما تبقى ما تبقى من “رفات” القانون الدولي والشرعية الدولية والمجتمع الدولي المنتكس والضعيف والمتآمر.
لنتفاهم مبدئيا ان الحوادث الكبرى في السياسة الدولية ليست مجرد أفعال منفصلة وتصفية حسابات ضيقة، بل هي اليوم لحظات فارقة في النظام العالمي الذي اصبح يسوده فساد كبير والكل قد عرّى عن وجهه الخبيث، كذلك هو لحضات قد كشفت وعرت البنية العميقة للنظام العالمي “الغابي”.
وما حدث من اعتداء واختطاف الرئيس الفنزويلي المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته ونقله قسرًا إلى الولايات المتحدة ومحاكمته بالقانون الأمريكي ليس “حادثًا أمنيًا”، ولا “عملية قانونية استثنائية”، بل علامة فارقة على انتقالٍ متسارع من نظام دولي قائم ولو شكليًا على القواعد، إلى منطق القوة والعربدة العارية من أي منطق سوى منطق “الكوبوي” المجرم “البلطجي”، حيث تُصاغ الشرعية من قاعدة غير اخلاقية، بشراء الذمم والخونة ومن قوة السلاح وخاصة من قوة معارك الذكاء الاصطناعي العسكري المخيف لمستقبل الكرة الأرضية والبشرية جمعاء.
هذا الحدث لا يمكن فهمه إلا بوصفه تعبيرًا عن السياسات التي مثّلها دونالد ترامب وجوقته المتعجرفة التي ترى العالم كله مستباح بمنطق الغاب والبقاء للأقوى ورفع شعار “نحن الأقوياء” ولا دولة في العالم تفعل ما نفعله وغيرها من عبارات العجرفة والمافيا… ففي المنظور الترامبي وجوقته المريضة بجنون العظمة، لا ترى في القانون الدولي سوى أداة ظرفية تنفذ إلاّ على الضعفاء، ولا تعترف بالمؤسسات الجماعية إلا بقدر ما تخدم الهيمنة الأميركية. وهو، بهذا المعنى، ليس خروجًا عن المسار، بل ذروة لمسارٍ طويل من تآكل الشرعية الدولية تحت ضغط القوة والامبريالية التي لا تؤمن بالقانون ولا بالشرعية ولا بالتعديدة الدولية.
القانون الدولي في متاهة الامبريالية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رُوّج لفكرة أن النظام الدولي يقوم على قواعد:
- سيادة الدول،
- عدم استخدام القوة،
- وحل النزاعات عبر المؤسسات الجماعية.
غير أن هذه القواعد الثلاثة بقيت على الورق وفي الأدراج تستعمل في قضايا خاصة جدا يعني بصريح العبارة هذه القواعد طُبّقت انتقائيًا منذ اللحظة الأولى.
الولايات المتحدة، التي قادت صياغة ميثاق الأمم المتحدة، تعاملت معه دائمًا بوصفه وثيقة تُلزم الآخرين أكثر مما تُلزمها. وحين تتعارض القواعد مع “المصلحة القومية”، يُعاد تفسير القانون، أو يُهمَل، أو يُستبدَل بمنطق “الضرورة الأمنية” وكلها قواعد وحلحول أمريكية تخدم الامبراطورية الهجينة المافيوزية.
والعملية التي قام بها النظام الترامبي واختطاف رئيس دولة ذات سيادة دون تفويض أممي، ودون مسار قضائي دولي، وفي بلد غير بلده، لا يمثل فقط خرقًا للميثاق الأممي، بل هو بالأساس إعلانًا عمليًا بأن القانون الدولي لم يعد مرجعية ملزمة، بل خيارًا سياسيًا يستعمل بحسب الحاجة للامبراطورية الأمريكية وأذرعها.
من القانون إلى فرض سياسة الأمر والواقع
السؤال المركزي ليس: هل مادورو مذنب أم لا؟
بل: من يملك حق الاتهام، ومن يملك حق التنفيذ؟
حين تتولى دولة واحدة أدوار الخصم، والقاضي، والجلاد، فإننا لا نكون أمام “عدالة”، بل أمام إلغاء جذري لفكرة القانون.
العدالة – بحكم تعريفها – تفترض جهة محايدة، إجراءات معلنة، وضمانات متساوية. أما ما جرى، فهو أقرب إلى منطق الاستعمار الجديد المقنّع بخطاب قانوني… وحين قال ترامب “نحن من سيحكم فينزويلا… ونحن من سنبيع نفط فيزويلا… فكل قوانين العالم تسقط وتنتهي ولا يبقى الا قانون الغاب. ويجب اليوم الغاء كلمة “العدالة الدولية” من قاموس النظام العالمي الجديد.
ومن هذه المنطلقات يمكن تصوير المشهد العالمي كالتالي: ترامب يرقص بين “مكافحة المخدرات” الى “مكافحة الارهاب” الى “انقاذ الشعوب من الدكتاتورية” وكل دولة تلبس التهمة التي خططت لها عصابة ترامب. وبالتالي تتقاطع حادثة مادورو مع سابقة نورييغا، وسابقة العراق صدام حسين ومع عشرات العمليات الأميركية التي جرى تبريرها بشعارات “مكافحة الإرهاب” أو “الحرب على المخدرات”، وهي شعارات تحوّلت إلى مفاتيح مفتوحة لانتهاك سيادة الدول وتجاوز أو الغاء القانون الدولي.
الفرق كبير جدا بين الخضوع والاستسلام وبين الواقع الذي يفرض منع الفوضى الدولية. فبإسقاط القانون الدولي والشرعية الدولية فأي رئيس دولة في العالم عرضة للاعتقال إذا اختلف سياسيًا مع قوة عظمى، وهي رسالة قد مررها ترامب في مؤتمره الصحفي مع جوقته المجرمة بكل فجاجة وقبح.
محكمة العدل الدولية أكدت أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة كاملة أثناء توليهم مناصبهم، لكن حال الواقع يقول غير ذلك، فلقد تجاوز ترامب هذا المبدأ، وبالتالي هذا لا يعني فقط ملاحقة شخص، بل فتح الباب أمام نظام دولي قائم على الابتزاز الدائم.
وهنا يصبح تعليق فلاديمير بوتين – بشأن أن ما يحمي زعيم كوريا الشمالية ليس القانون الدولي ولا الشرعية الدولية ولا حتى قانون بلاده، بل السلاح النووي كاشفًا لا ساخرًا.
الرسالة الضمنية هي: في عالم ما بعد القانون، لا تحميك الشرعية… بل الردع.
ازدواجية المعايير كسياسة رسمية للهالم الامبريالي
المفارقة ليست في أن ترامب يختطف رئيس دولة بتهم “جنائية”، بل في أنه – في الوقت نفسه – يفرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية لأنهم تجرؤوا على ملاحقة مجرمي حرب من حلفائه مثل “نتنياهو”.
هذه الازدواجية المفضوحة والفجة ليست تناقضًا، بل جوهر السياسة الامبريالية المتوحشة التي تعتمد على قطار الموت قطار تكساس لنهاية التاريخ والجغرافية والبقاء للوحوش عديمي الأخلاق: القانون يُستخدم ضد الخصوم، ويُعاقَب حين يقترب من الحلفاء.
من يتواطأ مع الإبادة في غزة، ويمدّها بالسلاح والغطاء السياسي، لن يتردد في اختطاف رئيس دولة في أميركا اللاتينية، فالشعار واحد والمبدأ واحد: القوة فوق المساءلة. والضعفاء للمساءلة… والبقية تحت طائلة المسائلة اذا لم يعطوا الخراج لادارة ترامب.
مادوروا والخروج عن بيت الطاعة
مادوروا خارج عن بيت طاعة فالرجل لم يُخفِ يومًا موقعه في معسكر سياسي يعتبر القضية الفلسطينية معيارًا أخلاقيًا للصراع العالمي، ولا يرى في “المقاومة” – من غزة إلى أميركا اللاتينية – جريمة، بل ردًّا تاريخيًا على الاستعمار والاحتلال، ودعمه العلني لغزة، ودعمه لقضايا الحق والانسانية ورفضه توصيف المقاومة بالإرهاب، واتهامه الصريح لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب، وضعه مباشرة في مرمى “الصهيوامريكية المتوحشة”، حيث لا يُسمح لأي دولة خارجة عن المدار الغربي بأن تُعرّي الخطاب الأخلاقي الزائف لواشنطن وتل أبيب. وكذلك الرجل لا يخفي انه ضمن المعسكر الشرقي ويتضامن مع ايران وروسيا والصين الأعداء اللذوذين للصهيونية الأمريكية.
في هذا السياق، لا يُقرأ ما جرى كملاحقة قانونية، بل كرسالة ردع: من يقف مع فلسطين اليوم، ومن يرفض إعادة إنتاج الهيمنة، فمصيره قابل للاستنساخ. تصريح ترامب بأن “ما حصل مع مادورو يمكن أن يحصل مع غيره إن لم يغيّروا سياساتهم” ليس تهديدًا عابرًا، بل إعلان عقيدة سياسية جديدة: الطاعة مقابل البقاء.
وإلى جانب البعد السياسي، يظل النفط حاضرًا بوصفه الدافع البنيوي الأعمق؛ ففنزويلا لا تُعاقَب لأنها تنتهك حقوق الإنسان وليست دولة ديمقراطية امبريالية وضمن المعسكر الغربي الساقط اخلاقيا، بل لأنها كذلك تملك احتياطيًا نفطيًا هائلًا وترفض تسليمه بشروط الهيمنة الامبريالية والشركات النفط النافذة والتي اوصلت ترامب للحكم.
سياسة البلطجة وقطاع الطرق:
من هذه الزاوية، فإن ما قامت به “إدارة ترامب” لا يختلف جوهريًا عن أفعال قطاع الطرق والبلطجة، أو القرصنة البحرية الحديثة:
الاستيلاء بالقوة، تحت غطاء قانوني مُفبرك، وبمنطق أقرب إلى المافيا العابرة للحدود منه إلى دولة تدّعي قيادة “العالم الحر”.
هنا تسقط كل الأقنعة: لسنا أمام إنفاذ قانون، بل أمام جريمة سياسية مكتملة الأركان، يُعاد فيها تعريف النهب بوصفه سياسة، والبلطجة بوصفها نظامًا دوليًا.
هذا الاستخدام المفرغ من مضمونه الأخلاقي يهدد بتحويل كل خطاب حقوقي إلى ذريعة سياسية، ويقوّض ما تبقى من ثقة دول الجنوب بأي منظومة دولية تدّعي الحياد.
لماذا العملية أخطر من اختطاف رئيس شرعي “مادورو”؟
مادورو ليس سوى حالة اختبار من بلطجي العالم للقانون الدولي.
إذا أصبح اختطاف رئيس دولة مقبولًا وتتناقله فقط وسائل التواصل الاجتماعي ووكالات الاخبار وتدينه نظريا بعض الدول فقذ، وإذا صار اختطاف القادة والرؤساء ممارسة “قانونية”، وإذا عجزت الأمم المتحدة عن الرد، فنحن لا نشهد انتهاكًا للقانون الدولي، بل انهياره الوظيفي. وانهيارا محتوما للمنظمات الدولية والمجتمع الدولي والنظام الدولي الحالي.
ليس أخطر ما في اللحظة الراهنة أن القوانين تُنتهك، بل أن الانتهاك يُعاد تعريفه كحق، وأن القوة تُقدَّم بوصفها مصدرًا للشرعية.
حين تُختزل العدالة في القرار الأحادي، وتُختصر الشرعية في التفوق العسكري، ويُستبدل القانون بالإكراه، فإننا لا نعيش أزمة قانون دولي، بل انتقالًا تاريخيًا إلى نظام عالمي جديد:
نظام لا تحكمه القواعد، بل موازين القوة.
ومن هذا المنظور، فإن اختطاف مادورو وزوجته والاعلان عن الاستعمار لدولة مستقلة وتقديم لائحة تهم مزورة هو ليس نهاية مسار، بل إنذارًا متقدما جدا وصل الى اللون الأحمر:
عالم جديد ما بعد القانون…
والسؤال المطروح اليوم من تبقّى محميًا بالقانون الدولي والشرعية؟
هل كتب ترامب آخر سطر في النظام العالمي الجديد؟
هل أغلق ترامب الكتاب القديم وبدأ يكتب في الورقة الأولى من صفحات الكتاب الجديد للنظام العالمي الجديد؟
وكيف ستكون معالم النظام العالمي الجديد وما نوع الحبر الذي سيكتب به؟
اعتقد انه الحبر الأحمر حبر مستخلص من دماء الأبرياء والشعوب والانسانية



