الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران: من المواجهة الأولى إلى الحرب الدائرة حاليًا

اعداد الاستاذ إدريس أحمد: قسم البحوث والدراسات الاستراتيجية 27-03-2026
في يونيو 2025، نشرت مقالًا تناول الحرب الأولى بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي استمرت اثني عشر يومًا واستهدفت ضرب البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني.
حاولت هذه الحرب إظهار القوة الأمريكية والإسرائيلية، لكنها أظهرت محدودية القدرة على تحقيق الحسم العسكري، وسط صمود مفاجئ لإيران وقدرة حزب الله على الرد، ما أربك حسابات الأطراف المعتدية وأبرز تحديات جديدة أمام الهيمنة الغربية.
واليوم، مع اندلاع الحرب الثانية منذ نحو شهر، نعود إلى تلك التجربة لتقييم ما يمكن الاستفادة منه من معطيات الحرب الأولى، وفهم طبيعة الحرب الحالية، ومدى جدوى الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتقلبة والمتغطرسة، والتي أثارت علامات استفهام حول إمكانية تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
الحرب الأولى لم تحقق أهدافها بالكامل، وأظهرت المواقف الدولية انقسامات واضحة؛ فالأوروبيون والناتو تحفظوا عن المشاركة الفعلية ورفضوا تصعيد المواجهة، بينما لعبت الصين وروسيا دورًا موازنًا حد من قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بالقرار.
دول الخليج تكبدت خسائر اقتصادية غير مباشرة، مع تهديد الملاحة في مضيق هرمز وتأثيره على أسواق الطاقة العالمية. من أبرز ما أظهرته الحرب الأولى أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق النصر الاستراتيجي، وأن إيران رغم العقوبات الاقتصادية منذ 1979، ما زالت قادرة على تعزيز نفوذها الإقليمي ودعم حلفائها، وهو ما يعيد ترتيب موازين القوة في المنطقة.
أما الحرب الثانية، فتتزايد فيها المخاطر بين تصعيد محتمل من الولايات المتحدة وإسرائيل وبين ضرورة إنهاء الحرب مبكرًا لتجنب تداعياتها الاقتصادية والجيوسياسية على الاقتصاد الأمريكي أولًا، وعلى الاقتصاد العالمي عامة.
استمرار الحرب يحمل مخاطر كبيرة، لكنه قد يستمر إذا رأت الأطراف أنه يمكن فرض أهداف استراتيجية، رغم التكاليف الباهظة على الاقتصاد والطاقة والاستقرار العالمي. ومن نتائج هذه الحرب، من الأولى والثانية، دفع بعض الدول إلى التفكير في المحافظة على سباق التسلح وتحديث قدراتها العسكرية لحماية مصالحها وأمنها في ظل عالم متغير وصراعات متصاعدة.
ويطرح الصمود الإيراني تساؤلات مهمة:
هل سيجبر صمود إيران الولايات المتحدة وإسرائيل على وقف الحرب، أم أن الضغوط الداخلية والخارجية على ترامب والأركان الأمريكية والإسرائيلية هي التي تؤثر بشكل أكبر على الموقف؟
الواقع يشير إلى أن الصمود الإيراني يزيد من صعوبة الحسم العسكري ويرفع كلفة الحرب، لكنه غالبًا لا يقرر وقف الحرب بحد ذاته. ما يضغط أكثر هو التوازن بين التكاليف الداخلية والخارجية والمخاطر السياسية والاقتصادية، مما يجعل استمرار الحرب أو إنهاؤها مرتبطًا بقرارات سياسية واستراتيجية دقيقة، وليس فقط بالقدرات الميدانية الإيرانية.
تعكس سياسات ترامب الجدلية، من خلافات مع الحلفاء الأوروبيين إلى النزاعات التجارية مع الصين والتوتر مع روسيا، انعدام الثقة المحتمل في قدرة واشنطن على إدارة صراعات طويلة دون تكاليف جسيمة. شعار “أمريكا أولًا” لم يعد مجرد طرح سياسي، بل يعكس توجهًا يعيد تعريف دور الولايات المتحدة في العالم في وقت تواجه فيه تحديات متزايدة وتراجعًا نسبيًا في قدرتها على فرض نتائج حاسمة.
هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية إقليمية، بل اختبار عالمي لموازين القوة وقدرة الأطراف على تحقيق أهدافها الاستراتيجية وسط عالم متعدد الأقطاب وصراع اقتصادي وجيوسياسي لا يمكن تجاهله.
حتى الآن، ومع استمرار المواجهة وتصاعد التهديدات، لا يمكن الوصول إلى استنتاجات نهائية، لكن من الواضح أن الضغط الدولي، والتداعيات الاقتصادية والجيوسياسية الكبيرة، تجعل إنهاء الحرب ضرورة عاجلة لتفادي أزمة عالمية أكبر، رغم احتمال استمرارها إذا اختارت الأطراف مواجهة طويلة الأمد.



