أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

مضيق هرمز: بين السيادة الايرانية وإعادة تعريف حرية الملاحة

يمثّل مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، ليس فقط لأنه شريان رئيسي لتجارة الطاقة، بل لأنه أيضاً نقطة التقاء دائمة بين القانون الدولي والتوازنات الجيوسياسية والأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، تقدّم الجمهورية الإسلامية الإيرانية رؤية متكاملة لإدارة هذا المضيق، تقوم على الجمع بين الاعتبارات السيادية والضرورات الأمنية، وتستند إلى قراءة خاصة للقانون الدولي للبحار وظروف الإقليم المتغيرة.

وفق هذه الرؤية، لا يمكن فصل وضع مضيق هرمز عن البيئة الأمنية المحيطة به. فطهران ترى أن التصعيد العسكري المستمر في المنطقة، ولا سيما التهديدات الصادرة عن الولايات المتحدة و”إسرائيل”، قد أدت إلى تقويض الاستقرار الذي يفترض أن يقوم عليه نظام المرور البحري الحر. ومن هذا المنطلق، تعتبر أن أي تهديد مباشر أو غير مباشر لأمن الملاحة لا يمكن التعامل معه كحالة طبيعية، بل كعامل يفرض إعادة تنظيم إدارة هذا الممر الحيوي.

تستند إيران في مقاربتها إلى فكرة أساسية مفادها أن الدولة الساحلية تمتلك حقوقاً تنظيمية وأمنية في الممرات المائية الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي أو المتصلة بسواحلها. وبناءً عليه، ترى أن إدارة حركة السفن عبر مضيق هرمز لا ينبغي أن تُفهم كمنع للمرور، بل كتنظيم له بما يضمن السلامة والأمن في ظروف تعتبرها غير مستقرة. هذا التنظيم يشمل، وفق التصور الإيراني، تحديد مسارات ملاحية، وإجراءات تنسيق، وضوابط خاصة ببعض أنواع السفن، خصوصاً تلك ذات الطبيعة العسكرية أو التي تنقل مواد خطرة.

كما تربط إيران موقفها القانوني بعدم انضمامها إلى بعض الاتفاقيات الدولية الأساسية المنظمة لقانون البحار، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ومن وجهة نظرها، فإن نظام “المرور العابر” (Transit Passage) لا يكتسب صفة القاعدة الملزمة عليها، خصوصاً أنه – وفق هذا الطرح – لم يصل إلى درجة العرف الدولي المستقر من حيث القبول العام والممارسة الموحدة. وتؤكد طهران أنها منذ البداية اعترضت على هذا النظام ولم تتبنّه في تشريعاتها الداخلية، بما يجعل موقفها ثابتاً ومبكراً في رفضه.

ضمن هذا الإطار، تقدم إيران نفسها كـ”معترض دائم” على هذا المفهوم القانوني، أي أنها لم تقبل به منذ نشأته، وبالتالي لا تعتبر نفسها ملزمة به. وتستند في ذلك إلى مجموعة من القوانين الوطنية المتعلقة بالمياه الإقليمية والمناطق البحرية، التي تمنح السلطات الإيرانية صلاحيات رقابية وتنظيمية على المرور البحري، بما في ذلك طلب التصاريح المسبقة لبعض أنواع السفن.

في المقابل، تحاول إيران أيضاً تعزيز حجتها من خلال الإشارة إلى التناقضات في المواقف الدولية، خصوصاً لدى الولايات المتحدة، التي ليست بدورها طرفاً في اتفاقية قانون البحار، لكنها في الوقت نفسه تدافع عن حرية المرور وفق تفسيرها الخاص للقواعد الدولية. ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن المطالبة بتطبيق قواعد لم تُصادق عليها بعض القوى الكبرى، مع رفضها الالتزام بالإطار نفسه، يخلق تناقضاً قانونياً في النظام الدولي.

وتضيف طهران إلى ذلك بعداً آخر يرتبط بمبدأ “اتساق السلوك الدولي”، حيث تعتبر أن الدول التي اعتمدت إجراءات تنظيمية أو أمنية في مضائق استراتيجية أخرى لا يمكنها الاعتراض بشكل مطلق على إجراءات مماثلة في مضيق هرمز. وبذلك، تحاول إيران وضع سياستها ضمن سياق أوسع من الممارسات الدولية، وليس كحالة استثنائية منفصلة.

على المستوى العملي، تؤكد إيران أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم تتوقف، بل تستمر بشكل منتظم، لكنها تتم ضمن إطار تنظيمي محدد. هذا الإطار، بحسب روايتها، يهدف إلى ضمان سلامة السفن، وتجنب الحوادث البحرية، وحماية البيئة البحرية، إضافة إلى تعزيز القدرة على الاستجابة لأي تهديدات محتملة. كما تشير إلى وجود آليات للتنسيق البحري، وتحديد ممرات ملاحية واضحة، بما يضمن استمرار التدفق التجاري دون تعطيل.

وتذهب الرؤية الإيرانية أبعد من ذلك لتشمل البعد الاقتصادي، حيث تعتبر أن تقديم خدمات مرتبطة بأمن الملاحة – مثل الإرشاد البحري أو الحماية أو التنظيم البيئي – يتيح للدولة الساحلية الحق في فرض رسوم متناسبة. وتصف هذه الرسوم بأنها مقابل خدمات وليست شكلاً من أشكال تقييد المرور، وتشير إلى وجود نماذج مشابهة في ممرات بحرية دولية أخرى.

لكن العنصر الأكثر حساسية في هذه الرؤية يبقى مرتبطاً بفكرة “الظرف الأمني المتغير”. فإيران تعتبر أن مضيق هرمز لا يمكن التعامل معه وفق قواعد زمن السلم فقط، بل يجب أخذ الواقع الأمني الراهن بعين الاعتبار. وهذا التحول، يبرر توسيع هامش الإجراءات التنظيمية للدولة الساحلية، بما يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية.

في المحصلة، يمكن فهم الرؤية الإيرانية لمضيق هرمز بوصفها محاولة لدمج السيادة الوطنية مع إدارة أمنية مشددة لممر بحري بالغ الحساسية. فهي لا تنفي أهمية حرية الملاحة، لكنها تعيد تعريف شروطها وحدودها وفق منظور يعتبر أن الاستقرار الأمني شرط أساسي لأي نظام قانوني فعال في المضائق الدولية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق