أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

الانتخابات الإسرائيلية وتداعياتها المحتملة على الحسابات الأمريكية والأمن الإقليمي

لا تمثل الانتخابات الإسرائيلية الحالية انتقال محسوم للسلطة، بل تكشف عن أزمة في تحويل التفويض الانتخابي إلى أغلبية حكومية قابلة للاستمرار. وتتمثل الدلالة الأساسية في أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يستطيع الاحتفاظ بأفضلية تفاوضية حتى في حال عدم امتلاكه أغلبية برلمانية، بينما يواجه منافسوه مشكلة مقابلة تتمثل في ضرورة توحيد قوى متباينة سياسيا وأيديولوجيا حول بديل حكومي قابل للحياة.

وتشير الأرقام الجزئية المتاحة في 28 أكتوبر إلى تقدم معسكر نتنياهو، مع بقائه دون عتبة الأغلبية المطلوبة، في حين لم يتمكن المعسكر المنافس بقيادة غادي آيزنكوت من تأمين أغلبية مستقلة. ولا تزال هذه الأرقام أولية وقابلة للتغير، بما يفرض عدم التعامل معها باعتبارها أساسا نهائيا للحكم على مآل تشكيل الحكومة.

يستند هذا التقدير إلى فرضية مفادها أن العامل الأكثر تأثيرا في المرحلة المقبلة لن يكون حجم التقدم الانتخابي وحده، بل قدرة كل معسكر على تجاوز القيود التي يفرضها شركاؤه المحتملون، وتحمّل التنازلات اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة. مرجع النتائج الجزئية

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن النتيجة لا تفرض بالضرورة تغييرا في العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، لكنها ترفع مستوى عدم اليقين بشأن الجهة التي ستتخذ القرارات الإسرائيلية المقبلة، والقيود السياسية التي ستواجهها، ومدى قدرتها على الالتزام بتفاهمات أمنية وإقليمية طويلة الأمد.

ولا تتوافر في المواد التي أمكن التحقق منها وثيقة استخباراتية أمريكية أصلية تثبت أن المؤسسات الأمريكية تبنت حكما نهائيا موحدا بشأن نتائج الانتخابات. وعليه، فإن التقدير الأمريكي الوارد في هذه الوثيقة هو إعادة بناء تحليلية للمصالح والقيود والخيارات المحتملة، وليس نقلا عن تقييم سري منسوب إلى واشنطن.

طبيعة المأزق السياسي الإسرائيلي

تكشف النتيجة الأولية عن انفصال بين ثلاثة عناصر ينبغي عدم الخلط بينها: حجم التمثيل البرلماني، والقدرة على تشكيل الحكومة، والقدرة على ضمان استمرارها.

قد يكون المعسكر الأكبر انتخابيا عاجزا عن تشكيل أغلبية بسبب رفض بعض الأحزاب المشاركة معه، أو بسبب تعارض مطالب الشركاء المحتملين. وفي المقابل، قد تتمكن المعارضة من جمع عدد كاف من المقاعد نظريا، لكنها تفشل في الاتفاق على رئيس الحكومة أو البرنامج السياسي أو حدود التعاون مع الأحزاب العربية.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في الحالة الإسرائيلية، لأن الأحزاب الصغيرة تستطيع التأثير في القرار الحكومي بما يتجاوز وزنها الانتخابي المباشر، عندما يصبح دعمها ضروريًا للوصول إلى أغلبية الكنيست.

وتبرز هنا ثلاث نقاط حاسمة:

أولا، إن تقدم الليكود لا يضمن استمرار نتنياهو، لكنه يمنحه موقعا تفاوضيا يمكن استخدامه لاستقطاب شركاء أو إطالة أمد المفاوضات.

ثانيًا، إن إخفاق المعارضة في تأمين أغلبية لا يعني بالضرورة أن نتنياهو يحظى بتفويض سياسي جديد، فقد يكون استمرار المأزق نتيجة عدم قدرة خصومه على الاتفاق، لا نتيجة تجدد الدعم الشعبي له.

ثالثا، إن تركيبة الحكومة، إذا تشكلت، قد تكون أكثر أهمية من هوية رئيسها. فحكومة تعتمد على أحزاب تفرض شروطا صارمة بشأن الخدمة العسكرية أو الاستيطان أو السياسة الأمنية قد تكون أقل قدرة على تقديم تنازلات خارجية، حتى إذا كان رئيسها راغبًا في ذلك.

وبالتالي، فإن المأزق الحالي لا ينبغي تفسيره على أنه انتصار حاسم لأي طرف. إنه وضع تفاوضي مفتوح، تتحدد نتيجته من خلال تفاعل الأرقام البرلمانية مع القيود الأيديولوجية ومصالح الأحزاب.

التقدير المحتمل للحسابات الأمريكية

من المرجح أن تنظر واشنطن إلى النتيجة من زاوية استمرارية القرار الإسرائيلي وقدرة الحكومة المقبلة على تنفيذ التزاماتها، وليس من خلال هوية الفائز الانتخابي وحدها.

وتنبع هذه القراءة من طبيعة المصالح الأمريكية في إسرائيل والمنطقة. فالتعاون الدفاعي والاستخباراتي، وأمن القوات والمصالح الأمريكية، وإدارة التهديد الإيراني، ومنع توسع المواجهات الإقليمية، كلها ملفات لا تتوقف بمجرد بدء مفاوضات تشكيل الحكومة.

غير أن استمرار المصالح المشتركة لا يعني تطابق التقديرات السياسية. فقد تتفق واشنطن وإسرائيل على طبيعة تهديد أمني، لكن تختلفان بشأن توقيت الرد، أو نطاقه، أو المخاطر التي ينبغي قبولها لتحقيق هدف معين.

ومن هنا، يمكن افتراض أن الإدارة الأمريكية ستواجه ثلاثة اعتبارات متزامنة:

الأول هو ضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال والتنسيق الأمني خلال فترة عدم اليقين السياسي الإسرائيلي.

والثاني هو تجنب ربط المصالح الأمريكية بشخص رئيس الحكومة وحده، بما يضمن استمرار التواصل مع المؤسسات الأمنية والدبلوماسية الإسرائيلية مهما كانت نتيجة المفاوضات الائتلافية.

والثالث هو تقييم مدى قدرة الحكومة المقبلة على تنفيذ تفاهمات تتطلب قرارات سياسية مكلفة داخليًا، خصوصًا عندما تتعارض متطلبات التنسيق الخارجي مع شروط بقاء الائتلاف.

لكن لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن واشنطن قررت بالفعل دعم صيغة حكومية بعينها، أو إن مؤسساتها توصلت إلى حكم نهائي بشأن ملاءمة نتنياهو أو آيزنكوت لقيادة المرحلة المقبلة.

كما ينبغي عدم افتراض أن العلاقة السياسية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونتنياهو تلغي الاختلافات المحتملة في المصالح. فالعلاقة الشخصية قد تسهل التواصل، لكنها لا تضمن التوافق بشأن الخيارات العسكرية أو إدارة غزة أو حدود التصعيد مع إيران.

إيران بوصفها الاختبار الاستراتيجي الأهم

يمثل الملف الإيراني أحد أهم المجالات التي يمكن أن تكشف مستوى التوافق الفعلي بين واشنطن والحكومة الإسرائيلية المقبلة.

ولا تكمن المسألة في وجود توافق عام على اعتبار إيران مصدرا للتهديد، بل في تحديد الأهداف النهائية للسياسة تجاهها، والوسائل اللازمة لتحقيقها، وتكلفة كل خيار على المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

قد ترى القيادة الإسرائيلية أن نافذة العمل العسكري محدودة، وأن التأخير يزيد المخاطر المستقبلية. في المقابل، قد تركز واشنطن على ضرورة منع توسع المواجهة، وحماية القوات الأمريكية، وتجنب الانزلاق إلى التزامات عسكرية طويلة الأمد.

وهذه فرضية تحليلية عن احتمال اختلاف الأولويات، وليست دليلا على وجود خلاف فعلي أو قرار عملياتي محدد.

وتتوقف دلالة الانتخابات على هذا الملف على طبيعة الحكومة المقبلة وقدرتها على ضبط عملية صنع القرار. فالحكومة المتماسكة قد تكون أكثر قدرة على تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد، لكنها قد تمتلك أيضا حرية أكبر في اتخاذ قرارات مستقلة. أما الحكومة الضعيفة فقد تواجه صعوبة في الحفاظ على سياسة متسقة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها أقل ميلًا إلى التصعيد.

ويجب كذلك تجنب الاستنتاج العكسي، أي افتراض أن استمرار نتنياهو سيؤدي حتما إلى مواجهة جديدة، أو أن وصول حكومة بديلة سيؤدي تلقائيا إلى تهدئة العلاقة مع إيران.

والحكم الأكثر انضباطا هو أن الانتخابات لا تحدد وحدها اتجاه السياسة الإيرانية؛ بل تحدد جزئيًا البيئة السياسية التي ستُتخذ فيها القرارات، بينما تظل التهديدات الفعلية والتقديرات العسكرية والدبلوماسية عوامل مستقلة وحاسمة.

غزة والضفة الغربية وحدود التوافق مع واشنطن

يمكن أن تظهر الخلافات الأمريكية الإسرائيلية بصورة أوضح في الملفات التي تتطلب تحويل الأهداف الأمنية إلى ترتيبات سياسية قابلة للتنفيذ.

في غزة، يتعلق الاختبار بقدرة الحكومة الإسرائيلية المقبلة على التوافق مع ترتيبات عملية بشأن الأمن والإدارة والمساعدات وإعادة الإعمار، وبمدى استعدادها لقبول التزامات يمكن مراقبة تنفيذها.

وفي الضفة الغربية، تتمثل المؤشرات المهمة في القرارات المتعلقة بالاستيطان، والإجراءات الأمنية، والتعامل مع العنف، ومدى استعداد الحكومة لتجنب خطوات قد تزيد التوتر مع واشنطن أو مع الشركاء الإقليميين.

وقد تواجه أي حكومة إسرائيلية معضلة بين متطلبات الاستقرار الداخلي والتفاهمات الخارجية. فإذا كان بقاؤها يعتمد على أحزاب ترفض تقديم تنازلات في هذه الملفات، فقد تتقلص مساحة المناورة المتاحة لرئيس الحكومة، حتى إذا كان يرى فوائد استراتيجية في التفاهم مع الولايات المتحدة.

لكن لا يجوز افتراض أن حكومة بديلة ستكون بالضرورة أكثر استعدادًا للتسوية، أو أن حكومة بقيادة نتنياهو ستغلق جميع مسارات التفاهم. فهذه النتائج تعتمد على البرنامج الحكومي، وتركيبة الائتلاف، وتقدير التكاليف الأمنية والسياسية، لا على التصنيف الأيديولوجي وحده.

وبالنسبة إلى واشنطن، سيكون الاختبار العملي هو قدرة الحكومة الإسرائيلية على تحويل التفاهمات المعلنة إلى قرارات قابلة للتنفيذ، لا مجرد استخدام خطاب دبلوماسي أكثر توافقًا.

الفرضيات المتنافسة ومؤشرات الاختبار

الفرضية الأولى هي أن نتنياهو سيتمكن من تشكيل حكومة جديدة، مستفيدا من موقع الليكود المتقدم وقدرته على استقطاب شركاء من اليمين. ويعزز هذه الفرضية نجاح المفاوضات في إنتاج أغلبية واضحة، مع بقاء الأحزاب الأساسية مستعدة لتقديم تنازلات متبادلة. أما فشلها فيتضح إذا بقيت الفجوات بين الشركاء أكبر من قدرتهم على التوافق.

الفرضية الثانية هي أن المعارضة ستتمكن من تشكيل حكومة بديلة، إذا نجحت في تحويل رفض استمرار نتنياهو إلى اتفاق بشأن القيادة والبرنامج الحكومي. ويتوقف تحققها على مدى استعداد القوى المعارضة لتسوية خلافاتها بشأن الأحزاب العربية والسياسة الأمنية والملفات الداخلية. أما استمرار التناقضات بينها فسيضعف فرصها، حتى إذا كانت تمتلك وزنا برلمانيا يسمح نظريًا ببناء أغلبية.

الفرضية الثالثة هي استمرار المأزق، بما يؤدي إلى مفاوضات طويلة أو إلى حكومة ضعيفة أو انتخابات جديدة. ويزداد احتمالها إذا أخفقت المعسكرات المتنافسة في التوصل إلى صيغة قابلة للاستمرار. غير أن استمرار المأزق لا يعني توقف مؤسسات الدولة أو انهيار التعاون الأمني الخارجي؛ بل قد يعني أن القرارات الاستراتيجية الجديدة ستواجه قيودًا سياسية أكبر.

لا يمكن في المرحلة الحالية منح هذه الفرضيات احتمالات رقمية موثوقة. والأجدى هو تحديث التقدير كلما ظهرت معلومات رسمية عن النتائج، أو اتفاقات ائتلافية، أو قرارات حكومية فعلية.

حدود الاستنتاجات وما لا يمكن إثباته

يجب الفصل بين المعلومات المؤكدة، والاستنتاجات المرجحة، والفرضيات التي لا تزال مفتوحة.

المعلومة المؤكدة في حدود البيانات المتاحة هي أن الأرقام الانتخابية الجزئية لم تحسم تشكيل الحكومة، وأن كلا المعسكرين يواجه قيودًا في الوصول إلى أغلبية برلمانية مستقرة.

أما الاستنتاج المرجح فهو أن المفاوضات الائتلافية ستؤثر في قدرة الحكومة المقبلة على اتخاذ قرارات استراتيجية، وأن واشنطن ستحتاج إلى التعامل مع مرحلة من عدم اليقين بشأن تركيبة القيادة الإسرائيلية المقبلة.

أما ما لا يمكن إثباته حاليًا فهو وجود تقييم استخباراتي أمريكي سري موحد، أو قرار أمريكي نهائي بدعم رئيس حكومة معين، أو خطة عملياتية مرتبطة بنتيجة الانتخابات. ولا يمكن استنتاج هذه الأمور من الحسابات المنطقية وحدها.

ولذلك، فإن أي نسخة نهائية مهنية يجب ألا تنسب إلى أجهزة الاستخبارات الأمريكية أحكامًا لم تصدر عنها في وثائق أمكن التحقق منها، وألا تستخدم تعبيرات مثل “المعلومات السرية تؤكد” أو “التقدير الأمريكي الداخلي خلص إلى” من دون أساس أصلي موثوق.

الخلاصة النهائية

تكشف الانتخابات الإسرائيلية عن استمرار الانقسام السياسي، وعن صعوبة تحويل التقدم الانتخابي إلى أغلبية حكومية مستقرة. ويمنح هذا الوضع نتنياهو فرصة تفاوضية، لكنه لا يضمن بقاءه في السلطة، كما لا يمنح المعارضة فرصة تلقائية لتشكيل حكومة بديلة.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الأولوية الاستراتيجية المرجحة هي الحفاظ على استمرارية التعاون الأمني، مع تجنب الاعتماد على افتراضات غير مؤكدة بشأن هوية الحكومة المقبلة أو توجهاتها. وستتحدد درجة التوافق الفعلي مع واشنطن وفق قرارات الحكومة، وطبيعة ائتلافها، ومدى استعدادها لتحمل الكلفة الداخلية للتفاهمات الإقليمية.

وتبقى إيران وغزة والضفة الغربية أهم الملفات التي يمكن أن تكشف حدود هذا التوافق، لأنها تجمع بين الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية والمصالح الأمريكية والتكاليف الإقليمية المحتملة.

لا تتيح المعطيات المتاحة الجزم بأن الانتخابات أفضت إلى تحول استراتيجي في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. لكنها تشير إلى أن عدم اليقين بشأن تشكيل الحكومة قد يؤثر في قدرة إسرائيل على اتخاذ قرارات متماسكة، وفي قدرة واشنطن على التأثير في تلك القرارات. ويظل العامل الحاسم هو ما ستنتجه المفاوضات الائتلافية من سلطة قابلة للاستمرار، ثم ما ستتخذه هذه السلطة من قرارات فعلية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق