تصاعد القتال في تيغراي والجيش الإثيوبي يتقدم وسط اتهامات لإريتريا بدعم الجماعات المسلحة

قسم الاخبار الدولية 2026/09/28
تشهد إثيوبيا منذ أيام تصعيدا عسكريا جديدا في شمال البلاد مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوات التابعة لجبهة تحرير شعب تيغراي في وقت امتدت فيه المعارك إلى إقليمي عفر وأمهرة وأثارت المخاوف من عودة البلاد إلى حرب أهلية واسعة بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب السابقة في تيغراي
وتشير التقارير الأخيرة إلى أن القوات الحكومية الإثيوبية تواصل عملياتها العسكرية في محيط تيغراي مع اقترابها من مدينة ألاماتا في جنوب الإقليم بينما تستمر المواجهات في مناطق أخرى مثل سما وسوقوتا وريّا ألاماتا وسط استخدام القوات الحكومية وحدات مشاة وآليات عسكرية وطائرات مسيرة بحسب مصادر متعارضة حول طبيعة العمليات ومسؤولية كل طرف عن بدء التصعيد
وفي المقابل تقول جبهة تحرير شعب تيغراي إن الحكومة الفيدرالية شنت هجوما واسع النطاق على مواقعها وإن قواتها تخوض ما تصفه بحرب دفاعية بينما تتهم السلطات الإثيوبية قيادة تيغراي ببدء الهجمات على مواقع القوات الحكومية في أمهرة وعفر وهو ما يجعل تحديد الطرف الذي بدأ الجولة الحالية من القتال موضع خلاف بين الجانبين
وامتد التصعيد إلى إقليم عفر المجاور حيث شهدت مناطق عدة معارك بين القوات الحكومية ومقاتلين من تيغراي وقوى مسلحة محلية وأفادت مصادر بأن مقاتلين معارضين تمكنوا من السيطرة على بلدة إريبتي في عفر فيما تحدثت تقارير أخرى عن تقدم نحو مناطق إضافية في الإقليم دون إمكانية التحقق المستقل من جميع هذه المعطيات
وتكتسب جبهة عفر أهمية استراتيجية بالنسبة إلى إثيوبيا بسبب موقعها الجغرافي وارتباطها بالممرات البرية المؤدية إلى جيبوتي والتي تمثل منفذا تجاريا رئيسيا للاقتصاد الإثيوبي ولذلك فإن استمرار القتال في المنطقة يمكن أن ينعكس على حركة النقل والتجارة وعلى أمن الطرق التي تربط الداخل الإثيوبي بالموانئ الإقليمية
وفي خضم هذا التصعيد اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا إريتريا بتمويل ودعم جماعات مسلحة بهدف إضعاف الدولة الإثيوبية كما اتهمت السلطات الإثيوبية أطرافا إقليمية أخرى بالتدخل في الصراع بينما نفت إريتريا هذه الاتهامات وأبدت مخاوف من أن تكون إثيوبيا بصدد التحضير لعمل عسكري ضدها بهدف الوصول إلى البحر الأحمر
وتزيد هذه الاتهامات من تعقيد الأزمة لأن العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تحمل إرثا عسكريا وسياسيا ثقيلا فقد خاض البلدان حربا حدودية بين عامي 1998 و2000 قبل أن تتحسن العلاقات بينهما في عهد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد ثم عادت التوترات إلى الواجهة في السنوات الأخيرة على خلفية ملفات الأمن والحدود والوصول إلى البحر الأحمر
ويأتي التصعيد الحالي بعد تشكيل تحالف جديد يضم سبع جماعات مسلحة إثيوبية من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو الأمهرا وقوى مسلحة من أوروميا وعفر وقد أعلن التحالف هدفه مواجهة حكومة أبي أحمد وإزاحتها من السلطة وهو تطور يزيد من اتساع رقعة الأزمة ويجعل المواجهة تتجاوز الإطار المحلي لإقليم تيغراي
وتحمل عودة القتال في تيغراي مخاطر كبيرة على السكان المدنيين في شمال إثيوبيا خصوصا أن المنطقة لم تتعاف بالكامل من آثار الحرب التي دارت بين عامي 2020 و2022 وانتهت باتفاق بريتوريا للسلام وقد خلفت الحرب السابقة خسائر بشرية هائلة وأزمة إنسانية واسعة فيما بقيت ملفات سياسية وأمنية وإقليمية أساسية دون تسوية نهائية وهو ما ساهم في إبقاء أسباب التوتر قائمة
كما أن اتساع رقعة القتال إلى عفر وأمهرة يفتح الباب أمام تحول المواجهة إلى أزمة متعددة الجبهات خصوصا في ظل وجود تحالفات مسلحة جديدة وتداخل المصالح بين مختلف القوى المحلية والإقليمية وهو ما يمكن أن يجعل السيطرة على الطرق والمطارات والمراكز الحضرية جزءا أساسيا من الصراع الحالي
وتشير التطورات الميدانية إلى أن الصراع لم يعد محصورا في حدود تيغراي إذ سيطرت قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي على مطارات رئيسية في الإقليم كما تعطلت الرحلات الجوية إلى عدد من المدن فيما استمرت المعارك على محاور تربط تيغراي بالمناطق المجاورة
ويزيد العامل الإريتري من الحساسية الجيوسياسية للتصعيد إذ إن أي مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا لن تبقى محصورة داخل الحدود الوطنية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للبلدين في القرن الأفريقي وإلى ارتباط المنطقة بأمن البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية
وبذلك تبدو إثيوبيا أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في شمال البلاد حيث تتقاطع المواجهات بين الجيش الفيدرالي والقوى التي تقودها جبهة تحرير شعب تيغراي مع صراع أوسع على السلطة والموارد والممرات الاستراتيجية والعلاقات مع دول الجوار
ويثير هذا التصعيد مخاوف من انهيار الترتيبات التي أوقفَت الحرب السابقة في تيغراي ومن تحول المواجهات الحالية إلى نزاع أوسع يصعب احتواؤه خصوصا مع استمرار الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم الخارجي وظهور تحالفات مسلحة جديدة في مناطق مختلفة من إثيوبيا
وفي ظل هذه التطورات تصبح حماية المدنيين والحفاظ على الممرات الإنسانية ومنع اتساع القتال إلى مناطق جديدة من أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة الإثيوبية والأطراف الإقليمية والدولية المعنية بأمن القرن الأفريقي كما يبقى مستقبل اتفاق السلام السابق وقدرة الأطراف على العودة إلى التفاوض عاملا أساسيا في تحديد مسار الأزمة خلال المرحلة المقبلة



