أخبار العالمأمريكاأوروبابحوث ودراسات

حلف شمال الأطلسي في مأزق: ترامب يتلاعب بمستقبل الناتو

يشهد حلف شمال الأطلسي واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ تأسيسه، مع تصاعد الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي على الحلفاء الأوروبيين في سياق العدوان الأميركي الإسرائيلية على إيران، وخاصة في ما يتعلق بمضيق هرمز. يتخذ هذا الضغط طابعاً عملياً عبر التهديد بإعادة رسم الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا، وربط الالتزامات الأمنية بدرجة الانخراط في العمليات العسكرية الجارية.

تنطلق مقاربة الولايات المتحدة من اعتبار أن “حماية الملاحة في مضيق هرمز تمثّل مسؤولية جماعية”، في ضوء تأثير أي اضطراب فيه على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة. غير أن هذا التصور يصطدم بحسابات أوروبية مختلفة، حيث تتعامل عواصم رئيسية مع الحرب على إيران بوصفها مغامرة عالية الكلفة، سياسياً واقتصادياً، ولا تندرج ضمن أولويات أمنها المباشر. كما تحول هذا التباين إلى نقطة احتكاك، خاصة مع اتخاذ بعض الدول إجراءات حدّت من حرية الحركة العسكرية الأميركية، سواء عبر تقييد استخدام الأجواء أو فرض شروط على القواعد.

في هذا السياق، جاء اللقاء بين دونالد ترامب والأمين العام للحلف مارك روته ليكشف عمق الهوة بين الطرفين. اذ عكست التصريحات التي أعقبت الاجتماع مستوى عال من التوتر، مع اتهامات مباشرة للحلفاء بالتخلي عن الولايات المتحدة في لحظة تعتبرها واشنطن اختباراً للالتزام الاستراتيجي. كما ترافق هذا الخطاب مع إشارات واضحة إلى أن استمرار المظلة الأمنية الأميركية لم يعد مضموناً بالشكل التقليدي.

في حين يتجسد الضغط الأميركي في مسارين متوازيين. الأول سياسي، يقوم على رفع سقف المطالب، سواء لجهة المشاركة العسكرية أو زيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات متقدمة وقد تكون غير مسبوقة. والثاني عسكري، يتصل بخطط لإعادة تموضع القوات الأميركية داخل الدول الأوروبية، عبر تقليص الوجود في دول غربية متحفظة، وتعزيزه في دول شرق أوروبا التي أبدت استعداداً أكبر للتعاون. بالتالي يحمل هذا التحول دلالات تتجاوز البعد التكتيكي، إذ يعيد ترتيب أولويات الانتشار العسكري وفق معايير الولاء السياسي.

بدأت انعكاسات هذه السياسة تظهر داخل الدول الأوروبية. بدلاً من الدفع نحو اصطفاف كامل خلف واشنطن، أدت الضغوط إلى تسريع النقاشات حول الاستقلال الاستراتيجي. اذ أن الاجتماعات التي عُقدت في عدد من العواصم، إلى جانب المبادرات الدفاعية المشتركة، تشير إلى محاولة أوروبية لإعادة تعريف دورها الأمني بعيداً عن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة. يتغذى هذا التوجه أيضاً من المخاوف المرتبطة بتداعيات الحرب على إيران، خاصة في ظل هشاشة أسواق الطاقة وارتفاع كلفة أي تصعيد في مضيق هرمز.

في المقابل، ترى الإدارة الأميركية أن هذا التردد الأوروبي يعكس خللاً مزمناً في تقاسم الأعباء داخل الحلف، وتستخدم الحرب الحالية لإعادة فرض معادلة جديدة. من هذا المنظور، يتحول الناتو إلى منصة لتنفيذ سياسات تتجاوز نطاقه الجغرافي التقليدي، بما في ذلك الانخراط في صراعات خارج أوروبا. يطرح هذا التحول تساؤلات حول طبيعة الحلف نفسه، وما إذا كان يتجه نحو دور أكثر هجومية يتعارض مع الأسس التي قام عليها.

اللافت أن هذا الانقسام لا يقتصر على اختلاف في التقدير، بل يعكس تضارباً في تعريف المصالح. الولايات المتحدة تنظر إلى المواجهة مع إيران كجزء من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، في حين تميل أوروبا إلى احتواء التصعيد وتفادي الانخراط في حرب مفتوحة قد ترتد عليها اقتصادياً وأمنياً. يفسر هذا التباين حدود الدعم الأوروبي، رغم استمرار التعاون في مجالات لوجستية واستخباراتية.

تبقى مآلات هذا المسار مفتوحة على عدة احتمالات. استمرار الضغط الأميركي قد يؤدي إلى إعادة هيكلة داخل الحلف، مع تعزيز دور دول شرق أوروبا على حساب الدول الغربية التقليدية. في الوقت نفسه، قد يدفع ذلك إلى تعميق المسار الأوروبي نحو بناء قدرات دفاعية مستقلة، ما يضعف تدريجياً مركزية الناتو في المنظومة الأمنية الغربية. كما أن نقل القوات الأميركية شرقاً يحمل مخاطر إضافية تتصل بتصعيد التوتر مع روسيا، في لحظة دولية شديدة التعقيد.

يبدو أن الأزمة الحالية تعكس تحوّلاً في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي. اذ تكشف الضغوط المرتبطة بالحرب على إيران ومضيق هرمز عن محاولة أميركية لإعادة صياغة التحالفات وفق منطق المصلحة المباشرة، مقابل سعي أوروبي للحفاظ على هامش قرار مستقل. في حين أن القرار الذي ستتخذه هذه الدول، سيأخذ في المقام الأول حسابات الامداد العسكري الاميركي للحلف، إضافة للتمويل، في لحظة تعيش فيها تلك الدول حرب استنزاف ضد روسيا في أوكرانيا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق