الشرق الأوسط وآسيا: تحولات استراتيجية ونواة صراع وتحالفات جديدة.

اعداد إدريس أحميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 30-03-2026
في ظل المتغيرات الدولية الكبرى التي يشهدها العالم، وتحديدًا في منطقتي الشرق الأوسط وآسيا، تفرض طبيعة المصالح الاستراتيجية – السياسية والاقتصادية – واقعًا جديدًا يعيد إحياء ما يُعرف بـ”سياسة الأحلاف”. فهذه المناطق، بما تمتلكه من موقع جغرافي بالغ الأهمية، وثروات نفطية ومعدنية هائلة، إضافة إلى إشرافها على ممرات بحرية حيوية، تمثل قلب التنافس الدولي، ما يجعلها مرشحة دائمًا لموجات من الصراع وإعادة التشكل الجيوسياسي.
وفي هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب رئيسي يسعى إلى إعادة ترتيب نفوذه العالمي عبر بناء تحالفات جديدة، خاصة في المناطق الحيوية، مستفيدًا من علاقاته مع قوى إقليمية مثل الهند، التي تمثل خصمًا تقليديًا لكل من الصين وباكستان. في المقابل، تتحرك الصين وروسيا لتشكيل توازن مضاد، عبر تعزيز حضورها في آسيا الوسطى والممرات الاستراتيجية.
في هذا الإطار، يمكن قراءة التصعيد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران باعتباره مقدمة لتحولات أوسع، لا تستهدف إيران فقط، بل تمتد لإعادة تشكيل التوازنات مع الصين وروسيا، وربما احتواء باكستان، والحد من أدوار إقليمية صاعدة مثل تركيا.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الإسرائيلي كعامل مركزي في إعادة تشكيل التوازنات داخل المنطقة العربية والشرق الأوسط، حيث تنظر إسرائيل إلى محيطها الإقليمي من زاوية التهديدات الأمنية، خاصة من الدول التي تمتلك قدرات عسكرية أو مشاريع سياسية قد تمس توازن القوى القائم. غير أن توصيف الصراع على أنه “ديني خالص” يظل تبسيطًا جزئيًا؛ إذ تتداخل فيه أبعاد دينية وهوياتية مع اعتبارات استراتيجية وأمنية واقتصادية.
فالتوتر بين إسرائيل وبعض الدول ذات الأغلبية الإسلامية، مثل إيران أو مواقفها الحذرة من تركيا، لا يرتبط فقط بالهوية الدينية، بل أيضًا بدور هذه الدول الإقليمي، وقدرتها على التأثير في ملفات حساسة. وكذلك الحال بالنسبة إلى باكستان، التي تمثل قوة نووية في العالم الإسلامي، ما يمنحها وزنًا استراتيجيًا يتجاوز البعد الديني، رغم تحالفها الوثيق مع الصين، الدولة البوذية، ما يبرز أن التحالفات تقوم على المصالح أكثر من الانتماءات الدينية.
أما العلاقة بين إسرائيل والهند، فهي تعكس تقاطع مصالح أمنية واستراتيجية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والدفاع، إضافة إلى وجود تقاطعات في الموقف من بعض التهديدات الإقليمية. وهذا ما يفسر جزئيًا نظرة الهند وإسرائيل إلى باكستان باعتبارها منافسًا استراتيجيًا، وليس فقط لاعتبارات دينية.
في المقابل، فإن اختلاف الصين وروسيا مع إسرائيل لا ينبع من بُعد ديني، بل من حسابات المصالح والتحالفات الدولية، حيث تسعى هذه الدول إلى موازنة النفوذ الأمريكي، وتعزيز حضورها في مناطق تعتبرها حيوية لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
ضمن أدوات الصراع، تبرز “الورقة الكردية” كأحد أهم عناصر التوظيف الجيوسياسي، في ظل طموحات لإقامة كيان كردي عابر للحدود، وهو ما يواجه رفضًا حادًا من تركيا وإيران وسوريا، بينما يظل العراق حالة خاصة.
يُعد العراق أحد أكثر الدول تأثرًا بهذه التحولات، نظرًا لانقسامه الداخلي المعقد بين أطراف شيعية ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، وحكومة تحاول الحفاظ على توازن هش، ومكونات سنية وكردية لها حساباتها الخاصة، إضافة إلى حضور وضغط مباشر من الولايات المتحدة. هذا الواقع يجعل العراق في موقف صعب، حيث لا يملك هامشًا واسعًا للمناورة، ما يجعله عرضة لتداعيات أي نتيجة للحرب؛ ففي حال انتصار الولايات المتحدة قد يُعاد ترتيب المشهد السياسي بما يتماشى مع مصالحها، وفي حال صمود أو انتصار إيران قد يتعزز نفوذ القوى الحليفة لها، وفي كلتا الحالتين ستكون البلاد أمام ترتيبات جديدة قد تعمّق الانقسام أو تعيد تشكيله.
أما سوريا، فهي الأخرى تعيش حالة معقدة، حيث يبدو أنها لن تخرج بسهولة عن إطار التأثيرات الدولية، خاصة الأمريكية، في ظل استمرار الانقسام الداخلي والتوترات مع القوى الكردية وتعدد مناطق النفوذ، ما يجعل مستقبلها مرتبطًا إلى حد كبير بنتائج الصراع القائم.
في ظل هذه التعقيدات، يبرز الحديث عن إمكانية تشكل محور يضم تركيا وباكستان، وربما تنضم إليه إيران، كأحد السيناريوهات المطروحة لإعادة التوازن. هذا المحور – إن تشكل – قد يمثل نواة لتحالف استراتيجي جديد، ونقطة انطلاق لصراعات وتحالفات مستقبلية، خاصة إذا استمرت الضغوط الدولية والتصعيد العسكري، غير أن نجاحه يظل مرهونًا بمدى توافق المصالح ونتائج الصراع وقدرة هذه الدول على تجاوز الضغوط الدولية.
أما مصر، فتتبنى مقاربة حذرة تقوم على حماية أمنها القومي وتجنب الانخراط في صراعات مباشرة، مع الحفاظ على دورها كفاعل إقليمي يسعى إلى الاستقرار، خاصة في ظل ارتباطها بتحالفات عربية وإقليمية.
وفي سياق أوسع، لا يمكن فصل ما يحدث في الشرق الأوسط عن المشهد الدولي، حيث نترقب آخر المستجدات ونراقب التحولات المتسارعة التي لا تقتصر على المنطقة فقط، بل تمتد إلى النظام الدولي ككل. فمواقف العديد من الدول الأوروبية تعكس ترددًا في الانخراط الكامل إلى جانب الولايات المتحدة، في ظل انشغالها بالحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث ترى بعض هذه الدول أن التهديد الروسي يمثل أولوية استراتيجية.



