أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسط

ترامب بين نارين: الداخل الأمريكي والشرق الاوسط

تخوض الولايات المتحدة حرباً مفتوحة ضد إيران في لحظة سياسية داخلية معقدة تجتمع فيها جملة من التحديات السياسية والاقتصادية. حيث يخوض الرئيس الأميركي معركة حقيقية تتشكل داخل الولايات المتحدة نفسها، يتصاعد فيها الانقسام السياسي والشعبي حول الحرب، في ظل غياب ظاهرة “الالتفاف حول القيادة” التي غالباً ما تمنح الرؤساء دعماً سياسياً مؤقتاً عند اندلاع الحروب.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن الإدارة لم تنجح حتى الآن في بناء إجماع داخلي حول أهداف الحرب أو ضرورتها. فقد أظهر استطلاع أجرته شبكة CNN أن نحو 59% من الأميركيين يعارضون القرار العسكري مقابل 41% يؤيدونه. كما أظهرت نتائج أخرى أن 48% يعارضون الضربات مقابل 37% يؤيدونها، بينما بقيت نسبة من المستطلعين دون موقف واضح. وفي استطلاع مشترك بين Reuters وIpsos، أعرب 43% من الأميركيين عن رفضهم للعملية العسكرية.

بالتالي، وعلى عكس العمليات العسكرية السابقة في التاريخ الاميركي، لم تحظ هذه الحرب بالتفويض الشعبي الواسع. وفي الوقت نفسه، لا توجد حالة تعبئة وطنية شاملة يمكن أن تمنح الإدارة مساحة سياسية مريحة لمواصلة العمليات.

في الواقع، يظل الانقسام الحزبي العامل الأكثر وضوحاً في المشهد. فاستطلاعات مؤسسة YouGov تظهر أن 76% من الجمهوريين يؤيدون الضربات العسكرية، في حين تعارضها غالبية الديمقراطيين والمستقلين. هذا الاستقطاب يعكس التحول الذي شهدته السياسة الأميركية خلال العقد الأخير، حيث أصبحت قضايا الأمن القومي امتداداً مباشراً للصراع الحزبي الداخلي.

غير أن التحدي الأبرز الذي يواجه ترامب لا يأتي من المعارضة الديمقراطية بقدر ما ينبع من داخل معسكره السياسي نفسه. فالحرب على إيران تضع شعار “أمريكا أولاً”، الذي شكّل جوهر الخطاب السياسي لترامب منذ صعوده، أمام اختبار صعب، اذ أن هذا الشعار قام أساساً على رفض الحروب الخارجية الطويلة والتدخلات العسكرية المكلفة التي ميّزت السياسة الأميركية بعد هجمات 11 سبتمبر.

في هذا السياق، بدأت شخصيات مؤثرة في البيئة الإعلامية المحافظة بطرح تساؤلات حول جدوى الحرب. الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون وصف الصراع بأنه “حرب إسرائيل وليس حرب الولايات المتحدة”، وهو طرح يعكس تياراً داخل القاعدة المحافظة يرى أن واشنطن تخوض معركة لا ترتبط مباشرة بالمصلحة الأميركية. الإعلامية ميغن كيلي طرحت تساؤلاً مماثلاً حول سبب سقوط قتلى أميركيين في حرب تخدم دولة أخرى، بينما دعا المعلق المحافظ مات والش إلى وقف دعم الحملة العسكرية، معتبراً أن الخطاب الرسمي حول الحرب يفتقر إلى الوضوح.

الانتقادات الأكثر حساسية جاءت من داخل الدائرة السياسية التي ساهمت في بناء مشروع ترامب. حيث حذّر المستشار السابق ستيف بانون من أن الحرب لم تكن جزءاً من الخطاب الانتخابي خلال حملة 2024، معتبراً أن الاستمرار فيها قد يؤدي إلى خسارة جزء من قاعدة الدعم السياسي للرئيس.

هذه المواقف تكشف عن تصدع داخل حركة “ماغا” التي شكّلت العمود الفقري للمشروع السياسي لترامب. الحركة التي صعدت على أساس نقد الحروب الخارجية تجد نفسها أمام واقع جديد، حيث رئيسها يقود حرباً خارجية واسعة قد تتحول إلى صراع طويل ومكلف.

في المقابل، يحاول البيت الأبيض تقليص حجم الخلافات. حيث رد ترامب على الانتقادات بالتأكيد أن حركة “ماغا” ما زالت تقف خلفه، معتبراً أن أنصاره يريدون رؤية الولايات المتحدة “مزدهرة وآمنة”. كما تؤكد الإدارة أن العملية العسكرية، المعروفة باسم “الغضب الملحمي”، تهدف إلى تحييد التهديدات الأمنية وحماية المصالح الأميركية.

غير أن المشكلة التي تواجه الإدارة تتجاوز الجدل السياسي. فالحروب الحديثة تحتاج إلى سردية استراتيجية واضحة تقنع الرأي العام بضرورتها وبحدودها الزمنية والسياسية. هذا العنصر ما زال غائباً إلى حد كبير في الخطاب الرسمي.

في تحليل نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، رأى الاستراتيجي الجمهوري كارل روف أن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة المعركة السياسية داخل الولايات المتحدة. فالرأي العام الأميركي ما زال متردداً بشأن أهداف الحرب ومداها، وهو عامل قد يتحول إلى عنصر حاسم في مسارها.

هذا التردد يضع إدارة ترامب أمام موقف أصبح متكرراً في التاريخ السياسي الأميركي، وهو أن القدرة على كسب الحروب في الخارج ترتبط غالباً بمدى القدرة على الحفاظ على الإجماع الداخلي. التجارب من حرب فيتنام إلى حرب العراق تظهر أن تآكل الدعم الشعبي يمكن أن يقيد خيارات البيت الأبيض حتى في حال استمرار التفوق العسكري.

مع استمرار العمليات العسكرية، قد يتحول الجدل الداخلي إلى عامل مؤثر في مسار الصراع. فالتاريخ الأميركي يوضح أن الرأي العام لا يحدد فقط حدود الحرب، بل يرسم أيضاً سقفها السياسي. وفي هذه اللحظة، يبدو أن إدارة ترامب تخوض معركة على جبهتين متوازيتين، الأولى جبهة عسكرية في الشرق الأوسط، والأخرى جبهة سياسية داخل الولايات المتحدة قد لا تكون نتائجها مبشرة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق