مجتمع مدني ايجابي وطني… وطن سليم… مواطن يحترم الواجب ويحصل على حقوقه مكان هذا

إعداد: صبرين العجرودي
04/08/2025
تتعدّد المتغيرات والعناصر التي يمكن من خلالها تحقيق الاختلافات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولعلّ أبرز هذه المتغيرات التي يجدر تسليط الضوء عليها والعمل على تعزيزها ودعمها من مختلف الجوانب هو المجتمع المدني. فهو أداة للدفع نحو التغيير الإيجابي إذا ما اضطلعت بأدوارها وقامت بأنشطتها ضمن الإطار القانوني الذي تكفله لها الدولة. فمن خلال المجتمع المدني يتمكّن المواطنون من ضمان حقوقهم والقيام بواجباتهم، ناهيك عن المساهمة في بناء وعيهم وتغيير تفكيرهم بما يستجيب لمتطلبات مجتمعهم. ومن أهم التغيرات التي يمكن أن يكرّسها المجتمع المدني هو تحقيق ديمقراطية حقيقية للمجتمعات، وخاصة تمكين المواطن من القيام بواجباته لينال حقوقه.
نسعى من خلال هذا التقرير إلى تسليط الضوء على مفهوم المجتمع المدني ومختلف الأدوار التي يمكن أن يلعبها داخل المجتمع، خصوصًا في علاقة بقدرته على دعم عمل ومسؤوليات السياسي ودفعه نحو تحقيق احتياجات المجتمع والمواطنين، ليكون قوة اقتراح وقوة حلول.
الثقل الاجتماعي للمجتمع المدني
يعرّف السياسي الفرنسي “ألان ريتشاردز” (Alain Richards) المجتمع المدني بأنه: “عبارة عن شبكة وخلية من التنظيمات والممارسات والضوابط التي تنشأ بالإرادة الطوعية الحرة لأعضائها، خدمة للمصلحة أو قضية، أو تعبيرًا عن قيم ومشاعر يعتز بها هؤلاء الأفراد، مع استقلال نسبي عن سلطة الدولة وعن المؤسسات الإرثية، وملتزمة في أنشطتها بالتسامح واحترام الآخرين”.
وبناءً على هذا التعريف، نستنتج أنّ أهم خصائص ومميزات المجتمع المدني تتمثّل في الاستقلالية والإرادة الحرة لأعضائه في العمل ضمنه خدمة لقضية ما، يمكن أن تكون متعلقة بفكرة أو قضية محددة.
وكما ذكرنا سابقًا، فإن المجتمع المدني، كمجموعة من الأنظمة المتماسكة والمكوّنة من مجموعة من الأفراد الممارسين لجملة من الأدوار، يخضع لتنظيم وسلطة القانون مقابل حريتهم الكاملة في اختيار المنفعة التي يريدون تقديمها، والدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية التي يسعون لتحقيقها.
في هذا الإطار، أشار السياسي الفرنسي “دومنيك كولاس” (Dominique Colas) إلى أنّ المنطق الذي يشتغل به المجتمع المدني لا يختلف عن الحياة الاجتماعية من حيث التنظيم والوحدة والتفاعل والأفكار المشتركة، إلاّ أنّه يركز على اهتمامات محدودة ودقيقة تؤسس ديناميكية اقتصادية وثقافية وسياسية.
وبالتالي نستخلص أنّ المجتمع المدني يجمع بين الهيئات والتنظيمات التي تعمل بصورة تطوعية ومستقلة إلى حد كبير عن إدارة الدولة وإشرافها، حيث يعمل الأفراد ضمنها بمحض إرادتهم وفقًا للمصلحة أو الحق الذي يدافعون عنه، ويسعون لتحقيقه أو الحفاظ عليه في علاقة بالفئات الهشة والضعيفة أو القضايا الدقيقة، لأنه قائم على مجموعة من المعايير وقيم الاحترام والتراضي والتسامح والإنسانية، وإدارة الاختلاف والتناقض بين عناصر المجتمع بما يضمن التعايش السليم وتحقيق النهوض الاجتماعي.
المجتمع المدني أداة فعّالة في تحقيق النهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي
يكتسب المجتمع المدني دورًا بالغ الأهمية في تكريس الديمقراطية داخل المجتمعات، فهو يُعد وسيطًا بين المجتمع والدولة من خلال تبليغ صوت المواطن ومعرفة احتياجاته عن قرب، وكشف النّقائص التي تعاني منها الجهات المختلفة.
وبذلك، يدعم المجتمع المدني التنمية المحلية والجهوية من خلال أدواره المتنوّعة التي تستهدف المجالات السياسية والاجتماعية وغيرها. فعمله الأساسي وطني، لا يخضع لأجندات أو أطراف خارجية، ولا لمعارضة سياسية. العمل الحقيقي للمجتمع المدني هو الاستقلالية والوطنية بمفهومها الشامل، وليس الضيق.
ويعدّ النشاط المكثّف للمجتمع المدني داخل الدولة في مختلف المجالات دليلاً قاطعًا على التعددية في صنع القرار، أي ديمقراطية النظام السياسي، وتعبيرًا عن مدى مرونته في إشراك مختلف الفاعلين وعدم صلابته. ويندرج ذلك ضمن إطار الديمقراطية التشاركية، بحيث يُعد المجتمع المدني عنصرًا رئيسيًا وفاعلاً كبيرًا ضمن هذا النموذج الديمقراطي، الذي يُسمح فيه للشعب باختيار مصيره وتدبير شؤونه محليًا، وصولًا إلى السلطات العليا التي تمتلك المصادقة والتنفيذ.
وبالتالي يتم إلغاء المركزية والاحتكار في صنع القرار السياسي، واعتماد اللامركزية الديمقراطية، دون إلغاء الجانب التمثيلي، حيث يتمكّن الشعب من الحكم انطلاقًا من ممثليه المنتخبين على نطاق ضيّق (معتمديات، جهات) وصولًا إلى السلطات المركزية، وللشعب القدرة على محاسبتهم وسحب الوكالة منهم ما لم يكونوا على قدر المسؤولية الموكلة إليهم. وهذا ما لا توفره الديمقراطية التمثيلية، التي تمنح الشعب فقط الآلية الانتخابية لانتخاب ممثليهم في فترة محددة دون السماح لهم بمراقبتهم أو المشاركة في صنع القرار.
ويجدر القول أنّ معظم التجارب الديمقراطية تظل رهينة الوعي الجماهيري والتنمية الاجتماعية السياسية، وكل نماذجها لها إيجابيات وسلبيات، لكن لا يمكن التنكر لمزايا النموذج الاشتراكي، خاصّة من جانب تشريك المواطن في الحكم، ولا يمكن التشكيك بتاتا في أنّ أي مشروع إصلاحي ستدخل فيه البلاد في المراحل القادمة لن يُواجه بالمرصاد.
يحيلنا كل ذلك إلى ضرورة استناد الأنظمة السياسية المختلفة إلى المجتمع المدني واعتباره وسيطًا بينها وبين المواطنين، من خلال التعبير عن احتياجاتهم وآرائهم حولها. فلا يمكن نجاح أي منظومة سياسية دون دعم المجتمع المدني نظرًا لقربه من المواطن. وفي نفس السياق، قد يكون المجتمع المدني أداة لها نتائج عكسية إذا لم تكن مستقلة بالقدر المطلوب، باشتغالها لصالح طرف سياسي أو أطراف خارجية.


