روسيا وأوكرانيا .. الحرب تدخل مرحلة “الإنهاك المتبادل” والمخاوف من توسّع الجبهات

قسم الأخبار الدولية 29/06/2026
تشهد الحرب الروسية – الأوكرانية، الّتي دخلت منعطفات حادة منذ شباط 2024، تحولاً استراتيجيا جوهرياً؛ حيث انتقل الصّراع من محاولات الحسم السَّريع إلى ما يمكن وصفه بـ”معادلة الإنهاك المتبادل”.
وبينما تعتمد روسيا على مخزونها الهائل من الموارد والقوّة النَّارية التَّقليديَّة، تراهن أوكرانيا على سلاح التَّكنولوجيا والضَّربات الدَّقيقة بعيدة المدى، في محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك ونقل التكلفة الاقتصاديَّة والنَّفسيَّة للحرب إلى العمق الرُّوسي.
ومنذ منتصف أيّار الماضي، تحوّلت الجبهات إلى ساحة لتصعيد غير مسبوق في استخدام المسيّرات والصَّواريخ، وهو ما يعكس صراع إرادات محتدم يهدف فيه كلّ طرفٍ إلى تحسين أوراقه التفاوضيَّة قبل أيّ تسويةٍ مستقبليَّةٍ محتملةٍ. واللافت في الاستراتيجية الأوكرانية الأخيرة هو قدرتها على اختراق “الخطوط الحمراء” الرّوسية عبر استهداف البنية التحتية للطَّاقة في شبه جزيرة القرم والمدن السَّاحليَّة الرُّوسيَّة على البحر الأسود، بل ووصل الأمر إلى العاصمة موسكو.
وهذه الهجمات لم تكن مجرّد مناوشات عسكريَّة، بل استهدفت شلّ المفاصل الحيويَّة للاقتصاد الرُّوسي، ممّا أدَّى إلى تداعيات ملموسة في قطاعات السّياحة وتأمين الطَّاقة، وهو ما يضع الكرملين تحت ضغطٍ داخلي متزايد، بالرَّغم من النَّفي القادم من موسكو أو التَّقليل من تأثير هذه النوعيَّة من الضَّربات.
وفي أروقة الاتّحاد الأوروبي، يسود اعتقاد بأنَّ الرَّئيس الرُّوسي فلاديمير بوتين يواجه مأزقاً استراتيجيَّاً؛ فقد راهن منذ بداية “عمليَّته الخاصّة” على انتصار حاسم وسريع، إلّا أنَّ صمود الجبهة الأوكرانيَّة وعمق الضَّربات الّتي بدأت تطال مراكز الثَّقل في موسكو وسانت بطرسبورغ، قلّبا الطَّاولة. ومع ذلك، يظلُّ استبعاد الهزيمة الرُّوسيَّة وارداً في الحسابات الغربيَّة، نظراً لأنَّ بوتين لم يستنفد بعد كافّة أوراقه. التَّخوّفات الحقيقيَّة اليوم تتجاوز ساحات القتال التَّقليديَّة، حيث يبرز كابوس “السّيناريو النَّووي التَّكتيكي” أو توسيع رقعة الصّراع ليشمل دولاً مجاورة كخيار أخير قد يلجأ إليه الكرملين للخروج من حالة الاستنزاف.
في هذا السّياق، يرىمركز جي إس إم للأبحاث والدّراسات، لوكالة فرات للأنباء (ANF): إنَّ الإنهاك المتبادل لو تحدَّثنا عنه فإنَّهُ لا يمسُّ روسيا وحدها أو أوكرانيا وحدها، بل يطال كلَّ القوى الّتي تقف خلف كييف خاصّةً على الصَّعيد الاقتصادي، وأبرز مثال على ذلك ألمانيا الّتي تشهد تراجُعاً اقتصاديَّاً في كافّة المجالات، كما أنَّ الدَّول الأوروبّيَّة الأخرى ليست في حالاً أفضل منها. واعتبر أنَّ الإنهاك يمسُّ حلف شمال الأطلسي (النَّاتو) بأكمله.
في المقابل فإن موسكو تدفع ثمن هذه الحرب وهي تعلم ذلك جيداً، إلّا أنَّهُ رغم كلّ ما يقال عن تراجع الاقتصاد الرُّوسي فإنّه تراجع طفيف للغاية لا يتجاوز خلال آخر 4 أشهر 0.3% فقط. مشيراً إلى أنّ الجانب الرّوسي يدرك منذ انهيار الاتّحاد السُّوفيتي أنَّ الغرب لن يترك الدَّولة في حالها، بل ستثير الصّراعات والحروب في محيطها والأمثلة كثيرة، بهدف الضَّغط عليها وابتزازها، وموسكو كانت تتوقّع أزمة أوكرانيا واستعدّت لذلك.
ولم يعد التصعيد محصوراً بين موسكو وكييف، بل امتدَّ ليشمل بيلاروسيا، الّتي اتَّهمها الرَّئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بدعم المجهود الحربي الرُّوسي من خلال تسهيل الهجمات وتزويد موسكو بالوقود اللازم لتعويض ضغوط العقوبات.
ويرى البعض أنَّ هذا التوتر يفتح الباب أمام احتمال “تدويل” الصّراع، مما قد يجرّ دول حلف النَّاتو إلى مواجهة مباشرة كانت تسعى لتجنبها طيلة الفترة الماضية. فتحذيرات زيلينسكي لبيلاروسيا تعكس محاولة أوكرانيَّة لقطع خطوط الإمداد الاستراتيجيَّة، لكنّها في الوقت ذاته ترفع مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليميَّة واسعة.
وهناك من يرى أنَّ لدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مصلحةً واضحةً في إشعال حرب جديدة أي جبهة بيلاروسيا، فهو غير راض بتاتاً عن إنهاء الحرب مع روسيا، لأنَّ ذلك يعني إجراء انتخابات، ووقتها لن يغفر له النَّاخبون القصف والفساد وخسارة دونباس وجزء من تافريا.


