أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

الحرب على إيران: رحلة إلى المسرح الذي تراقبه شعوب الأرض

الأحد، الحادي والثلاثين من مايو 2026 أصل إلى المسرح الذي تراقبه شعوب الأرض كلها. مسرحٌ هائل يمتد على مليون وستمئةٍ وثمانيةٍ وأربعين ألف كيلومتر مربع، وتحمل أرضه ذاكرة آلاف السنين. هنا مرت جيوش الإغريق والرومان، والروس والبريطانيين وتعاقبت إمبراطوريات وحروب لا تُحصى، وها هو اليوم يشهد واحدة من أكثر الحروب عدوانية وإثارةً ومتابعةً وتأثيرًا في العالم.

العالم مشدود الى المسرح الإيراني ومندهش بصمود شعبه الأسطوري رغم المأساة التي حلّت به في الساعات الأولى للهجوم الذي استهدف قياداته ومراكزه الحيوية.

أغادر الطائرة على عجل، مدفوعًا بالرغبة في الاطمئنان إلى الأماكن التي عرفتها في زياراتي السابقة. المطار فسيح، تزين جدرانه زخارف بديعة، والشوارع مليئة بالحياة. أما بازار طهران الشهير فما زال وفيا لروحه الأبدية؛ سجادٌ فاخر، وعطورٌ شرقية، وأطعمةٌ تثير الشهية. يقدم لي حسين حبات التوت الأحمر والأبيض، بينما يصرّ كاوه على أن أشاركه كوبًا من الشاي. إنه بازار طهران؛ عالمٌ يجمع التجارة والمجتمع والتأمل في آنٍ واحد.

يرافقني محسن مترجمًا ومرشدًا، ينقل إليّ ما أسمع وما أقول، ويصحبني إلى المواقع التي أصابها القصف الذي نفذته إسرائيل والولايات المتحدة، ومن خلفهما كل الدول التي سهّلت هذا العدوان أو بررته، وكل وسائل الإعلام التي دافعت عنه، وكل القوى المحلية التي ارتضت أن تكون أداةً له، سواء في إيران أو في سائر بلدان المنطقة.

أقف أمام مشفى غاندي وأمام المعبد اليهودي، ومقر الألعاب الرياضية، ومبنى التلفزيون الإيراني، ومدرسة شجرة طيبة، أتسائل: ما الذي جعل هذه الأماكن الإنسانية هدفًا للحرب؟

لم تنجح حسابات ترامب ونتنياهو بتأليب الإيرانيين ضد وطنهم. أرى أمامي شعبا متماسكا يعمل بلا كلل لترميم ما تهدمه الحرب. وفي المساء، تجتمع الحشود في مئات الساحات الممتدة عبر القارة الإيرانية. في طهران وشهريار ويزد وبندر عباس، أرى رجالًا ونساءً وأطفالًا يبقون حتى ساعات متأخرة من الليل، ينشدون الأغاني الوطنية، ويرفعون العلم الإيراني، ويوزعون الشاي والحلوى صدقةً على أرواح شهدائهم.

أما الكذبة الكبيرة التي يكرر الإعلام الغربي الحديث عنها، أعني حجاب المرأة الإيرانية، فهي من أكثر ما يلفت انتباهي في كل زيارة إلى إيران. أرى المرأة الإيرانية حاضرةً في كل مكان: في المطار والطائرة والفندق والمصنع والمتجر ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة. حضورها قوي، ولباسها في الغالب انيق ومحتشم، والصور النمطية التي تروجها الدعاية الغربية بعيدةً عن الواقع الذي أشاهده في شوارع طهران، نعم الفتاة هنا حرة في وضع غطاء الرأس او عدم وضعه، لا بل ان لباس بعض الفتيات المتأثرات بالغرب يزعجني، حيث تسرن في شوارع طهران بملاس تُظهر منتصف اجسادهنّ.

أغادر المسرح الإيراني بعد عشرة أيام بينما وسائل الإعلام العالمية منشغلة بأخبار وقف القتال بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. مرةً يسمونه هدنة، ومرةً اتفاقًا للسلام، فيما يسعى كل طرف إلى تقديمه لجمهوره باعتباره انتصارًا.

شريحة واسعة في إيران لا تنظر إلى هذا الاتفاق بالقدر نفسه من التفاؤل. هناك من يخشى أن يكون مجرد استراحة مؤقتة، أو وسيلة لتعويض ما تعذر تحقيقه في ساحة المعركة عبر ترتيبات تمس السيادة الإيرانية. وفي المقابل، هناك شريحة تدّعي أنها أكثر رقيا وتحضرا وقربا من الغرب وهي تروّج للاتفاق باعتباره طريقًا نحو الرفاه الاقتصادي والانفتاح على العالم على حساب السيادة والدماء.

أستمع إلى كل هذه الآراء، وأتابع موجة التفاؤل التي تجتاح وسائل الإعلام، وأراقب بشغف بعض السياسيين الباحثين عن النجومية على حساب وجود الانسان الايراني.

موقفي ثابت لم ولن يتغيّر، لأنني على يقين ان إسرائيل لن تتخلى عن مشروعها الذي بدأته عام 1897 في الاجتماع الذي عقده تيودور هرتزل في مدينة بازل، ولن تجرؤ أمريكا على التخلي عن دعم هذا المشروع.

لقد قلت منذ زمن إن هذا الصراع أعمق من أن تحسمه اتفاقية أو بيان سياسي، وإن جذوره تمتد بعيدًا في التاريخ. ولو كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتين على إزالة إيران من المشهد لفعلتا ذلك دون حاجة إلى التفاوض.

ومن هنا تبرز أسئلة لا بد من طرحها لاختبار صدقية الحديث عن السلام:

هل ستتخلى إسرائيل عن سياسات التوسع والنفوذ في الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم؟

هل ستنسحب من الأراضي التي تحتلها؟

هل ستسمح بقيام دولة فلسطينية مستقلة؟

هل ستتوقف عن التدخل في شؤون دول المنطقة ومكوناتها العرقية والدينية وحثهم على الانفصال عن اوطانهم؟

هل ستتوقف عن فرض الاتفاقات الابراهيمية بالقوة على شعوب المنطقة.

كل هذه الأسباب هي التي دفعت الغرب إلى الحروب على الجزائر والعراق وليبيا ومصر وسورية وغزة وإيران، وكل هذه الأهداف لم تتحقق بعد وبالتالي ما تزال دوافع الحرب قائمة.

لذلك فالحديث عن السلام لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل فاصل بين مشهدين بانتظار عثور أمريكا وإسرائيل على فرصة الانتصار ليس فقط على ايران وانما على روسيا والصين، أو يتحقق حلمي ويستيقظ العرب من سباتهم الطويل ويسيرون  على الطريق الذي تسلكه إيران، طريق السيادة والاستقلال

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق