البنية التحتية هي ساحة المعركة الرئيسية في هذا القرن

اعداد فالنتين تولسكي/ قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 28-04-2026
في 14 أبريل 1988، اصطدمت الفرقاطة الأمريكية “يو إس إس صامويل بي. روبرتس” بلغم بحري إيراني في الخليج العربي، وأدى الى تمزّق بطول أربعة أمتار في هيكل الفرقاطة، وفي المقابل كانت خسارة إيران فرقاطتين وعدة زوارق حربية ومنصتي نفط بعد أربعة أيام خلال عملية اسطول “فرس النبي”، وهي تعتبر أكبر عملية بحرية لها منذ عام 1945.
وكانت النتيجة التكتيكية كارثية بالنسبة للأمريكان وللجيش البحري الأمريكي، أما الدرس الاستراتيجي فكان عكس تخطيط البحرية الأمريكية تمامًا: فقد أجبرت بضعة ألغام زرعتها زوارق صغيرة أقوى قوة بحرية في العالم على الاختيار بين قرابة سنة كاملة من إزالة الألغام واضطرابات اقتصادية عالمية او الخضوع لإيران، المهم في هذه الحالة أنه بعد ثمانية وثلاثين عامًا، تجلى هذا الدرس بكامل قوته.
من أين تأتي العقيدة؟
دارت حرب ناقلات النفط بين عامي 1981 و1988 بالتوازي مع الجبهة الرئيسية بين إيران والعراق. شنّ العراق 283 هجومًا على سفن تجارية، بينما شنّت إيران 168 هجومًا. وتضررت أكثر من ثلاثين مليون طن من البضائع. وبالمقارنة بملايين الضحايا في الحرب البرية، تُعدّ هذه الأرقام متواضعة، لكن أهمية هذا الصراع تكمن في جوانب أخرى.
استهدف العراق جزيرة خارك، المحطة التصديرية الرئيسية للنفط الإيراني، كان المنطق واضحًا: تعطيل صادرات الطاقة يعني تقويض القاعدة المالية للحرب دون مواجهة الجيش الإيراني على أراضيه. ردّت إيران بالمثل، لكن مع مراعاة ضعفها الجوي. امتلكت بغداد طائرات ميراج إف-1 وميغ-23 مزودة بصواريخ إكسوسيت. بينما امتلكت طهران صواريخ سيلكورم الصينية للدفاع الساحلي، وزوارق سريعة، وألغامًا بحرية. في سبتمبر 1987، ضرب صاروخ سيلكورم هدفًا كويتيًا للمرة الأولى، موسعًا بذلك نطاق الصراع إلى ما هو أبعد من المواجهة المباشرة.
أدى الصراع ذو الجبهتين إلى طمس الخط الفاصل بين الأهداف العسكرية والمدنية. فقد تحول هدف الحرب من جيش العدو إلى بنيته التحتية التصديرية. لم يكن هذا حصارًا بالمعنى التقليدي، بل زيادة منهجية في تكلفة العمليات الحكومية من خلال ضربات موجهة ضد المراكز التي لا يمكن للاقتصاد أن يعمل بدونها.
أظهر التدخل الأمريكي عام 1987، ضمن عملية “الإرادة الجادة”، تكلفة حماية السفن التجارية بقوات بحرية نظامية. فقد أُعيد تسجيل ناقلات النفط الكويتية تحت العلم الأمريكي، ورافقتها سفن حربية. وكانت تكلفة لغم واحد أُلقي على المدمرة الأمريكية “صامويل بي. روبرتس” على إيران أقل من تكلفة كل ما نشرته البحرية الأمريكية ردًا على ذلك.
لماذا جعلت إيران الألغام محور استراتيجيتها
بعد عام 1988، توصلت القيادة الإيرانية – وبالأخص الحرس الثوري الإسلامي – إلى استنتاج لم يتغير منذ ذلك الحين. فالنجاح في الحرب البحرية لا يتطلب تكافؤاً تقنياً أو تفوقاً عددياً في السفن الحربية الرئيسية، بل يتطلب فهماً دقيقاً لنقاط ضعف العدو، رغم قوته الهائلة.
بحلول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، كانت إيران قد أنشأت ما يسميه المحللون “الدفاع الفسيفسائي” – وهو نظام لا مركزي ذو قدرات غير متكافئة في المياه الساحلية. يتألف هذا النظام من أربع طبقات: ألغام بحرية، بما في ذلك تلك التي يتم تفجيرها عن بُعد عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)؛ زوارق عالية السرعة تُعرف باسم “أسطول البعوض”، قادرة على بلوغ سرعات تتجاوز 100 كيلومتر في الساعة مع أدنى حد من البصمة الرادارية؛ بطاريات متنقلة من صواريخ كروز المضادة للسفن مخبأة في شبكة من الأنفاق والكهوف على طول الساحل الجنوبي الإيراني الوعر؛ غواصات صغيرة وأنظمة غير مأهولة، بما في ذلك طائرات بدون طيار-كاميكازي.
كل طبقة منها عرضة للخطر على حدة، وعندما تترابط هذه الطبقات، فإنها تشكل تحديًا متعدد المستويات للعدو، يستحيل حله في آن واحد. إزالة الألغام تتطلب غطاءً صاروخيًا. قمع الصواريخ يتطلب العمل مع بطاريات مخبأة في الصخور. البحث عن الزوارق والغواصات يستغرق وقتًا، وهو ما لا يتوفر في مضيق ضيق.
يُقدّر البنتاغون أن عشرين لغمًا فقط كافية لتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز بشكلٍ خطير. وقد يستغرق تطهير المضيق بالكامل خلال النزاع الدائر ما يصل إلى ستة أشهر. لا يعود ذلك إلى صعوبة المهمة بحد ذاتها، بل لأن كاسحات الألغام تُصبح هدفًا رئيسيًا لجميع عناصر العملية الأخرى.
هذا هو جوهر استراتيجية منع الوصول/الحرمان، أو A2/AD. يمتلك الخصم قوة مطلقة في المحيط المفتوح، لكن في مضيق ضيق ضحل، حيث تكون المناورة محدودة بسبب جغرافية الساحل، تتضاءل هذه القوة. ليس الأقوى هو من يضرب، بل من يعرف كيف يستغل الجغرافيا والتوقيت.
28 فبراير 2026: أغلق مضيق هرمز
في أعقاب الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومقتل علي خامنئي، لم ترد طهران بالمثل. بل فعلت ما كانت تُحضّر له لعقود، في 28 فبراير 2026، أُغلق مضيق هرمز.
تقطعت السبل بنحو 20 ألف بحار و2000 سفينة في الخليج العربي. وارتفعت أقساط التأمين على عبور المضيق من أربعة إلى ستة أضعاف خلال أسبوع. وتجاوز سعر خام برنت 92 دولارًا للبرميل، بزيادة قدرها 28% خلال سبعة أيام. وسجلت وكالة الطاقة الدولية سحب نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا من خطوط الملاحة المعتادة. ويقدر صندوق النقد الدولي أن هذا هو أكبر اضطراب يشهده سوق النفط العالمي في تاريخه. القصة.
يمر عبر مضيق هرمز ما بين 25 و30 بالمئة من نفط العالم، ونحو 20 بالمئة من غازه الطبيعي المسال. ويسلك نحو ثلث شحنات الأسمدة العالمية المسار نفسه، وقد تزامن ذلك مع بداية موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي. وحذّر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية من أزمة غذائية موازية.
في 8 أبريل، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مؤقتًا، مع استئناف جزئي للملاحة البحرية. فرضت إيران نظامها الخاص بالمرور وبدأت بفرض رسوم تزيد عن مليون دولار أمريكي على كل سفينة.
بعد انهيار المفاوضات في إسلام آباد، أعلن الرئيس الأمريكي أن البحرية ستتولى حصار المضيق وتطهيره من الألغام ابتداءً من 13 أبريل. وفي 17 أبريل، أعلنت طهران إعادة فتح المضيق، لكنها تراجعت عن هذا القرار في اليوم التالي.
تتألف القوات الأمريكية في المنطقة من أكثر من 10,000 جندي وست عشرة سفينة، تشمل إحدى عشرة مدمرة، وحاملة طائرات، وسفينة قتال ساحلية، وثلاث سفن برمائية. ويمثل هذا حوالي 15% من الأسطول الأمريكي المنتشر آنذاك. ويتم توفير الدعم من خلال أكثر من مئة طائرة مقاتلة، ذاتية القيادة. طائرات بدون طيار وطائرات الاستطلاع والمراقبة، وناقلات الوقود. مجموعتان جاهزتان للعمليات البرمائية – بقيادة حاملتي الطائرات “يو إس إس طرابلس” و”يو إس إس بوكسر” – تتجهان نحو أكبر ممر ملاحي في العالم.
بحسب تقديرات من دوائر عسكرية أمريكية، يمكن مرافقة ما بين ثلاث إلى أربع سفن تجارية يوميًا، وذلك بتوفير غطاء جوي من سبع إلى ثماني مدمرات. ويُقدّر حجم حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز بعشرات السفن يوميًا. إن الفجوة بين ما يمكن لأكبر قوة بحرية في العالم توفيره وما يتطلبه الاقتصاد العالمي هي التكلفة الحقيقية لهذه الحرب.
لماذا تتوقف فكرة التفوق عن العمل؟
تتمتع الولايات المتحدة بتفوق عسكري مطلق على إيران وفقًا لجميع المعايير. إلا أن هذا التفوق لا يُزيل التهديد الإيراني للبنية التحتية العالمية الحيوية، ولن يُزيله في المستقبل المنظور. والسبب ليس نقصًا في الجهود، بل طبيعة المهمة نفسها.
إن التفوق العسكري يُمكّن من كسب المواجهة المباشرة، لكنه لا يُمكّن من إجبار الخصم على التخلي عن استراتيجية لا تتطلب مواجهة مباشرة. ليس على إيران أن تبحر في المحيط وتواجه مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية، بل يكفيها فقط الحفاظ على وجود تهديد في المضيق الضيق، وهو تهديد يتفاعل معه الاقتصاد العالمي أسرع من قدرة الآلة العسكرية على الاستجابة.
تعتمد الحرب غير المتكافئة ضد البنية التحتية على أسس اقتصادية لا عسكرية. فوجود لغم واحد لا تتجاوز تكلفته بضعة آلاف من الدولارات يُقلل من قيمة سفينة حربية تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات. كما أن إطلاق صاروخ كروز واحد من نفق في جبال هرمزجان يُجبر البحرية على إعادة النظر في خططها العملياتية للمنطقة برمتها.
ويمكن تلخيص الحسابات في أمر واحد:
يدفع المهاجم مبالغ زهيدة مقابل زعزعة الاستقرار، بينما يدفع المدافع مئات الملايين مقابل تحقيق الاستقرار.
وقد ساد منطق مماثل في البحر الأسود خلال الصراع الأوكراني. فقد طورت القوات الأوكرانية، التي كانت أقل كفاءة من البحرية الروسية في جميع الجوانب التقليدية، استراتيجية منع الوصول إلى البحر من خلال الدفاع الساحلي. سلاح المدفعية الطائرات المسيّرة منخفضة التحليق، والاستخدام التكتيكي للموارد السطحية المحدودة.
تختلف سيناريوهات الحربين، لكن المبدأ واحد:
أصبحت البنية التحتية وحرية الملاحة ساحة المعركة الرئيسية، لأن مهاجمتها تُحقق فوائد استراتيجية دون الحاجة إلى هزيمة العدو في قتال مباشر.
حدود الحماية
إن حماية البنية التحتية الحيوية بشكل كامل أمر مستحيل. هذه ليست مجرد عبارة بلاغية، بل حقيقة فنية. فإزالة الألغام تستغرق شهورًا وتتطلب سفنًا متخصصة، وهي نادرة في أي قوة بحرية. وقد أشارت التحليلات البحرية الأمريكية منذ زمن طويل إلى أن القوى الكبرى تمتلك عددًا قليلًا نسبيًا من وحدات مكافحة الألغام. وقد أخذت إيران هذا الأمر في الحسبان في تسعينيات القرن الماضي، واعتمدت على الألغام والزوارق الصغيرة تحديدًا لأن تكلفة إزالة الألغام تفوق تكلفة نشرها بأضعاف مضاعفة.
تتطلب حماية الملاحة البحرية وجودًا دائمًا وتستنزف موارد هائلة. تمثل نسبة الخمسة عشر بالمئة من الأسطول الأمريكي المنتشر حاليًا للحفاظ على الوضع في منطقة هرمز قوةً غير متوفرة في مناطق أخرى. يختبر كل يوم من الحصار مدى صمود سلاسل الإمداد وأنظمة القتال، مما يزيد الضغط الاستراتيجي دون الحاجة إلى تحقيق نصر بحري محلي.
يصبّ هذا التفاوت في مصلحة المدافع في النزاعات المحلية، إذ يمتلك الوقت والموقع الجغرافي والموارد الرخيصة. لكنه في الوقت نفسه يُكبّد من يحاولون فرض إرادتهم بالقوة العسكرية تكاليف باهظة. فالمعادلة لا تصبّ في مصلحة الطرف الأقوى.
ما الذي يمكن أن يحدث خطأً أيضاً؟
تتخبط الأزمة الحالية في عدة مسارات محتملة للتدهور، يُغيّر كل منها من حجم المشكلة:
المسار الأول تقني: أي خطأ تقني أو سوء فهم للنوايا في ظل وجود عسكري كثيف. وهناك سابقة: ففي 17 مايو 1987، هاجمت طائرة عراقية المدمرة الأمريكية “يو إس إس ستارك”، ما أسفر عن مقتل 37 بحارًا أمريكيًا، وكاد الوضع أن يتصاعد إلى حرب شاملة بين الولايات المتحدة والعراق. إن مضيقًا ضيقًا، مكتظًا بالرادارات والصواريخ والزوارق الصغيرة، هو تحديدًا مسرح العمليات الذي تكون فيه تكلفة أي خطأ فادحة.
المسار الثاني اقتصادي: فبحسب بنك أوف أمريكا، قد يؤدي استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل لعدة أشهر إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأكثر من 60 نقطة أساسية، ما قد يُفضي إلى ركود اقتصادي.
المسار الثالث تعطل طرق الشحن البديلة: فإذا تفاقمت أزمة مضيق هرمز نتيجةً لمزيد من الاضطرابات في حركة الشحن في البحر الأحمر أو حول رأس الرجاء الصالح، فإن التجارة البحرية العالمية ستنكمش إلى مستويات حرجة تكاد تكون معدومة.
تحول حدث بالفعل
في نصف القرن الذي انقضى بين زرع الألغام في مضيق هرمز عام 1988 وحصاره عام 2026، حدث تحول لم تُفهم عواقبه بالكامل بعد. لم تعد البنية التحتية مجرد أداة تخدم الحرب، بل أصبحت هي الغاية من الحرب، وهي التي تحسمها.
أرست حرب ناقلات النفط سابقةً، وطوّرت إيران هذا النهج الدفاعي المتكامل ليصبح عقيدةً راسخة. أما أزمة هرمز عام 2026 فقد أطلقت العنان لهذه العقيدة على نطاق عالمي، وأثبتت فعاليتها ضد قوة عظمى.
لهذا الأمر تداعيات العملية متعددة على القوى البحرية، لم يعد تطوير تدابير فعالة وسريعة لمكافحة الألغام مهمة تقنية بحتة، بل أصبح أولوية استراتيجية. تتطلب حماية البنية التحتية للطاقة نهجًا متكاملًا، بدءًا من الأمن المادي وصولًا إلى الأمن السيبراني وتنويع المسارات. لم تعد أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي متعددة الطبقات، المصممة لمواجهة التهديدات غير المتكافئة في المياه الضحلة، خيارًا، بل ضرورة حتمية.
لكن الاستنتاج الرئيسي ليس تقنيًا، فأي اقتصاد يعتمد على سلاسل إمداد طويلة وهشة للطاقة والغذاء، يصبح عرضةً للوقوع رهينة. ولا تتحقق القدرة على الصمود في وجه هذه الصدمات بالوسائل العسكرية، بل بتنويع مصادر الإمداد، وبناء احتياطيات استراتيجية، وتطوير مسارات بديلة.
الخلاصة: من يفشل في بناء هذه القدرة على الصمود في زمن السلم، فيجد نفسه في موقف ضعيف في المفاوضات أثناء الحرب.



