كيف ستتصرف الدول الأوروبية في الحرب بين واشنطن وإيران؟

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 03-03-2026
مع بدء العدوان الاسرائيلي الأميركي على إيران، تتسع الأسئلة لتشمل مواقف الدول مما يجري، وتبعات هذه الحرب، خاصة الدول الأوروبية التي تعيش اليوم أزمة من نوع آخر مع الولايات المتحدة.
ويمكن القول أن حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025 اختباراً لقدرة الدول الأوروبية على التأثير في أحد أكثر ملفات الأمن الدولي تعقيداً. المواجهة التي دارت عمليا بين ثلاثة أطراف رئيسة – إسرائيل وإيران والولايات المتحدة – كشفت حدود الحضور الأوروبي، وأعادت طرح سؤال قديم حول موقع القارة في معادلات القوة في الشرق الأوسط.
التهميش الأوروبي لم يبدأ مع هذه الحرب. منذ عام 2008، ومع انتقال مركز الثقل في الملف الإيراني إلى واشنطن، تراجع الدور الذي اضطلعت به الترويكا الأوروبية منذ 2003 في إطلاق المسار التفاوضي مع طهران. خلال حرب الأيام الاثني عشر، حاولت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا استعادة موقع عبر تحرك دبلوماسي في جنيف، مستفيدة من رفض طهران التفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة تحت القصف.
النتيجة اقتصرت على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. شددت العواصم الأوروبية على ضرورة التوصل إلى تسوية تحول دون امتلاك إيران سلاحاً نووياً، في حين ربطت طهران أي تفاوض بوقف العمليات العسكرية ضدها. بعد أيام، جاءت العدوان الأميركي على منشآت نووية ليقوّض المسار الذي بدأ في جنيف، وتؤكد أن زمام المبادرة ليس في يد الأوروبيين.
الموقف الفرنسي عكس هذا التناقض. رحبت باريس بوقف إطلاق النار، وأكدت أن الحل الدبلوماسي هو السبيل الوحيد لمعالجة التحديات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. بادر الرئيس إيمانويل ماكرون إلى اتصال هاتفي مطول مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 1 يوليو، في محاولة لإحياء صيغة متعددة الأطراف تستند إلى مسؤولية الدول الضامنة لمعاهدة عدم الانتشار. هذه الخطوة عكست إدراكاً فرنسياً بأن إقصاء أوروبا عن المعادلة يضعف قدرتها على حماية مصالحها الأمنية.
في الكواليس، أبلغ دبلوماسيون فرنسيون طهران بإمكان وقوع هجوم إسرائيلي، ثم بعدم استبعاد تدخل أميركي، في مسعى لاستخدام احتمالات التصعيد لتحسين الموقع التفاوضي الأوروبي. غير أن واشنطن لم تُطلع باريس مسبقاً على عملية “مطرقة منتصف الليل”، خلافاً لما جرى مع بريطانيا التي كانت على علم مسبق، ومع ألمانيا التي أُبلغت بعد التنفيذ. هذا التباين في مستويات الإحاطة يعكس ترتيب الأولويات في العلاقة عبر الأطلسي.
لندن تبنت موقفاً متحفظاً حيث أكدت عدم مشاركتها في الضربات وعدم تلقيها طلباً لاستخدام قاعدة دييغو غارسيا، مع تأييد ضمني للعملية الأميركية. برز قلق في لندن من تداعيات إقليمية محتملة، خاصة احتمال استهداف القواعد الغربية بمسيّرات إيرانية، في ضوء تجربة حرب أوكرانيا واستخدام طائرات “شاهد-136”.
أما ألمانيا، فبدت بين التزامها بالمقاربة الأوروبية المشتركة وانحياز سياسي واضح لأمن إسرائيل. المستشار فريدريش ميرتس اعتبر أن إسرائيل تقوم بـ”الأعمال القذرة نيابة عن أوروبا”. هذا التموضع يرتبط بثقل التاريخ الألماني وحساسية العلاقة مع إسرائيل، ما ينعكس على طريقة مقاربة أزمات الشرق الأوسط.
على مستوى الاتحاد الأوروبي، كشفت الحرب عن انقسامات داخلية. خلال اجتماع لمناقشة التطورات، دعمت ما بين عشر وخمس عشرة إسرائيل، فيما انتقدت دول أخرى مبادرة رئيسة المفوضية أورسولا فون ديرلاين الاتصال ببنيامين نتنياهو والتأكيد على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. كما برز تباين بين المفوضية والممثلة العليا للشؤون الخارجية كايا كالاس. هذه الانقسامات تقلص قدرة الاتحاد على صياغة موقف موحد وفاعل.
يعكس الموقف الأوروبي خلال حرب الأيام الاثني عشر سعياً إلى احتواء الأزمة ومنع تحوّلها إلى صراع إقليمي واسع. غير أن مسار الأحداث والذي انقلب اليوم إلى مواجهة عسكرية مباشرة واسعة بين الجانبين أصابت شرارتها مختلف القواعد الأميركية في الدول العربية المجاورة لايران، أكد أن القرار الاستراتيجي بقي في يد واشنطن وتل أبيب. أمام هذا الواقع، تجد الدول الأوروبية نفسها بين خيارين إما الاكتفاء بدور المواكب للسياسة الأميركية، أو محاولة إعادة بناء مقاربة متعددة الأطراف تعيد لها وزناً تفاوضياً. وهو وان سعت إليه الدول الاوروبية لاعادة وزنها الذي بدأ يفقد قيمته على صعيد المشهد السياسي الاقليمي والدولي، فعليها أولاً أن تتماسك لاتخاذ قرارات وان كانت مخالفة لرغبة واشنطن، لأنها أيضاً، باتت عرضة للهجمات الأميركية مختلفة الأشكال.



