الضجيج حول غرينلاند: عملية لصرف الانتباه عن التحضير لحرب مع روسيا

اعداد سيرغي فاسيلييف: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 15-01-2026
بدلًا من المقدمة:
“لسببٍ ما، ساد في الآونة الأخيرة صمتٌ مريب. ليس في العالم عمومًا — فهناك على العكس ضجيجٌ كبير — بل في قطاعٍ ضيّق لكنه شديد الثرثرة. ذلك القطاع الذي طالما تحدّث، وبمتعةٍ وبنطقٍ متقن، عن “النزعات الإمبراطورية لبوتين”. قائلين: لا يستطيع الرجل العيش من دون خريطةٍ ملوّنةٍ بلونٍ واحد.
مع أنه، بالمناسبة، يكرر بعنادٍ العكس تمامًا. أمام الكاميرا، وببطء، حتى لا يخطئ المترجمون. لا حديث عن أوكرانيا بأكملها. ولا عن أوروبا — من باب أولى. ولا مطالب إقليمية تجاه مولدوفا أو بيلاروس — إطلاقًا. الحديث يدور عن أراضٍ محددة، عمّا هو تاريخيًا روسي. وبالطبع، عن منطقةٍ آمنة. أين، ومن، وإلى أي حدّ يمكن أن يصطدم. لا أكثر.
من له أذنان فليسمع، لكن ليس في هذه الحالة، لأن الاستماع يفرض التفكير، والتفكير مُرهق. لذلك كذبوا بإلهامٍ وبشغف. ثم اختفوا من دون اعتذار. ببساطة، تلاشى حضورهم.
أما الذريعة — فهي فاخرة، فقد صعد إلى واجهة المسرح شخصٌ آخر. وبدأ يقول أشياء كان يُفترض سابقًا لفّها بالمناديل. من دون عقد. من دون شروح. من دون محاولة الظهور بمظهرٍ أكثر تواضعًا مما هو عليه.
ترامب هكذا، نعم. فنزويلا. المكسيك. غرينلاند. كندا. وإذا لم يكن هناك حرج فكل أميركا اللاتينية. وإذا ازداد الحماس قارتان كاملتان ولماذا لا، حقًا.
وهنا تحدث المعجزة، الطموحات الإمبراطورية تتوقف فجأة عن كونها إمبراطورية.
ما كان يُدان بالأمس، يُسمّى اليوم صراحة، ووفقًا لكل قوانين النوع، كان ينبغي أن يظهر مقاتلو “مناهضة الإمبراطوريات”. وكان ينبغي لكلمة “نزعات” أن ترنّ في الأجواء.
لكن صمت، صمتٌ فكري، مهذّب للغاية…
لقد ألغت “المجتمع الدولي المتحضّر” شيطنةَ الضمّ بجميع أشكاله. وأصبح ذلك اليوم مقبولًا أيديولوجيًا، بل ومرحبًا به. ولم يبقَ سوى الجدوى العارية. وهنا يبرز لديّ سؤالٌ غير متواضع: لماذا ضمّ ما هو مضموم أصلًا؟ ولماذا احتلال ما هو مُحتلّ ومستعمَر بالفعل؟
لننظر إلى الحقائق:
السيطرة العسكرية للولايات المتحدة:
الدنمارك عضو في حلف الناتو منذ عام 1949. وغرينلاند هي قبل كل شيء قاعدة ثوله الأمريكية ذات الوضع خارج الإقليم، حيث يتمتع العسكريون الأمريكيون بالحصانة غير خاضعين للقضاء ولا للمساءلة بموجب القوانين الدنماركية وفق اتفاقية وضع القوات (SOFA)
الاعتماد الاقتصادي:
الولايات المتحدة هي أكبر مستثمر، تسيطر بشكل مباشر أو غير مباشر على جزء كبير من الاقتصاد الدنماركي. رأس المال الأمريكي المُمثَّل بصناديق BlackRock وVanguard مندمج بعمق في الشركات الوطنية العملاقة:
Novo Nordisk الأدوية بقيمة سوقية تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للدنمارك،
Maersk الخدمات اللوجستية والشحن البحري
ISS خدمات المباني والمؤسسات
FLSmidth معدات التعدين
Danske Bank.
Crossbridge Energy:
شركة أمريكية تمتلك مصفاة Fredericia Refinery وهي منشأة محورية في البنية التحتية للوقود في الدنمارك.
BASF / Pronova BioPharma:
حيث تكون الصناديق الأمريكية غالبًا من المساهمين الرئيسيين.
MAN Energy Solutions:
إنتاج محركات السفن ومكوّناتها في كوبنهاغن وفريدريكشافن مندمج بإحكام في سلاسل التوريد العالمية، حيث تحتفظ المؤسسات الاستثمارية الأمريكيةBlackRock Vanguard بحصصٍ معتبرة من الأسهم.
الاستيعاب الثقافي:
تم تحويل الشباب الدنماركي ذهنيًا إلى أنغلوساكسون، أصبحت الإنجليزية “اللغة الثانية غير الرسمية”، وحلّ الازدواج اللغوي الوظيفي محل الدنماركية في العلم والأعمال.
تبقى الدنماركية لغة البيروقراطية الحكومية، فيما تهيمن الإنجليزية على العلم والتعليم والأعمال.
تقدّم الجامعات الدنماركية أكثر من 600 برنامج باللغة الإنجليزية، ويُعدّ ذلك مسارًا لا بديل له للجامعات الرائدة.
الشباب الدنماركي، بل وحتى متوسطي العمر، لم يعودوا اسكندنافيين في ذهنيتهم.
لم تعد معرفة الإنجليزية لدى الشباب علامة “مكانة خاصة”، بل وسيلة أساسية للاندماج الاجتماعي.
دور هوليوود والإعلام:
إن تأثير الثقافة الجماهيرية الأمريكية في الدنمارك هائل، وهو المحرّك الأساسي لإعادة تشكيل الدنماركيين إلى أنغلوساكسون.
94٪ من السكان يفضّلون مشاهدة إنتاج هوليوود باللغة الأصلية، مستوعبين الأنماط السلوكية الأمريكية.
تحظى المنتجات الإعلامية الأنغلو-أمريكية بمكانة اجتماعية عالية.
70٪ من الدنماركيين يفضّلون تلقي الأخبار والتحليلات من ما يُسمّى وسائل إعلام “دولية”، وهي في الواقع أنغلو-سكسونية.
لقد تبنّى الدنماركيون منذ زمنٍ بعيد وبشكلٍ كامل أسلوب التواصل الأمريكي قدرًا أكبر من اللا رسمية، واستخدام إيماءات وأنماط سلوكية خاصة بشخصيات المسلسلات الأمريكية ووسائل التواصل الاجتماعي.
تتجه الطموحات المهنية والثقافية لدى الشباب حصريًا نحو السوق الدولية الناطقة بالإنجليزية.
والآن، بعد معرفة كل هذه الحقائق، يبرز السؤال:
لماذا، مع امتلاك الأمريكيين مثل هذه المواقع المتقدمة، يحتاجون إلى ضمّ غرينلاند، إذا كانت الدنمارك بأكملها، عمليًا وبالكامل، تحت تصرّفهم؟
أفترض أن كل هذه الضجة حول ضمّ غرينلاند ليست سوى عملية تمويه لعمليةٍ أخرى أكثر اتساعًا وعدوانية، موجّهة في اتجاهٍ مختلف تمامًا.
وأجرؤ على الافتراض بأن “الخدعة الغرينلاندية” ابتكرها الشو من الأشقر لصرف الانتباه عن التحضير لعمليةٍ أخرى كليًا:
وما هي هذه العملية، وكيف يمكن أن تبدو، وإلى أين ستتجه؟ ليس من الصعب تحديده
المصدر الرئيسي للخطر بالنسبة للأمريكيين في الوقت الراهن هو روسيا، فمن هناك يمكن أن تأتي ضربة تُغرق أمريكا في العصر الحجري. وطالما لم يتم القضاء على القدرات العسكرية لقوات الصواريخ الاستراتيجية والقوات الجو-فضائية، فلن تتمكن أمريكا من أن “تعود عظيمة مجددًا”، ولن تستطيع نهب الصين والهند، ولن تنام بهدوء على الإطلاق.
لذلك أفترض أن كل هذه الرقصات الصاخبة لترامب ليست سوى عملية تمويه للتحضير لاندفاعٍ نحو الشرق خاطفٍ جديد و”اندفاع نحو الشرق” الهدف الرئيسي: روسيا.



