أخبار العالمأمريكابحوث ودراسات

عقيدة ترامب “دونرو” الانتهازية لا تحمي أمريكا بل تخلق المزيد من الأعداء

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن والت، قال فيه إنك لو شعرت بالحيرة إزاء المبررات الاستراتيجية لسياسات إدارة ترامب تجاه فنزويلا بما في ذلك تبرير اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو مؤخرا، فلن يلومك أحد، لأن كل الذرائع التي طرحت حتى الآن مثيرة للسخرية.

وأضاف الكاتب قائلا: “بداية، لا يتعلق الأمر بحماية الولايات المتحدة من (الإرهاب المرتبط بالمخدرات)، فلم تكن فنزويلا مصدرا رئيسيا للمخدرات غير المشروعة المتجهة إلى الولايات المتحدة (وبالتأكيد ليس الفنتانيل)، بل إن قرار الرئيس ترامب الأخير بمنح عفو كامل للرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز الذي سبق أن أدانته هيئة محلفين أمريكية بتهمة تهريب المخدرات، يظهر مدى اهتمامه بهذه المشكلة.

أكذوبة كارتل المخدرات وأسلحة الدمار الشامل العراقية

علاوة على ذلك، اعترفت وزارة العدل الأمريكية الآن بأن “كارتل لوس سوليس” – كارتل المخدرات الذي زعم أنه خطير والذي ظلت إدارة ترامب تحذر منه العام الماضي، لم يكن موجودا في الواقع.

بعبارة أخرى، كان مجرد دعاية وهمية من الإدارة، لا تزيد واقعية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية التي حذرنا منها مرارا وتكرارا ولم نعثر عليها قط.

كما أن القبض على مادورو لم يكن يهدف إلى تعزيز أمن الولايات المتحدة. ففنزويلا دولة ضعيفة للغاية، كما يتضح من سهولة القبض على مادورو وهي وليست حليفا استراتيجيا وثيقا لأي من منافسي الولايات المتحدة الأقوياء.

فلم تكن الصين تبني قاعدة عسكرية هناك، ولم تكن إيران تزودها بصواريخ لمهاجمة الولايات المتحدة. كما لم يكن لديها أسطول بحري كبير يعيق طرق التجارة الأمريكية. وبالمحصلة لم يكن أحد يشعر بالقلق بشأن التهديد الخطير الذي تواجهه الولايات المتحدة من كاراكاس، ولا أحد منا ينعم بنوم هانئ الآن بعد سجن مادورو في بروكلين.

وبالضرورة، لم يكن اختطاف مادورو يتعلق بتعزيز الديمقراطية، إذ استبعد ترامب بالفعل محاولة تنصيب زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو في السلطة، ويعتزم بدلا من ذلك التعامل مع نائبة مادورو، التي تقود نظاما لا يزال استبداديا بلا شك.

استخراج نفط فنزويلا الخام الثقيل صعب ومكلف التكرير

وإذا لم يكن السبب هو مكافحة المخدرات الخطيرة، أو الحاجة إلى مواجهة تهديد أمني خطير، أو الرغبة في استعادة الديمقراطية، فلا بد أن يكون النفط، أليس كذلك؟.

ويصر ترامب على أن هذا هو السبب الحقيقي، وأن الشركات الأمريكية ستتدفق إلى هناك وتستحوذ على النفط وتجعل أمريكا أعظم. وهو مخطئ مرة أخرى. يمكن لترامب أن يعتقد ما يشاء (وهو ما يفعله غالبا)، لكن لا توجد ثروة نفطية طائلة تنتظر الولايات المتحدة في أي وقت قريب.

وفي يوم الثلاثاء، تفاخر ترامب بأن فنزويلا وافقت على تسليم ما يصل إلى 50 مليون برميلا من النفط للولايات المتحدة، وهو رقم يبدو مثيرا للإعجاب للوهلة الأولى، إلى أن ندرك أنه في أحسن الأحوال، لا يتجاوز هذا الرقم إنتاج الولايات المتحدة من النفط خلال أربعة أيام.

وقال ترامب إنه سيتحكم في عائدات البيع ويستخدمها لدعم اقتصاد فنزويلا – هذا إن صدقنا كلامه، لكن عليك أن تنتبه إلى نزعات ترامب الاستغلالية. وحتى لو توفرت عائدات هذا النفط في نهاية المطاف، فإنها بالكاد تغطي جزءا بسيطا مما تحتاجه فنزويلا لإعادة بناء اقتصادها.

ويضيف “والت” قائلا، إن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة في العالم، هذا صحيح، لكن استخراج نفطها الخام الثقيل صعب ومكلف التكرير. وبصراحة، يعد هذا النفط آخر ما قد يرغب أي منتج عاقل في تطويره، لا سيما في ظل الحالة المزرية للبنية التحتية المتهالكة في فنزويلا وانخفاض أسعار النفط الخام هذه الأيام.

وإذا ما وصل جزء كبير من هذا النفط إلى الأسواق العالمية، بمعجزة ما، فسيؤدي ذلك إلى انخفاض سعره أكثر، وسيخرج عددا من شركات التنقيب الأمريكية الصغيرة عن النفط الصخري من السوق، ولا ننسى أنه بغض النظر عما يعتقده ترامب وشركات النفط الكبرى، فإن العالم يتجه تدريجيا نحو مصادر طاقة أخرى بدلا من الاعتماد على الهيدروكربونات، مما يقلل من قيمة احتياطيات فنزويلا الهائلة.

وفي الواقع، ونظرا لحقيقة تغير المناخ، فإن أفضل ما يُمكن فعله هو ترك أكبر قدر ممكن من هذا النفط في باطن الأرض. لذا، بينما تركز الصين تركيزا شديدا على الهيمنة على الصناعات الخضراء المستقبلية، واكتساب النفوذ نتيجة لذلك، يصر ترامب وعباقرة الاستراتيجية المحيطون به على سياسات طاقة تُهدد كوكب الأرض، وهي سياسات عفا عليها الزمن.

ترامب يميل إلى وضع اسمه على كل شيء

لذا، فإن الحيرة بشأن الأساس الاستراتيجي لهذه العملية أمر مفهوم، و”الهدف الاستراتيجي” الوحيد الذي أراه هنا هو الفكرة العامة المتمثلة في إعادة ترسيخ الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي.

ولأن ترامب يميل إلى ترسيخ نفوذه بوضع اسمه على كل شيء، يتم تسويق هذه الفكرة الآن تحت مسمى “مبدأ مونرو”، وقد تم التلميح إليها بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأخيرة. قد تبدو هذه فكرة معقولة قد يؤيدها خبراء السياسة الخارجية الواقعيون، لكنها لا تصمد أمام التدقيق”.

فقد كان الهدف الأصلي لمبدأ مونرو هو ضمان عدم اضطرار الولايات المتحدة للقلق من تدخل القوى العظمى المنافسة عسكريا في نصف الكرة الغربي. استغرق الأمر قرابة قرن من الزمان لتحقيق رؤية الرئيس جيمس مونرو.

ولكن في نهاية المطاف تمكنت الولايات المتحدة من إقصاء جميع القوى العظمى الأخرى من نصف الكرة الغربي والتمتع بمزايا ما أسماه المؤرخ سي. فان وودوارد “الأمن الحر”، لكن هذا ليس ما يتحدث عنه ترامب ورفاقه، إذ لا توجد قوة عظمى لها دور عسكري بارز في نصف الكرة الغربي حاليا، ولا تسعى إلى ترسيخه.

بل على العكس، وكما أوضحت استراتيجية الأمن القومي، تسعى إدارة ترامب إلى إجبار أكبر عدد ممكن من جيرانها على الانصياع لأوامرها في أي قضية قد تطرأ. هذا ما يقولونه الآن لخلفاء مادورو: “أعطونا ما نريد، وإلا سنواصل حصاركم، وربما نلجأ إلى ما هو أسوأ. وهم يأملون أن تصل الرسالة إلى بقية دول المنطقة، وأن تنصاع لها طواعية”.

وعلى وجه الخصوص، تصر الإدارة الآن على حقها في التحكم بالسياسات الاقتصادية لجيرانها، وتعارض تلك التي قد تعود بالنفع الاقتصادي على هذه الدول، وعلى دول مثل الصين. كما أوضحت استراتيجية الأمن القومي، “نريد نصف كرة أرضية خال من التدخل الأجنبي العدائي أو امتلاك الأصول الرئيسية”.

مضيفة أنه يجب ألا “تمتلك أو تسيطر جهات خارجية على أصول حيوية استراتيجية”، وأن تصعب الولايات المتحدة “على المنافسين من خارج نصف الكرة الأرضية زيادة نفوذهم في المنطقة”.

إدارة ترامب الانتهازية.. تعتمد على “التهديد

ولأن ترامب ورفاقه يدركون أن بعض دول أمريكا اللاتينية “انجذبت إلى التعامل التجاري” مع دول أخرى بسبب “انخفاض التكاليف وقلة العقبات التنظيمية”، فإنهم يزعمون أنهم “سيدفعون الدول إلى رفض هذه المساعدات”. ولأن إدارة ترامب إدارة انتهازية تعارض عموما المساعدات الخارجية وتسعى إلى الاستحواذ على الحصة الأكبر من فوائد جميع علاقاتها الثنائية، فإنها مضطرة للاعتماد على التهديدات لتحقيق مآربها لا على العطاء.

ويعتقد “والت” أن المشكلة تكمن في أنه إذا أصرت الولايات المتحدة على التدخل في اقتصاديات جيرانها بهذه الطريقة، فإنها ستصبح مسؤولة عن الأوضاع الاقتصادية هناك. إذا ما منعت الولايات المتحدة دول أمريكا اللاتينية من شراء المنتجات الصينية الأرخص سعرا من نظيرتها الأمريكية (والتي تتفوق عليها جودة في بعض الحالات، كالسيارات الكهربائية مثلا)، فلن يرضى المستهلكون هناك.

وإذا ما طلبت من هذه الحكومات نفسها رفض الاستثمارات الصينية أو الأجنبية الأخرى التي من شأنها تحسين البنية التحتية أو خلق فرص أخرى، فسيتعين على واشنطن توفيرها، وإلا ستلام على إبقاء دول أمريكا اللاتينية في فقر.

أضف إلى ذلك ميل إدارة إدارة البيت الأبيض إلى إلقاء اللوم في مشاكل أمريكا على المهاجرين واللاجئين من المنطقة، والتزامها الراسخ بترحيل أكبر عدد ممكن منهم، لتحصل على وصفة لا توصل إلى الهيمنة المستقرة، بل لتنامي العداء لأمريكا وعدم الاستقرار الإقليمي.

ويتضح جليا التناقض مع السياسات الأمريكية الأكثر نجاحا. بعد الحرب العالمية الثانية، أقامت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، شراكات ناجحة للغاية في أوروبا وآسيا (بما في ذلك مع خصومها السابقين ألمانيا واليابان)، ويعود ذلك جزئيا إلى إدراك هذه الدول وجود تهديد مشترك من الاتحاد السوفييتي.

ترامب يجهل معنى كلمة “حسن النية

ولكن أيضا لأن الولايات المتحدة تصرفت بحسن نية لمساعدة شركائها الجدد على التعافي بأسرع ما يمكن من آثار الحرب العالمية الثانية. مع ذلك، يبدو أن ترامب يجهل معنى كلمة “حسن النية”، فنهجه في الحياة هو “ما لي لي، وما لك قابل للتفاوض”.

ويختتم الكاتب، قائلا، إن “محاولة إدارة نصف الكرة الغربي بالقوة لن تجدي نفعا في المستقبل أكثر مما وجدته في الماضي”، ويعتقد ستيفن ميلر، مستشار ترامب، أن أحد “قوانين التاريخ الثابتة” هو أن العالم محكوم بالقوة أما “القانون الثابت” الذي أغفله فهو أن القادة الذين يعتقدون أن القوة هي كل شيء، يرتكبون حتما الكثير من الحماقات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق