التعاون الصيني العربي يدخل عصر الذكاء الاصطناعي

إعداد لين يان: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 26-03-2025
“افتح الستائر وشغّل الموسيقى!” بهذه العبارات البسيطة وغيرها عند الاستيقاظ صباحا، يستعين الكثير من الشباب في المدن الصينية بمساعدات صوتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام، بدءا من تسخين الماء إلى تشغيل المكنسة الذكية لتنظيف الغرفة، بل وحتى طلب فنجان قهوة من مقهى يبعد 3 كيلومترات خلال الشتاء القارس في شمال الصين.
هذه التطورات ليست مقتصرة على الصين وحدها، حيث يشهد الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط ثورة صناعية ملحوظة.
ومع إطلاق مشروع “ديب سييك” في مراكز بيانات “أرامكو ديجيتال” السعودية خلال فعاليات “LEAP 2025″، دخل التعاون الصيني العربي مرحلةً جديدة، ليرسم ملامح مستقبل واعد تقوده الابتكارات الذكية.
الشرق الأوسط: طموحات تقنية من الاستثمار إلى التحول الذكي
خلال فعاليات “أسبوع كامبريدج للطاقة” الذي اختُتِمَ في هيوستن الأمريكية الأسبوع الماضي، أجمع خبراء الطاقة على أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تشكّل محرّكًا جذريًا لإعادة تشكيل القطاع.
وكشف سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في الإمارات، عن تنفيذ شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” لأكثر من 200 حلّ ذكي يغطي عمليات الاستكشاف والتكرير واتخاذ القرارات، ما عزز دقة توقعات الإنتاج. فيما أوضح أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة “أرامكو”، أن تطوير 420 تطبيقًا ذكيًّا لمعالجة التحديات التشغيلية، مثل التآكل في أنابيب النفط والغاز، ساهم في توفير ملايين الدولارات سنويًا .
ولا يقتصر التحوّل على مجال الطاقة فحسب. ووفقًا لتقرير “برايس ووترهاوس كوبرز2024″، سيُسهم الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط بنحو 2 في المائة من قيمته العالمية المضافة بحلول 2030، ما يعادل 320 مليار دولار.
بينما توقع موسى بيدياس، أحد خبراء الشركة، أن يولِّد كل دولار يُستثمر في تقنيات الذكاء العام (GenAI) بدول الخليج عائدًا اقتصاديًا قدره 9.9 دولارات، ليصل الأثر الاقتصادي السنوي إلى 23.5 مليار دولار مع نهاية العقد الجاري.
هذا التوجه يتجلى بوضوح في الخطط الحكومية: فإستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 تستهدف خفض التكاليف بنسبة 50% عبر التحوّل الذكي، فيما عيّنت دبي 22 مديرًا لتقنية الذكاء الاصطناعي في قطاعات حيوية كالشرطة والطاقة في 2024. أما السعودية، فقد جعلت من التقنيات الذكية ركيزة أساسية ضمن “رؤية 2030″، بدءًا من تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ووصولًا إلى إطلاق صندوق استثماري بقيمة 40 مليار دولار لدعم الريادة التقنية.
ويؤكد بيدياس أن “الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سيحوّل الشرق الأوسط إلى حاضنة للاقتصاد المعرفي خلال العقد المقبل”.
الصين: ريادة تقنية من الخوارزميات إلى التطبيقات العملية
في السباق العالمي نحو الهيمنة التكنولوجية، تتصدّر الصين المشهد عبر تبنيها رؤية إستراتيجية لدمج الذكاء الاصطناعي بالقطاعات الحيوية. ففي يناير 2024، أطلقت شركة “ديب سيك” تطبيقها المجاني على متجر “أبل”، منافسًا بذلك نماذج مدفوعة مثل “ChatGPT” بميزات مبتكرة تلائم مختلف المستخدمين، ما جذب انتباه العالم بأسره.
لكن “ديب سيك” ليس سوى حلقة في سلسلة الابتكار الصينية. وبحلول نهاية 2024، أكملت الصين تسجيل 302 خدمة ذكاء اصطناعي توليدي لدى الهيئة الوطنية لإدارة الفضاء الإلكتروني، وبلغت القيمة السوقية للقطاع نحو 6 تريليونات يوان. ويبين “تقرير تقييم تطور القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي في الصين” أن معدل نمو القدرة الحاسوبية الذكية بلغ 74.1 في المائة خلال عام 2024.
إلا أن المنافسة لم تتوقف عند تطوير التقنيات، بل امتدت لتشمل تطبيقات عملية في قطاعات متنوعة: في مصانع بطاريات بمقاطعة فوجيان، رفعت خوارزميات الذكاء الاصطناعي نسبة المنتجات المطابقة للمواصفات إلى 99.9%. أما في حقول النفط بشنشي، فقد طوَّرت منصات النماذج الضخمة 19 نظامًا ذكيًّا صناعيًّا، مما زاد من كفاءة العمليات بنسبة 30%. كما تُستخدم الروبوتات الذكية في القارة القطبية الجنوبية لحمل 70 كجم من المعدات في درجات حرارة تصل إلى 60 درجة تحت الصفر لإجراء أبحاث استكشافية.
ولم تغب الشركات الكبرى عن هذه الموجة التنموية: فمشروع “كونلون” الذكي، المطور بالتعاون بين شركة البترول الوطنية و”تشاينا موبايل” و((هواوي))، يقدم حلولاً ذكية لتحليل الزلازل وإدارة الآبار بتكلفة منخفضة. كما تعاونت “بايدو” مع شركة الكهرباء الوطنية لتشغيل شبكة ذكية تحقق استقرارًا بنسبة 99.98% في خدمات الطاقة. فيما زودت “علي بابا” مناجم الفحم بأدوات ذكية للكشف التلقائي عن المخاطر.
وتأثرت الحياة اليومية في الصين بهذا التحول التدريجي: ففي المجال الصحي، طوّر باحثون صينيون أداة ذكاء اصطناعي تتنبأ بانتكاس سرطان الكبد بدقة 82.2%، وتم نشر النتائج في مجلة “نيتشر”. وفي مجال النقل، أصبحت تقنيات القيادة الذاتية المتطوّرة، التي كانت حكرًا على السيارات الفاخرة، متاحة الآن في الموديلات متوسطة السعر. وفي مجال السياحة، تساعد منصات الذكاء الاصطناعي في إنشاء ملايين الخطط السياحية المخصصة بناء على تفضيلات المستخدمين، في مواكبة لارتفاع عدد السياح المحليين إلى 3.42 مليار خلال 2024، وفقا لبيانات وزارة السياحة.
وفي الاستثمار، تخطط مجموعة “علي بابا” لاستثمار 380 مليار يوان “53 مليار دولار أمريكي” خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، بينما تعتزم “بايت دانس” تخصيص 90 مليار يوان لشراء وحدات معالجة بيانات بحلول 2025. كما أعلنت شركات كبرى مثل “بايدو” و”بايت دانس” عن تحويل نماذجها الذكية إلى نماذج مفتوحة المصدر. وهذا التحول لم يكن ليحدث لولا استثمار الصين في بنية تحتية رقمية ضخمة، تعكس رؤيتها نحو قيادة المستقبل الذكي.
التعاون الصيني العربي: من تعزيز الصناعة إلى صياغة مستقبل ذكي مشترك
جذب التعاون بين “ديب سيك” وأرامكو انتباه العالم. وأعلن الجانبان في فبراير الماضي عن بدء تشغيل مركز البيانات الرقمية التابع لأرامكو في الدمام. وصرح رئيس الشركة أن “ديب سيك” يحدث “فرقا كبيرا حقا” ويزيد من كفاءة العمليات، وفقا لتقرير نشرته “فاينانشال تايمز” مطلع الشهر. وأشاد مسؤول الطاقة السعودي بهذا الإنجاز قائلاً إنه “مفتاح لإعادة تشكيل مستقبل صناعة النفط”.
ولا تتوقف الابتكارات الصينية عند قطاع الطاقة، بل تمتد إلى المدن العربية، حاملة معها رؤية فريدة. فقد أعلنت شركة تينسنت كلاود عن استثمار 150 مليون دولار لإطلاق أول منطقة سحابية لها في الشرق الأوسط، انطلاقا من السعودية، مدعومة بقدرات الذكاء الاصطناعي. وأعلنت شركة علي بابا كلاود عن إطلاق برنامج تمكين الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعاونها مع أكاديمية طويق لتدريب المواهب الوطنية في التقنيات المتقدمة.
ويمتد التعاون الصيني العربي ليشمل مجالات عدة: فقد وقعت المدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي في الجزائر ومعهد أبحاث الذكاء الاصطناعي بجامعة تسينغهوا الصينية مذكرة تفاهم لإنشاء المختبر الجزائري الصيني المشترك للذكاء الاصطناعي. وناقشت وزارة الصحة والسكان المصرية في نوفمبر الماضي مع شركات صينية متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي حلولا مبتكرة في الاختبارات الجينية والتشخيص المبكر للسرطانات.
وقد استخدمت سلطنة عُمان القمر الاصطناعي للاستشعار عن بعد الذي أطلقته الصين العام الماضي في تحسين عمليات مسح الأراضي والتخطيط العمراني ومسوحات الغابات ورصد الكوارث.
ويبرز نموذج “ديب سيك” كعامل رئيسي في إعادة تعريف مستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي بفضل انخفاض تكلفته وانفتاحه. كما أن الاعتماد على “المصدر المفتوح”، الذي يتيح لأي شخص تنزيل النماذج وتشغيلها ودراستها وتعديلها، يمثل نقلة نوعية، تتعارض مع النهج الاحتكاري لبعض الشركات الأمريكية التي تريد تحقيق “مزايا وطنية” في عصر الذكاء الاصطناعي، وتتوافق مع سعي الصين نحو رؤية أوسع تمكّن الجميع من تقاسم فوائد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
وقال فيصل البناي الأمين العام لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة في الإمارات، الذي يعدّ القوة الدافعة وراء نموذج “فالكون” اللغوي، إن “ما حدث مع ديب سيك هو دليل آخر على أن الفرق الصغيرة والفرق الرشيقة والدول الرشيقة يمكنها التحرك بسرعة وإحداث تأثير كبير”، مضيفا “أننا نتعلم مما أظهروه، وسنقوم أيضًا بإطلاق نماذج أخرى في هذا المجال”. وتعمل الشركات الصينية مع نظيراتها العربية يدا بيد لإعادة كتابة قواعد اللعبة من خلال الاستثمار في العقول والابتكار المفتوح وتحقيق تحول كبير في الحياة اليومية للمجتمعات الصينية والعربية.
———————————–
الكاتبة: لين يان صحفية بوكالة أنباء الصين “شينخوا”