ملتقى الحوار الهندي–التونسي حول الأمن ومكافحة الإرهاب: استراتجيات الانخراط المجتمعي ومقاربات نزع التطرف

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 19-02-2026


نظّم المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الامنية والعسكرية بتونس بشراكة مع سفارة جمهورية الهند “ملتقى الحوار الهندي التونسي حول الأمن ومكافحة الارهاب” يوم أمس الثلاثاء 17 فبراير 2026 بنزل القلدن توليب المشتل بتونس، بحضور مجموعة من سفراء الدول والمنظمات الدولية والوطنية، وثلة من الأساتذة والدكاترة والمفكرين والطلبة ومجموعة من الضباط المتقاعدين الذين أعطوا شهادات حيّة، وكما حضرت وكالات الاخبار والصحافة والاعلام التونسي والأجنبي.
وقد طرح في هذا الملتقى المحاضرين من تونس ومن الهند العديد من الاشكاليات المهمة التي تثير اهتمام الباحثين والدول باعتبار ان التطرف والارهاب والجريمة العابرة للحدود هي ظواهر تهدد الأمن والسلم الوطني والاقليمي والدولي كما تمّ الحديث عن عملية تدوير الإرهاب من جديد وتنامي ظاهرة الارهاب بأشكالها المختلفة.
كما أكدت سعادة سفيرة الهند على أهمية التعاون بين تونس والهند وتبادل الخبرات في مجال مكافحة الارهاب والعنف والجريمة المنظمة.
واكدت الدكتورة بدرة قعلول على أهمية طرح الموضوع ومعالجته بشكل جديد وايجاد الحلول من “خارج الصندوق”. كما أشارت الى ان التجربة الهندية هي تجربة ثرية جدا لمكافحة الارهاب ولهذا يجب الأخذ بهذه التجربة والاستئناس بها.
وفي المحور الأول كان الدكتور صهيب بن المرزيقي قد طرح العديد من المفاهيم المتعلقة استراتجيات الانخراط المجتمعي ومقاربات نزع التطرف، باعتبار أن الارهاب ظاهرة معقدة ومركبة ولا يمكن اختزالها في محور واحد.
كما أبرز الدكتور صهيب أن من أبرز عوامل الارهاب هو الفقر، الذي لا يُعدّ سبباً مباشراً بقدر ما يشكّل أرضية هشّة يشعر فيها الفرد بالحرمان وانسداد الأفق وفقدان الكرامة.
كما ختم الدكتو بن مرزيقي محاضرته بالتأكيد على أن الإرهاب ليس قدراً محتوماً، بل ظاهرة يمكن الحد منها عبر بناء إنسان واعٍ، ومجتمع عادل، ودولة قوية بمؤسساتها وقوانينها.
عندما تتكامل التنمية مع التعليم، ويتجدد الفكر الديني في إطار علمي رصين، وتُعالج المظالم السياسية بطرق سلمية، تضيق المساحة التي يتحرك فيها الفكر المتطرف.
وخلص الدكتور صهيب الى أنّ المواجهة الحقيقية ليست فقط بالسلاح، بل بالفكرة البديلة التي تمنح الإنسان أملاً ومعنى وانتماءً إيجابياً يحصّنه من الانجرار إلى مسارات العنف.
المحاضرة الكاملة للدكتور صهيب بن مرويقي: استراتجيات الانخراط المجتمعي ومقاربات نزع التطرف

يعد الإرهاب ظاهرةمركّبة ومعقّدة، لا يمكن اختزالها في سبب واحد أو تفسير أحادي، بل هي نتاج تفاعل عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية ودينية وتكنولوجية تتراكم عبر الزمن حتى تُنتج بيئة قابلة لاحتضان العنف أو تبريره.
من أبرز هذه العوامل الفقر، الذي لا يُعدّ سبباً مباشراً بقدر ما يشكّل أرضية هشّة يشعر فيها الفرد بالحرمان وانسداد الأفق وفقدان الكرامة. عندما يعجز الإنسان عن تلبية حاجاته الأساسية، أو يرى تفاوتاً صارخاً بينه وبين فئات أخرى، يتولد شعور بالظلم والإقصاء، وقد يجد في الخطاب المتطرف تفسيراً بسيطاً لمعاناته وعدواً محدداً يُحمّله مسؤولية وضعه. الفقر هنا لا يصنع الإرهابي، لكنه قد يسهّل استقطابه حين يقترن بغياب العدالة الاجتماعية وغياب فرص العمل وضعف الخدمات العامة.
يرتبط بذلك عامل التهميش، سواء كان تهميشاً جغرافياً في أطراف المدن والمناطق الريفية المنسية، أو تهميشاً سياسياً يحرم فئات واسعة من المشاركة في صناعة القرار، أو تهميشاً ثقافياً يشعر معه الفرد بأن هويته محتقرة أو غير معترف بها. التهميش يولّد الإحباط، والإحباط إذا طال أمده قد يتحول إلى غضب، والغضب قد يُستثمر من قبل جماعات تتقن توجيهه نحو العنف باسم قضية كبرى. حين تغيب قنوات التعبير السلمي وتتآكل الثقة بالمؤسسات، يصبح الخطاب المتشدد أكثر جاذبية لأنه يعدُ بالتغيير السريع والحاسم ولو عبر القوة.
كما أن ضعف المستوى الدراسي وانتشار الأمية أو التعليم السطحي يساهمان في خلق بيئة خصبة لتقبّل الأفكار المغلقة. التعليم لا يقتصر على اكتساب المعلومات، بل يشمل تنمية التفكير النقدي والقدرة على تحليل الخطاب وتمييز المغالطات. حين يفتقر الفرد إلى أدوات الفهم والتحليل، يصبح أكثر عرضة للوقوع تحت تأثير الشعارات البسيطة والتفسيرات التآمرية والقراءات الانتقائية للنصوص الدينية أو التاريخية. بعض الجماعات المتطرفة تعتمد على اجتزاء النصوص وتقديمها بمعزل عن سياقها، وتستفيد من ضعف الثقافة الدينية المتوازنة ومن غياب خطاب علمي رصين يشرح المفاهيم ويوضح الفروق بين الثابت والمتغير، وبين المقدس والبشري.
في العصر الحديث، برز الاستغلال الرقمي كأحد أخطر أدوات نشر الفكر الإرهابي. منصات التواصل الاجتماعي وفّرت فضاءً واسعاً لنشر الدعاية المتطرفة، وبناء شبكات عابرة للحدود، واستقطاب الشباب عبر خطاب عاطفي وصور مؤثرة ومقاطع مصممة باحترافية. الفضاء الرقمي يسمح بالتواصل السريع والسرّي أحياناً، ويخلق ما يشبه الفقاعة الفكرية التي يُعاد فيها إنتاج الخطاب نفسه دون احتكاك بآراء مختلفة. كما تستغل الجماعات المتطرفة خوارزميات المنصات التي تعزز المحتوى المثير للانفعال، فتُضخّم الرسائل المتشددة.
“الشاب الذي يقضي ساعات طويلة على الإنترنت دون توجيه أو رقابة أو وعي نقدي قد يجد نفسه منخرطاً تدريجياً في مجتمعات افتراضية تعيد تشكيل وعيه وتقدّم له هوية بديلة قائمة على الصراع والثنائية الحادة بين “نحن” و“هم”.
أما الحديث عن تراكمية التراث العربي الإسلامي في تكوين الفكر الإرهابي فيحتاج إلى مقاربة دقيقة ومتوازنة. التراث الإسلامي واسع ومتعدد التيارات والمدارس، وقد أنتج عبر القرون اجتهادات فقهية وفكرية متنوعة تعكس سياقاتها التاريخية والسياسية. بعض الجماعات المتطرفة تستدعي نصوصاً أو فتاوى من عصور سابقة وتُسقطها على واقع مختلف تماماً، متجاهلة تغير الظروف واختلاف المفاهيم الحديثة للدولة والمواطنة والعلاقات الدولية. المشكلة لا تكمن في التراث ذاته، بل في القراءة الانتقائية الجامدة التي تتعامل معه ككتلة واحدة صالحة للتطبيق الحرفي في كل زمان ومكان. غياب التجديد الفقهي وضعف مؤسسات الاجتهاد المعاصرة يفسح المجال أمام أفراد أو جماعات غير مؤهلة لتقديم تأويلات متشددة تُضفي قداسة على خيارات سياسية أو عنفية.
تلعب الفتاوى دوراً محورياً حين تُوظَّف خارج سياقها العلمي. الفتوى في أصلها اجتهاد بشري مرتبط بزمان ومكان وظروف محددة، لكنها قد تتحول إلى أداة تعبئة إذا قُدّمت كحكم نهائي لا يقبل النقاش. بعض التنظيمات المتطرفة تبني شرعيتها على فتاوى تُكفّر الخصوم أو تُجيز العنف ضد فئات معينة، مستندة إلى تأويلات خاصة. هذا التوظيف الديني يتقاطع أحياناً مع التوظيف السياسي، إذ قد تستخدم أنظمة أو قوى سياسية الخطاب الديني لتعزيز نفوذها أو لمواجهة خصومها، ما يخلط بين المقدس والمصلحي ويشوّه الوعي العام. كما أن السياقات الدولية والإمبريالية، بما تحمله من صراعات وتدخلات عسكرية ودعم لأنظمة معينة، أسهمت في تغذية سرديات المظلومية التي تتبناها بعض الجماعات المتطرفة، فتقدم نفسها كمدافع عن الأمة في مواجهة هيمنة خارجية. التدخلات الأجنبية والحروب وعدم الاستقرار الإقليمي خلقت فراغات أمنية ومؤسساتية استغلتها تنظيمات عنيفة لبناء نفوذها وتجنيد عناصرها.
إن معالجة الإرهاب تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حماية الأرواح والمؤسسات. الحلول تبدأ بمعالجة جذور الفقر عبر سياسات تنموية عادلة تخلق فرص عمل وتضمن توزيعاً أفضل للثروة، وتعزز الخدمات الأساسية في المناطق المهمشة. التنمية ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي استثمار في الإنسان وكرامته. كما أن تعزيز المشاركة السياسية وفتح المجال أمام الشباب للتعبير والمبادرة يقللان من جاذبية الخيارات العنيفة، لأن الفرد الذي يشعر بأنه مسموع ومؤثر أقل ميلاً إلى تبني العنف.
على المستوى التربوي
“ينبغي إصلاح المناهج بما يعزز التفكير النقدي وثقافة الحوار وقبول الاختلاف، مع الاهتمام بالتربية الدينية الوسطية التي تبرز مقاصد الشريعة وقيم الرحمة والعدل والتعايش. دعم مؤسسات علمية رصينة قادرة على تجديد الخطاب الديني وتفكيك القراءات المتشددة يُعدّ خطوة أساسية، إلى جانب تدريب الأئمة والخطباء على معالجة قضايا العصر بلغة عقلانية متوازنة. في الفضاء الرقمي، من الضروري تطوير استراتيجيات مضادة للدعاية المتطرفة، تشمل إنتاج محتوى إيجابي جذاب، وتوعية الشباب بمخاطر الاستقطاب الإلكتروني، وتعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا للحد من انتشار المحتوى العنيف دون المساس بحرية التعبير.
على المستوى الدولي، يتطلب الحد من الإرهاب مراجعة السياسات التي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، واحترام سيادة الدول، ودعم الحلول السياسية للنزاعات بدلاً من تغذيتها. العدالة في العلاقات الدولية، والابتعاد عن المعايير المزدوجة، يسهمان في تقويض الخطابات التي تستند إلى فكرة الاضطهاد العالمي. كما أن دعم برامج إعادة التأهيل ودمج العائدين من مناطق النزاع في المجتمع، وفق ضوابط قانونية واضحة، يمكن أن يمنع إعادة إنتاج دوائر العنف.
في النهاية، الإرهاب ليس قدراً محتوماً، بل ظاهرة يمكن الحد منها عبر بناء إنسان واعٍ، ومجتمع عادل، ودولة قوية بمؤسساتها وقوانينها. عندما تتكامل التنمية مع التعليم، ويتجدد الفكر الديني في إطار علمي رصين، وتُعالج المظالم السياسية بطرق سلمية، تضيق المساحة التي يتحرك فيها الفكر المتطرف. المواجهة الحقيقية ليست فقط بالسلاح، بل بالفكرة البديلة التي تمنح الإنسان أملاً ومعنى وانتماءً إيجابياً يحصّنه من الانجرار إلى مسارات العنف.



