أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

مضيق هرمز بلا حماية: البحرية الأميركية تعترف بالعجز

يتحوّل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إلى ساحة اختبار حقيقية لميزان القوى في الخليج، مع تزايد الحوادث البحرية واعتراف الولايات المتحدة بشكل غير مباشر بعجزها عن تأمين حركة الملاحة بعد بسط حرس الثورة سيطرته عليه. ففي ظل الحرب الدائرة على إيران، تتكشف معطيات جديدة تشير إلى تراجع القدرة الأميركية على فرض الحماية للسفن التجارية، ما يضع قطاع الشحن العالمي أمام واقع أمني غير مسبوق.

أحدث المؤشرات على هذا التحول جاء مع إعلان هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) تلقيها بلاغًا عن حادث استهداف سفينة حاويات على بعد نحو 25 ميلًا بحريًا شمال غرب رأس الخيمة في الإمارات. وبحسب التقرير، أفاد ربان السفينة أنها تعرضت لأضرار نتيجة مقذوف “مجهول المصدر”، فيما بقي حجم الأضرار قيد التقييم، مع التأكيد على سلامة الطاقم.

غير أن التطور الأبرز جاء من داخل قطاع الشحن نفسه. فقد نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر في القطاع أن البحرية الأميركية رفضت طلبات شبه يومية من شركات الشحن لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز منذ بدء الحرب على إيران، مبرّرة ذلك بارتفاع خطر الهجمات. ووفق المصادر نفسها، أبلغت البحرية الأميركية ممثلي قطاعي الشحن والنفط خلال اجتماعات مباشرة أنها غير قادرة على توفير الحماية للسفن المارة في المضيق. بعد ادعاء ترامب أمام وسائل الإعلام أن سفن الشحن سيرافقها طائرات حربية لضمان سلامتها.

هذا الاعتراف يحمل دلالات استراتيجية عميقة، إذ لطالما قدمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها الضامن الأساسي لأمن الملاحة في الخليج. لكن التطورات الأخيرة توحي بأن القدرة الأميركية على أداء هذا الدور لم تعد كما كانت، خصوصًا في ظل اتساع رقعة المواجهة مع إيران وارتفاع كلفة أي احتكاك مباشر في منطقة شديدة الحساسية.

وفي موازاة هذه التطورات، أعلنت العلاقات العامة لحرس الثورة الإسلامية في إيران أن قواته البحرية استهدفت سفينتين بعد تجاهلهما التحذيرات الإيرانية. وبحسب البيان، تعرضت السفينة Expres Room، المملوكة للكيان الإسرائيلي والتي ترفع علم ليبيريا، لإطلاق مقذوفات إيرانية بعد رفضها الامتثال للتحذيرات، ما أدى إلى توقفها في موقعها. كما أشار البيان إلى تعرض سفينة الحاويات Mayuree Naree لإطلاق نار بعد إصرارها على العبور بشكل غير قانوني عبر المضيق.

وأكد حرس الثورة في بيانه أن مضيق هرمز يخضع بالكامل لإدارة ومراقبة قواته البحرية، مشددًا على أن الولايات المتحدة وحلفاءها “لا يحق لهم العبور”، في رسالة سياسية واضحة حول ميزان السيطرة في هذا الممر البحري الحيوي.

اللافت أن هذا الواقع الجديد يتناقض مع الخطاب السياسي الأميركي. فبحسب مجلة “الإيكونوميست”، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب مالكي السفن إلى “إظهار بعض الشجاعة” ومواصلة الإبحار عبر مضيق هرمز، إلا أن المجلة لفتت إلى مفارقة واضحة: في الوقت الذي يطالب فيه ترامب شركات الشحن بالمخاطرة، تبدو السفن الحربية الأميركية نفسها متحفظة إزاء التواجد في الممر ذاته.

ويحمل هذا التباين بين الخطاب السياسي والواقع العسكري دلالة مهمة. إذ إن المخاطر التي تواجه السفن التجارية ليست مجرد تهديدات نظرية، بل مخاطر حقيقية تدركها المؤسسات العسكرية الأميركية نفسها، ما يدفعها إلى تجنب الانخراط المباشر في عمليات مرافقة قد تجرها إلى مواجهة بحرية أوسع مع إيران.

اقتصاديًا، يفتح هذا الوضع الباب أمام تداعيات عالمية عديدة. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي خلل في أمنه ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ومع غياب الضمانات الأمنية التقليدية، قد تضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو رفع تكاليف التأمين، وهو ما سيؤثر في حركة التجارة العالمية.

لكن الأهم من ذلك هو البعد الاستراتيجي. فالمشهد الحالي يشير إلى تحول تدريجي في معادلة السيطرة على المضيق، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض أمن الملاحة كما في العقود الماضية، فيما تسعى إيران إلى تكريس واقع جديد قائم على التحكم المباشر بالممر البحري وفرض قواعد اشتباك خاصة بها.

وفي ظل استمرار العدوان على إيران، يبدو أن مضيق هرمز يدخل مرحلة مختلفة، مرحلة تتراجع فيها الضمانات الأمنية التقليدية، ويصبح المرور فيه قرارًا محفوفًا بالمخاطر. وبين دعوات واشنطن إلى “الشجاعة” وإقرارها بالعجز عن الحماية، يجد قطاع الشحن نفسه أمام حقيقة واضحة: أهم ممر نفطي في العالم أصبح بلا مظلة أمنية أميركية حقيقية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق