أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

الحرب على إيران: غموض المشهد بين الحسم والانسداد والفشل

في أحدث تصريحاته المتقلبة، عاد دونالد ترامب ليثير حالة من الغموض حول السياسة الأمريكية تجاه الحرب على إيران. بين حديثه عن تحقيق الأهداف العسكرية ونفيه لاحقًا لوجود نية لتغيير النظام، يظهر خطاب غير مستقر يفتح الباب لتأويلات متعددة: قد يكون أسلوبًا متعمدًا لإرباك الخصوم، أو رهانات على عامل الوقت في انتظار ظروف أفضل لإعادة صياغة المشهد بما يخدم المصالح الأمريكية.

إدارة الأزمة العسكرية والسياسية

تصريحات ترامب حول إمكانية إنهاء الحرب دون توقيع اتفاق سياسي تعكس محدودية القوة في فرض واقع سياسي دائم. فالتراجع عن سقف “تغيير النظام” والاكتفاء بـ“تدمير البرنامج النووي” يظهر أن الحسم العسكري لم يحقق كل الأهداف، وأن الحرب دخلت مرحلة “توازن الاستنزاف”. إيران تكبدت خسائر في القيادات والبنية التحتية، لكنها لم تنهار استراتيجيًا، مما ينفي فكرة إعادة البلاد “أربعين سنة إلى الوراء”. استمرار الرد الإيراني واشتراطاتها في المفاوضات تؤكد استمرار النظام وقدرته على المناورة.

تصريح ترامب حول الهدف الحقيقي

في سياق الغموض والتناقض في الخطاب الأمريكي، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الهدف من الحرب على إيران لم يكن إسقاط النظام كما أشيع، بل كان يركز على الحد من القدرات النووية والعسكرية لطهران، حماية طرق الملاحة الحيوية، وضمان مصالح الولايات المتحدة الإقليمية، مع إبراز ملف النفط كمحور استراتيجي. هذا التصريح يوضح أن إعادة تعريف “النصر” في السياسة الأمريكية لا تشمل تغييرات سياسية جذرية داخل إيران، بل ترتبط بإنهاء التهديدات المباشرة للأمن والمصالح الأمريكية.

اتفاق خليجي–إيراني ومضيق هرمز

إمكانية التوصل إلى اتفاق بين إيران ودول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تعكس رغبة الطرفين في احتواء التصعيد بعد الخسائر الاقتصادية والعسكرية. لكن أي تفاهم مباشر يواجه عقبات: موقف إسرائيل قد يعتبر الاتفاق فشلًا لأهدافها الاستراتيجية، وموقف أمريكا مرتبط بحماية مصالحها ومشروعها الإقليمي. تصريحات ترامب مثل “نترك فتح مضيق هرمز لدول أخرى” توحي بتفويض محدود للمسؤوليات، لكنه قد يزيد من النفوذ الإيراني في المضيق ويترك المجال لتحديات جديدة.

التناقض الأمريكي في الخطاب

بين الحديث عن تغيير النظام والتأكيد لاحقًا على أن الهدف كان فقط تدمير البرنامج النووي، يظهر تناقض واضح يعكس إعادة تعريف “النصر” بما يتناسب مع الواقع الميداني، ويظهر كيف أن السياسة الأمريكية تعدل أهدافها وفق التطورات على الأرض.

المجتمع الدولي والضغوط الاقتصادية

الخسائر الاقتصادية العالمية، خصوصًا في أسواق النفط والتجارة، تزيد الضغوط على الأطراف لإنهاء الحرب. أوروبا وآسيا ترى استمرار الصراع تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الاقتصادي، ما يجعل القبول الدولي بوقف الحرب مرتبطًا أكثر بالتداعيات الاقتصادية منه بالاعتبارات السياسية.

التحالف الغربي وضغوط إنهاء الحرب

الحرب أظهرت تباينًا بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، خاصة مع تركيز أوروبا على أوكرانيا. تردد الأوروبيين في الانخراط يعكس عدم الثقة في السياسات الأمريكية بعد تجارب سابقة، مما قد يمنح روسيا فرصة لتعزيز موقعها. طلب وزير الخارجية الأمريكي للمساعدة الأوروبية في إنهاء الحرب لم يلقَ استجابة حقيقية، ما يعكس فجوة في الأولويات بين واشنطن وأوروبا.

صعوبة الحسم بعد شهر من الحرب

بعد مرور شهر كامل على الحرب، لم يتحقق الحسم الذي كانت تأمل فيه أمريكا وإسرائيل، وهو ما يعود أساسًا لسوء التخطيط والتسرع في بدايتها. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول مخرج ترامب وبنيامين نتنياهو: هل تصريحاتهم الأخيرة تعكس واقتناعًا بصعوبة المهمة، أم أنها محاولة جديدة للتمهيد لتدخل بري غير محسوب النتائج؟ بمعنى آخر، يبدو أن الطرفين قد تورطا في ورطة عسكرية معقدة، دون وضوح حول النتائج النهائية وما إذا كان الحسم ممكنًا دون تكلفة إضافية كبيرة. في ظل هذه المعطيات، تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أن الحسم العسكري لم يعد كافيًا لتحقيق الأهداف السياسية في عالم متعدد الأقطاب، وأن الخيارات المستقبلية ستبقى رهينة التطورات الميدانية، وضغوط الاقتصاد الدولي، والتحولات في مواقف الأطراف الإقليمية والدولية.

انعكاسات محتملة لتصريحات ترامب

إذا صدق ترامب في تصريحاته، فقد نشهد تغييرًا في السياسة الأمريكية يهدف إلى حفظ ماء الوجه بعد مرحلة من الانزلاق العسكري والسياسي. هذا التغيير قد يفتح مرحلة جديدة من التعاملات الدولية، مع رفض إيجاد صيغة تقليدية للعلاقات، مما قد يؤدي إلى اضطرابات إقليمية ودولية لا يمكن التنبؤ بعواقبها، مع مخاطر اقتصادية عالمية قد تقود إلى أزمة شاملة إذا لم يتم احتواؤها بسرعة. من هنا، يصبح إنقاذ الاقتصاد العالمي من الانهيار والمصير المجهول أولوية متقدمة على أي أهداف عسكرية أو سياسية لا يمكن التنبؤ بها.

انعكاسات إقليمية وحسابات إسرائيل واللبنان

امتدادًا للتداعيات الإقليمية، يثار التساؤل حول مصير الأهداف الإسرائيلية في المنطقة، بما في ذلك لبنان، خصوصًا في ضوء العدوان المستمر على إيران والمصالح الاستراتيجية لإسرائيل في المنطقة. هل ستظل إسرائيل مركزة على إيران فقط، أم ستبدأ في تصفية حساباتها الإقليمية مع خصومها الآخرين؟

كما يبرز الدور الفرنسي في محاولة احتواء الصراع في لبنان، إذ تسعى باريس لإنهاء الحرب وإعادة الاستقرار، ما قد يفرض على إسرائيل إعادة النظر في أولوياتها الاستراتيجية إذا كان استمرار النزاع قد يعيق أي جهود دولية لإنهاء الأزمة اللبنانية. هذه العوامل تعكس مدى التعقيد في تحديد مسار السياسات الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء، وتؤكد أن أي توقعات للأهداف المستقبلية في المنطقة تبقى غير مؤكدة ومفتوحة على جميع الاحتمالات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق