أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

بسبب حرب الشرق الأوسط : “العالم يعود إلى إغلاق وبائي جديد”

أحدثت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تهديدا غير مسبوق لأمن الطاقة العالمي، تجاوز صدمة السبعينات، وكل الحروب التي شهدها العالم طيلة نصف قرن. وتحوّلت إلى أزمة متعددة الأبعاد، تشمل الأسعار والغذاء والإنتاج والمعابر، وقصف طهران المتكرر والمتعمد لمنشآت الطاقة في دول الخليج.

وما كان قبل شهر صراعا ثلاثيا حول تحييد طهران من امتلاك السلاح النووي، انتقلت شظايا تداعياته الاقتصادية إلى الطاقة، وسلاسل التوريد الصناعي، وقطاع الطيران والسياحة، والعقار، والزراعة، والشحن البحري، ومسافة الرحلات.

وللمرة الأولى منذ أربعين سنة، بدت العولمة عاجزة عن تأمين سلاسل الإنتاج والتجارة وضبط الأسعار. ودعت وكالة الطاقة الدولية من جنيف “الحكومات، والشركات، والأسر إلى تقليص استهلاك الطاقة، وتقليل السفر غير الضروري، وتشجيع العمل عن بعد”، وكأن العالم يعود إلى إغلاق وبائي جديد.

تحديات إقتصادية متفاقمة

تعالت المطالب عبر العالم بوقف التصعيد العسكري، وحرية الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميا، مما يشكل 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للنفط، تحصل منها الصين على نحو 38 في المئة ، والهند نحو 15 في المئة، وكوريا الجنوبية نحو 12 في المئة، واليابان 11 في المئة، والاتحاد الأوروبي 4 في المئة.وتمثل واردات آسيا نحو 70 في المئة، تليها أوروبا بـ13 في المئة، والقارة الأميركية 10 في المئة، وأفريقيا 5 في المئة. كما يمر عبر المضيق نحو 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) ، وهو شريان حيوي يؤثر في تشغيل جزء كبير من اقتصاد يقارب 120 تريليون دولار. استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من تقلبات أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة الضغوط التضخمية، مع احتمالات اتساع التنافس الدولي على الموانئ والمواقع الاستراتيجية في إفريقيا.وفي المقابل، قد تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار، إلا أن هذه المكاسب تبقى محدودة مقارنة بحجم التحديات التي تواجه القارة ككل.

هذه الزيادة في الأسعار زادت من تكاليف الإنتاج والنقل، وأدت إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، وهو ما أثر على مستويات المعيشة ورفع مستويات التضخم في الأسواق المحلية.

الحرب أثرت على حركة التجارة الدولية، خصوصًا عبر الممرات البحرية الحيوية مثل البحر الأحمر وباب المندب، فيما أدى اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها لتجنب مناطق النزاع إلى زيادة مدة الرحلات وتكاليف التأمين، ما أثر على سرعة حركة البضائع وسلاسل الإمداد، وبالتالي على توافر السلع الأساسية داخل الأسواق الإفريقية وأسعارها للمستهلكين.

تحديات أمنية متصاعدة

على الصعيد الأمني،  أصبح للحرب في الشرق الأوسط تأثير مباشر على القارة الإفريقية، لا يقتصر على البُعد الاقتصادي فحسب، بل يشمل الأمن البحري والنشاطات الإرهابية والهجرة والنزوح وعسكرة الممرات البحرية، خاصة في البحر الأحمر وباب المندب، تضع الدول الإفريقية المطلة على هذه المناطق أمام بيئة أمنية معقدة، مع تزايد احتمالات استهداف السفن أو اضطراب الملاحة.

كما أشارت بعض التقارير إلى أن منطقة القرن الإفريقي قد تصبح ساحة تنافس دولي متزايد، في ظل وجود قواعد عسكرية لقوى كبرى، ما يرفع مخاطر الاحتكاك العسكري ويزيد هشاشة الأمن الإقليمي.

وفي السياق ذاته، قد تستغل الجماعات المسلحة حالة الانشغال الدولي بالصراع في الشرق الأوسط لتوسيع نشاطها، خصوصًا في مناطق الساحل والقرن الإفريقي، في ظل احتمال تراجع الدعم الدولي لجهود مكافحة الإرهاب.

لقد أثبتت الحرب في الشرق الأوسط أنها أكبر إختبار لقدرة الدول على الصمود أمام الصراعات الخارجية، وأن مواجهة هذه التحديات تتطلب سياسات شاملة ومتكاملة، تشمل الأبعاد الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، لضمان حماية التنمية والاستقرار على المدى الطويل دون الدخول في حالة وبائية تؤدي إلى إغلاق عالمي كامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق