أخبار العالم

صندوق النقد الدولي يدقّ ناقوس الخطر: احتمالات الركود ترتفع الى 37 في المئة ودخول الاقتصاد العالمي في “عدم اليقين”

شهدت توقعات صندوق النقد الدولي لنمو الاقتصاد العالمي انخفاضا حادا للسنة الجارية والعام المقبل، في ظل تزايد المخاوف المتزايدة من ركود عالمي، في تطور يعكس حجم الضرر المحتمل الذي قد تخلفه حرب التعريفات التجارية ورفع الحواجز بين الدول.

في تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر عن الصندوق في 22 أبريل، توقع الصندوق أن ينخفض النمو العالمي إلى 2.8 في المئة هذا العام، بعدما كان قد توقع في يناير نموا بنسبة 3.3 في المئة لعامي 2025 و2026.

أما بالنسبة إلى السنة المقبلة، فقدر الصندوق النمو بثلاثة في المئة، وفق “توقع مرجعي” استند إلى المعطيات المتوافرة حتى الرابع من أبريل، أي بعد يومين فقط من فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجموعة جديدة من الرسوم الجمركية، وليس وفق التوقع الأساس كما جرت العادة.

وكان ترمب قد بدأ منذ أواخر يناير بإعلان سلسلة من الرسوم الجمركية، ركز فيها على كندا والصين والمكسيك، مستهدفا قطاعات حيوية. ثم اتخذت الحرب التجارية منحى تصعيديا عندما فرض تعريفات جمركية على واردات من معظم دول العالم، تراوحت بين 10 في المئة وأكثر من 50 في المئة، في أعلى مستويات تُسجَّل منذ قرن من الزمن، قبل أن يجمد القرار مؤقتا لمدة ثلاثة أشهر.

لكن هذه المهلة لم تشمل الصين، التي استمرت في تبادل التعريفات والإجراءات التجارية الانتقامية مع الولايات المتحدة، إذ فرض الطرفان رسوما ثلاثية الأرقام، أحدهما على الآخر.

وقال بيار أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير الأبحاث في صندوق النقد: “النظام الاقتصادي العالمي الذي اعتمدته معظم الدول على مدى السنوات الثمانين الماضية يعاد تشكيله، مما يُدخِل العالم في عصر جديد”، مضيفا أن “القواعد الحالية تتعرض إلى التحدي، فيما لا تزال القواعد الجديدة في طور التبلور”.

واقع غير مستدام وغامض

وكانت توقعات صندوق النقد للاقتصاد الأميركي من بين الأسوأ على صعيد الاقتصادات المتقدمة، إذ يتوقع أن يسجل النمو 1.8 في المئة هذا العام و1.7 في المئة عام 2026، بانخفاض 0.9 في المئة و0.4 في المئة عن توقعات يناير على التوالي.

 أما الصين، فستسجل نموا متوقعا بنسبة أربعة في المئة للعامين الحالي والمقبل، بانخفاض قدره 0.6 في المئة و0.5 في المئة عن التقديرات السابقة.

ويجمع المراقبون على أن استمرار الحرب التجارية ليس في مصلحة أي من البلدين، اللذين يشكلان الاقتصادين الأكبرين في العالم، فالصين تعتمد في شكل كبير على السوق الأميركية لتصريف صادراتها، بينما تعتمد الولايات المتحدة على المنتجات والواردات الصينية في مختلف القطاعات.

ووفق تقارير صحافية، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي يُنظَر إليه بوصفه أحد الأصوات العقلانية في الإدارة، إن الرسوم الجمركية المتبادلة “غير مستدامة” ويجب العمل على تهدئة الوضع في المستقبل غير البعيد جدا. لكن مع الطبيعة غير المتوقعة لترمب، التي كانت واضحة منذ توليه منصبه لولاية ثانية، تبقى مدة الحرب التجارية وتداعياتها الكاملة مجهولة.

تقديرات احتمالات الركود 37 في المئة

وأفاد صندوق النقد بأن احتمال حدوث ركود عالمي هذا العام بات يُقدّر بـ37 في المئة، وهي نسبة أعلى مما ورد في تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر في أكتوبر 2024.

 وحذر الصندوق من أن الضغوط التضخمية الناجمة عن تنفيذ التعريفات الأميركية بعد انتهاء المهلة، قد تدفع بعض الدول إلى إبقاء معدلات الفائدة مرتفعة، مما يزيد احتمال الركود، ولا سيما في الأسواق الناشئة.

وأضاف التقرير: “قد تؤدي الظروف المالية العالمية المتدهورة والاضطرابات الأوسع في النظام إلى أزمات في ميزان المدفوعات لدى الدول الصغيرة التي تعاني من محدودية الوصول إلى الأسواق وتتسم باحتياجات تمويل عالية وقدرة تفاوض ضعيفة”.

وتابع: “تتفاقم هذه الأخطار لدى الدول المصدرة للسلع الأولية، في ظل استمرار انخفاض أسعارها، ولا سيما النفط والنحاس، اللذين يُعدَّان مؤشرين الى تباطؤ النشاط الصناعي لدى الدول المستوردة مثل الصين”.

الاقتصادات المتقدمة ترغب في خفض أسعار الفائدة

ولفت صندوق النقد إلى أن “الحكومات في الاقتصادات المتقدمة تتجه في شكل عام إلى تشديد السياسات المالية العامة عامي 2025 و2026، وربما في شكل أقل عام 2027″، لكنه أشار أيضا إلى أن هذه الدول ستسعى إلى تخفيف السياسة النقدية لتقليل أخطار الركود.

وأعلن رئيس المصرف المركزي الألماني يواكيم ناغل، في مقابلة أجرتها معه “بلومبرغ”، أن أوروبا تمر في “حال من الركود”، مرجحا أن تُخفَّض أسعار الفائدة في ألمانيا ومنطقة اليورو، حيث يتوقع أن يتباطأ النمو إلى 0.8 في المئة عام 2025 و1.2 في المئة عام 2026.

وأوضح ناغل أن ألمانيا، كأكبر اقتصاد أوروبي، قد تواجه ركودا هذا العام بسبب الرسوم الجمركية. وخفّض صندوق النقد توقعاته للنمو في ألمانيا إلى صفر في المئة عام 2025 و0.9 في المئة عام 2026، أي بانخفاض 0.3 في المئة و0.2 في المئة على التوالي.

تزيد سلاسل الإمداد العالمية المتشابكة أثر الرسوم الجمركية وحال عدم اليقين إلى الحد الأقصى. فمعظم المنتجات المتداولة هي مدخلات صناعية تتنقل عبر الحدود مرات عدة قبل أن تُصنَّع كمنتجات نهائية

في الوقت ذاته، يمارس ترمب ضغوطا على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، للمسارعة إلى تخفيف السياسة النقدية وتهدئة المخاوف من الركود، وهي مخاوف باتت أكبر بحسب تقارير من “جي بي مورغان” و”غولدمان ساكس”.

لكن باول ليس من المتوقع أن يرضخ، مع بقاء معدل التضخم فوق المستوى المستهدف البالغ اثنين في المئة، وفي ضوء مفاقمة الرسوم الجمركية احتمالات ارتفاع الأسعار. ويثير هذا الجمود تكهنات بأن ترمب قد يسعى إلى إقالة باول، وهو أمر قد تكون له تداعيات كارثية ويطرح تساؤلات حول استقلالية المؤسسات الأميركية.

انعكاسات إضافية متوقعة

وأشار صندوق النقد إلى أن “التحولات الكبرى في السياسات تعيد تشكيل النظام التجاري العالمي وتثير حالا من الغموض، مما يضع مجددا قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود قيد الاختبار”.

وتأتي الحرب التجارية على خلفية أزمتين عالميتين متتاليتين: جائحة “كوفيد-19” وغزو روسيا لأوكرانيا، مما يعني أن الاقتصاد العالمي لم يتعافَ بعد من تبعاتهما الطويلة الأجل، وقد يتعرض إلى انتكاسة جديدة بسبب الرسوم الجمركية.

وقال غورينشاس: “تزيد سلاسل الإمداد العالمية المتشابكة أثر الرسوم الجمركية وحال عدم اليقين إلى الحد الأقصى. فمعظم المنتجات المتداولة هي مدخلات صناعية تتنقل عبر الحدود مرات عدة قبل أن تُصنَّع كمنتجات نهائية”.

وأضاف: “يمكن أن تتحرك الاضطرابات صعودا وهبوطا عبر شبكة الإنتاج العالمية، مع آثار مضاعفة قد تكون كبيرة، كما رأينا خلال الجائحة. وستفضّل الشركات التريث وتقليص الاستثمار والإنفاق في ظل انعدام وضوح السوق. كذلك ستعيد المؤسسات المالية تقييم انكشاف المقترضين، مما يزيد حال عدم اليقين ويؤدي إلى تشديد الشروط المالية، وهي عوامل من شأنها أن تثقل كاهل النشاط الاقتصادي، كما يتضح من التراجع الحاد في أسعار النفط”.

وعرض صندوق النقد نظرة متشائمة لنمو اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للسنيتن الجارية والمقبلة، وتوقع نموها بنسبة 2.6 في المئة في 2025، و3.4 في المئة في 2026. وأفاد مرصد الصندوق للمنطقة أن توقعاته تؤثر فيها الصراعات، وتغير المناخ، وتقلبات أسعار النفط، والتطورات الجيوسياسية العالمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق