الإعلام والظاهرة الإرهابية في تونس

اعداد الدكتور جلال التليلي: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 12-03-2026

تقديـم

عرفت الظاهرة الإرهابية المعاصرة عدة تغيرات بنيوية ووظيفية تحولت بفعلها إلى ظاهرة إعلامية فرجوية تبعا لاستراتيجية الفاعل الإرهابي في توظيف أحدث تكنولوجيات الوسائط الاتصالية والإعلامية مستفيدا من الطبيعة التنافسية داخل الحقل الصحفي بتسابق الفاعلين الصحفيين على الاستثمار الإعلامي في الأحداث الإرهابية من أجل رهان الاستئثار بأعلى نسب المستهلكين للمنتوج الصحفي تدعيما لمواقعهم المهنية ومن ثمة إعادة بيعهم للإشهار التجاري[1]. فعلى الرغم من الاستعداء المتبادل بين الصحفيين والإرهابيين نظرا لتناقض مشروعيهما بين الطبيعة التحررية للصحافة التي لا تحقق وظائفها إلا من خلال ضمان حريات الرأي والتعبير والنشر، وبين الطبيعة التيوقراطية الكليانية المعادية للحريات العامة والخاصة من جانب الفاعل الإرهابي، إلا أن كلا استراتيجيتيهما عادة ما تتقاطعان موضوعيا لفائدة الدعاية الإرهابية، إن عالميا أو محليا مع اختلاف السياقات والتجارب[2]. ففي مجال التغطية الإعلامية للطبيعة النوعية الإستثنائية للأحداث الإرهابية تحوّل الصحفيون على الصعيد العالمي إلى خزان من المساندة غير المباشرة بعضها مقصود وبعضها الآخر غير مقصودة، أصبحت مكونا أساسيا من الظاهرة الإرهابية توجه ممارستها في اختيار ضحاياها وتوقيتها وأدواتها ذات الدلالة الرمزية التي تفرض نفسها “بصناعة الصدى الإعلامي المضاعف”[3]، تحت ضغط إكرهات المهنة الصحفية بوظائفها الإخبارية التحليلية وبفعل ما تعرفه بعض الإسترتاتيجيات الصحفية من زبونية سياسية[4] تمنعها من تجاوز عفويتها وانطباعيتها كما يُفترض خاصة في السياق المحلي التونسي.
فمع ارتباط الوظائف الكلية للاتصال والإعلام بتنامي الحاجات الفردية والجماعية لاستهلاك المنتوجات الصحفية بما توفره من معلومات ومعطيات أصبحت ضرورية في المجتمع المعاصر لتحقيق الاندماج داخل مختلف جماعات الانتماء الثانوية والجماعات المرجعية، لم يعد من الممكن فهم الظاهرة الإرهابية المعاصرة وتحليل تعقيداتها الهيكلية والسياقية خارج تمثلاتها الإعلامية إخبارا ووصفا وتحليلا، طالما أن أساس الصراع معها يقام على مستوى الفضاء العمومي. فدون استهداف الرأي العام في انفعالاته وأحكامه وتأزيم علاقته بالسلطة السياسية، تفقد الاستراتيجيا الإرهابية أهم أسلحتها في الدعاية والتأثير، كما لا يمكن لسلطة الدولة أن تنجح في مقاومة الإرهاب دون تعبئة الرأي العام واستثمار طبيعة الوساطة الإعلامية، في تجديد مشروعيتها السياسية على قاعدة الحفاظ على الأمن العام وحماية المواطنين. بين وظيفة ضمان الحق العمومي في المعلومة الكاملة والإخبار عن الأحداث والظواهر بالوصف والتحليل، وبين مسؤولية الحفاظ على الأمن العام، تطرح إشكالية التناول الإعلامي للظاهرة الإرهابية بنوعية أحداثها داخل حقل ملغوم بالمنافسة المحلية والعالمية على متابعة الجمهور والتسابق على الاستئثار بعائدات الإشهار التجاري.
لمقاربة إشكاليات العلاقات الكامنة والظاهرة، الوظيفية والبنيوية بين الإرهاب والإعلام في السياق التونسي، يمكن لمفاهيم الحقل الصحفي والإستراتيجيا الصحفية والإرهابية أن توفر تحليلا سوسيولوجيا يكشف أبعاد التقاطعات المفترضة بينهما. فمفهوم الحقل الصحفي يستعمل هنا للتدليل على هيكلة المجال المهني المختص بإنتاج الخدمات الإعلامية والمؤطر بالقوانين الجزائية وبالقواعد الديونتولوجية المهنية المتعارف عليها، يشتغل كغيره من الحقول الاجتماعية وفق قواعد عامة وأخرى خصوصية تنظم علاقات الفاعلين الصحفيين الذين يتنافسون على جملة من الرهانات المطروحة لتحقيق الاستثمار في حجم رأس المال الرمزي وتحويل فائض قيمته إلى منافع وامتيازات[5].
يحيل مفهوم الاستراتيجيا الصحفية على خطة ضمنية تجمع جملة الأهداف مع الوسائل المتوافقة معها، يستعملها الفاعل فردا كان أو فرق عمل أو مؤسسات في صراعه مع بقية الفاعلين على رهانات الزيادة في حجم رأس ماله الرمزي دون تجاوز القواعد الديونتولوجية المشتركة، وهي تعبر عن “الأفعال والممارسات الواعية وغير الواعية فتؤلف وحدة موجهة موضوعيا تجاه أهداف قد تكون مغايرة للأهداف الذاتية تحت ضغط الإكراهات الخصوصية للحقل”[6]. أما المخزون الذي يستقي منه الفاعل عناصر إستراتيجياته، فيمثله “التطبع كنسق من الاستعدادات المكتسبة والدائمة التي تتحوّل إلى الفاعل عن طريق التعلم الضمني والمباشر من خلال الممارسة المهنية، تُطوّع لفائدة المصالح الموضوعية للفاعلين”[7]. بهذا المعنى تستمد الإستراتيجيا أغلب خصائصها من الموقع الذي يحتله الفاعل داخل الحقل ومصادر السلطة الرمزية التي يحوز عليها ومن الإكراهات الخصوصية للحقل الاجتماعي من ناحية، ومن العناصر الخارجية الناتجة عن المحيط الثقافي والسياسي لتداخل الحقول الاجتماعية من ناحية أخرى.
في الطبيعة الفرجوية للعنف السياسي: من العولمة إلى التوطين
تثير علاقة الإعلام بالإرهاب عديد الإشكاليات التي تمس تعريف الإرهاب وتستدعي السياقات المحلية والإقليمية والعالمية المحيطة بتمثل نمو الظاهرة وتطورها في السياق التونسي من المستوى الدعوي إلى متون الممارسة بدأ بالاغتيال السياسي إلى الإرهاب الجماهيري مرورا بإرهاب الجبال والصحاري إلى الإرهاب الحضري الانتقائي. كان يجب انتظار أحداث 11 سبتمبر 2001 حتى يعرف مفهوم الإرهاب تطورا على المستوى الأطر النظرية والتحليلية لعل أهمها تلك التعريفات التي تؤكد على عولمة الظاهرة وطابعها الاتصالي مقارنة بالتعبيرات الإرهابية القديمة من حيث تنظيماتها الشبكية ومدى حرفية المنفذين بتوفرهم على حرية المبادرات الفردية والمحلية في التنفيذ واستخدام الأسلحة والأدوات المتاحة، إلى جانب الخلفيات الدينية لإيديولوجيا “الجهاد المقدّس” التي تقدم نفسها قراءة مضادة للأحداث السياسية والعلاقات الدولية ولوضعيات الصراع. وهي العوامل التي تضافرت لإنتاج شكل جديد للإرهاب “انخفض معه عدد العمليات لكنه زاد من حجم العنف والضحايا وأعطاه بعدا فرجويا جديدا”[8]، حتى أصبحت الميزة الأساسية للإرهاب المعاصر مرتبطة بالاستفادة المضمونة من التغطية الإعلامية العفوية للدعاية المجانية غير المقصودة سواء في تعميم الرعب وصناعة التخويف وإرباك المجتمعين السياسي والمدني أو في توسيع دائرة المتعاطفين و تجنيد أكثرهم تحمّسا واستعدادا للمرور إلى الفعل المباشر. ولئن كان العنف السياسي قد اكتفى في مراحل تاريخية أولى باستهداف الرموز والمؤسسات السياسية، فأن تطور التقنيات الاتصالية والإعلامية وزيادة تأثير الرأي العام أدى خلال المراحل المعاصرة إلى تغيير نوعي بتوسيع دوائر تأثير الأحداث والضحايا نتيجة توسع الإعلام الجماهيري في تجاوز الحدود المحلية والوطنية للتأثير الدعائي المعولم و“صناعة الفرجة الدرامية المعممة بشكل موسّع”[9].
تبدو العلاقة المعولمة بين الإرهاب والإعلام في هذا المستوى علاقة عضوية من حيث صناعة السيناريوهات الفرجوية من قبل الإرهابيين وإخراجها على صفحات الجرائد وشاشات القنوات الفضائية وموجات البث الإذاعي من قبل الصحفيين، بينما يتولى المتعاطفون والأجهزة الاتصالية الإرهابية استكمال المشاهد الدرامية بالصور والتعليقات على صفحات المواقع الإلكترونية. فالفاعل الصحفي لا يمكن أن يتجاهل الحدث الإرهابي باعتباره حدثا نوعيا لا يكتفي بتحويله إلى “خبر الأخبار على الإطلاق” بل يصبح موضوع تغطية صحفية استثنائية وتناول إعلامي يفوق حيّزه الحيز المخصص لجميع الأحداث الأخرى، وذلك بفعل وظائفه المهنية الظاهرة التي يمكن إجمالها انتربولوجيا في استكشاف المحيط الاجتماعي والطبيعي وفهم ألغازه من أجل التكيف والاندماج، احتماء من مخاطره واستفادة من الفرص التي يوفّرها من خلال تناقل المعلومات وتداول التجارب وتحليل الظرفيات[10]. ومن جهته يعوّل الفاعل الإرهابي على هذه التغطية الإعلامية المضمونة للحدث الذي أصبح يصنعه خصيصا للتسويق الإعلامي لا لإلحاق الخسائر المادية والبشرية، بل أساسا لانتقاء الأهداف ذات الدلالة الرمزية من أجل نشر الرعب والارتباك بإنتاج حالات الفوضى السياسية والمدنية عبر ما يوفّره التسابق على التغطية الإعلامية من تعميم الآثار النفسية الاجتماعية وإعادة إنتاجها الموسعة.
أما العلاقة الوظيفية بين الإرهاب والإعلام فتحيل على ما يتوفر عليه هذا الأخير من تقنيات الصناعة التحويلية الضخمة تضمن لكل حدث إرهابي “موجات صادمة تتجاوز الآثار المادية المباشرة بفعل قانون الانتشار الإعلامي الموسع الذي يستغلّه الفاعل الإرهابي للحصول على المعادلة الازديادية المضاعفة”[11]. بالموازاة مع التطورات في تكنولوجيا الإعلام والاتصال تطورت الظواهر الإرهابية حتى أصبحت لصيقة بالاستعمالات الجماهيرية للميديا، لا يمكن أن تحقق أهدافها الدعائية خارج ما ينتظره الإرهابيون من المتابعة المعولمة للفرجة التي يصنعون أحداثها تاركين لوسائل الإعلام مهمة تحويلها الحينيّة وتضخيم أفعالها وفاعليها تنظيميا وبشريا وماليا، بما يؤول إليه من مضاعفة تأثير الأهداف الإرهابية على الرأي العام.
بعد أن كان الإرهاب في الخطاب الإعلامي المحلي ظاهرة أجنبية “نجح النظام السياسي في استبعادها إعلاميا” خلال المرحلة الأخيرة من الاستبداد تم التعتيم على بعضها مثل تفجير الغريبة بجربة في 11أفريل 2002 أو تصوّر على أنها حادثة إجرامية معزولة كما في أحداث سليمان في ديسمبر 2006،[12] تصدرت الأحداث الإرهابية الأخبار الصحفية والتحليلات الإعلامية بتناول متفاوت الحجم والمضمون بين المؤسسات الإعلامية بكل أنواعها، عبّرت عن مواقع الفاعلين الصحفيين داخل الحقل وخلفياتهم الفكرية وعن علاقاتهم الزبونية بالفاعلين السياسيين المهيمنين وفق استراتيجيات، بعض عناصرها ظاهرة وبعضها الآخر كامن في تطبّع الصحفيين.
فقد عرف هذا التناول تطورا موازيا لنمو الظاهرة في تونس عبر جملة من المراحل المتلاحقة مع اختلاف زوايا المعالجة من مؤسسة إعلامية إلى أخرى ارتباطا بالعوامل الهيكلية والظرفية المتحكمة في اشتغال الحقل الصحفي، تعبيرا عن طبيعة صراع المواقع من داخل الاستقطابات المهنية التي تتخذ أشكالا متنوعة تراوح بين ما هو إيديولوجي سياسي وما هو ديونتواوجي يرتبط أساسا بمحاولة بناء هوية مهنية مخالفة لنظيرتها الموروثة عن العهود الاستبدادية السابقة بما تحمله من عناصر القطيعة الشكلية الظاهرة وعناصر التواصل الضمني العميق. وسواء تعلق الأمر بتعريف الإرهاب والغوص في وصف فاعليه وسرد أحداثه أو بتفسير أسبابه وتحليل آليات اشتغاله وتوقع نتائجه وآثاره، ظل الإعلام التونسي في مجمله محاصرا بمنطق الاستراتيجيا الإرهابية غير قادر على صياغة استراتيجيا إعلامية موحدة تساعده على الإفلات من التقاطع العفوي مع الأهداف الاتصالية للفاعل الإرهابي، وتحيله على تخطّي “الوظائف الظاهرة المعلومة إلى تلك الوظائف الكامنة “[13] التي تنهض بها المؤسسات الإعلامية دون وعي مسبق منه فتتحقق كما في كل المؤسسات الاجتماعية خارج كل إرادة مقصودة من قبل الفاعل الاجتماعي. وهي الوظائف التي تتجدّد حسب إكراهات المعالجة الإعلامية بين حق الجمهور في الخبر والرأي لمساعدة المجتمع على فهم ظواهره والواجب المهني للصحفي في استخدام مهاراته الحرفية في توفير جودة تلك الخدمات من حيث الدقة والشمول من ناحية، وبين احترام المبادئ الديونتولوجية للمهنة مع تجنّب ما يهدد الأمن العام إن عاجلا أو آجلا من ناحية أخرى. غير أن تحقيق هذه المعادلة تزداد صعوبة مع إكراهات المنافسة الداخلية بين الفاعلين الصحفيين في إطار إعادة هيكلة الحقل بما يحمله تاريخ التطبع الخصوصي، ومع السياقات الاجتماعية الثقافية لعمليات التلقي لدى الجمهور الواسع، إذ تحيل جميعها في حالات التناول العفوي للإرهاب على الدعاية المجانية غير المقصودة لتحقيق آثار فرجوية صادمة مثيرة للانفعالات الفردية والجماعية، مستقطبة للاستهلاك الجماهيري الموسع لكنها مضاعفة نفسيا تتجاوز مجرد الآثار المباشرة للحدث الإرهابي، متقاطعة بذلك مع الأهداف الإرهابية المعاصرة في تحقيق ما سُمّي “الدعاية بالحدث”[14] التي أصبحت أكثر فاعلية وأبعد صدى مما كانت عليه أواخر القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين.
أما الإرهاب فيمكن البحث عن كيفية تمثله في الخطاب الإعلامي من خلال البحث في إعادة بناء المنطق الداخلي للفعل الصحفي والكشف عن طبيعة الرهانات التي تواجهه في تحديد مدى استقلالية الحقل الصحفي وصياغة تمثلاته الموجهة للممارسة الصحفية. تؤكد سوسيولوجيا العنف السياسي المعاصر أن ظواهر الإرهاب تنمو تناسبيا مع كيفية تمثّلها من قبل الجمهور المتلقي وبطريقة تأويلها عبر توسيط “الميديا التي تصنع واقعا موازيا ومتصرفا فيه“[15] بدأ من الاختيار الانتقائي للحدث وترتيبه وطريقة عرضه والتعليق عليه بإدماجه في سياق تمثّلي مغاير بالضرورة للسياق الذي حدث فيه.
من داخل هذا المنطق الخصوصي يتنافس فاعلوا الحقل الصحفي على جملة هذه الرهانات بغية تعزيز مواقعهم طلبا للتدرج في سلّم الهرم الرمزي، ضمن سياق محلي ارتبط بتغيّر طبيعة رهانات الزبونية السياسية الأحادية التي كانت مطروحة من قبل النظام السياسي التسلطي، إلى رهانات زبونية جديدة متعددة الأبعاد فتحت آفاقا جديدة للتنافس الصحفي خارج إطار وصاية الرقابة الذاتية والرقابة الاستباقية الردعية لفائدة رقابة تعديلية[16] مازالت تجربتها متعثرة وممزوجة برقابة استقطابية تابعة لموازين القوى السياسية القائمة، رغم تجنّب الدعاية السياسية المباشرة. فإعادة هيكلة الحقل الصحفي مازالت في طور التشكل حاملة معها بعض عناصر تطبع جديد لم ينجح في استكمال تشكله في تعايش مع عناصر التطبع الموروث من تراكمات تاريخ الحقل المشبّع بالارتهان للنظام السياسي التسلطي، مما يجعل الفاعل الصحفي يتموقع بالنظر إلى الفاعلين السياسيين المهيمنين من أجل ضمان الحماية من داخل أجهزة الدولة معبرين بذلك عن تجاذبات قوى المجتمع السياسي بتعارضاتها وتحالفاتها.
لا يمكن للتغطية الإعلاميّة للإرهاب باختلاف نوازعها أن تكون بريئة أو محايدة رغم ما يدّعيه الخطاب الصحفي من حرفية وموضوعية، بل هي حصيلة مركّبة من الآليات المهنية والسياسية والثقافيّة من الضروري فهم منطق اشتغالها وتفسير سلوكها المهني من أجل إدراك كيفية مساهمة وسائل الإعلام في صياغة التمثلات الاجتماعية للأحداث الإرهابية بل والتأثير غير المباشر في نمو الظاهرة وتغذية حواضنها الاجتماعية والسياسية والفكرية الكامنة. فقد أظهر الإعلام التونسي أنه يفتقد إلى استراتيجيا موحدة في التعامل مع الظاهرة الإرهابية من خلال تنوع استرتيجيات الفاعلين الصحفيين التي تلتقي في بعض الخصائص المشتركة رغم الاختلافات التي تصل حدّ التناقض. وغالبا ما يُقدّم الحدث الإرهابي على أنه حدث منعزل تنغمس في تغطية تفاصيله وصفا وسردا وليس باعتباره مكوّنا من ظاهرة أعم لها سياقها وإطارها ومحدداتها وأسبابها تنمو وتنتشر في بيئة لها كذلك مميزاتها الثقافية والسياسية، كما يُلاحَظ هيمنة السمة الإخبارية والعمومية مقابل غياب التحليل الاستقصائي. كما تشترك الممارسات الصحفية المتناولة للأحداث الإرهابية في الانتقائية منهجا شبه ملازم رغم اختلاف درجة الحرفية في استخدام تقنياتها، فتُنتقى المصادر الرسمية وشبه الرسمية مثلما تُعتمد مصادر الشبكات الاجتماعية بانتقاء نوعية المعلومات والتعليقات المدونة مقلدين بعض صياغاتها اللغوية التفاصحية دون تثبت من صحتها ومن خلفياتها. يشمل الانتقاء كذلك الشهادات الميدانية من مواقع الحدث والتحقيقات الصحفية حول الظاهرة باختيار ما يتماشى مع الخلفيات والأهداف من أجل إنتاج المعنى المقصود واستبعاد المعاني المضادة للتأثير في المتلقي، وهو نفس الانتقاء الممارس في اختيار المدعوّين وتوجيه النقاش المذاع أو المتلفز أو كذلك عند إجراء المقابلات الصحفية واختيار المقالات المنشورة من قبل غير الصحفيين.
استراتيجيا التضخيم: التقاطع الوظيفي
تختصّ هذه الاستراتيجيا بمجموعة من الملامح يمكن ملاحظتها من خلال الأشكال الصحفية المتبعة ومضامين الخطاب الذي تنتجه في تناول الظاهرة الإرهابية ملاحقة للأحداث والتصريحات وبحثا عن السبق الصحفي وكأن أصحابها أمام أحداث كارثية عادية يتعاطون معها دون تفكير وتروّ تفترضهما خطورة الموضوع وحساسيته، تشجعهم في ذلك طبيعة العمل الصحفي الذي يفترض ردود الفعل الحينية عكس المنتجات الثقافية الأخرى المتوفرة على استغراق ما يكفي لاستهلاك الحدث وإعادة بناءه المتروّية. إنه هو نوع من الصحافة العفوية التي تلاحق جميع أنواع الأحداث الخام دون تمييز منقادة فقط بصناعة الخبر الذي يشد المتلقي وإعادة استعماله في النقاش العمومي[17] دون مسافة نقدية ذاتية تمكّن الفاعل الصحفي من التفكير في طرائق التناول وتوقّع نتائج آثاره المفترضة في إمكانية التقاطع مع الأهداف الإرهابية الاتصالية الدعائية لاستنصار المتعاطفين وتخويف المحايدين وترويع المعارضين وبث الفوضى المدنية والإرباك السياسي ومن ثمّة فقدان الثقة في قدرة مؤسسات الدولة على حماية مواطنيها. أما الملمح الثاني لهذه الاستراتيجيا التضخيمية فتتمثل في تعمّد أساليب الإثارة الصحفية بالاستثمار في الأحاسيس والمشاعر تركيزا على الطابع الكارثي والمأساوي ظنا من أصحابها أنهم يتصدون للإرهاب بهذه التقنيات الصحفية المثيرة للانفعالات الغريزية حين يشدّون أكثر ما يمكن من المتلقين ويعبّئونهم بالأحكام الأخلاقية والإدانات الدينية على حساب الإدانة السياسية المدنية والحقوقية لجذور الفكر الديني المسيّس، وهو ما يحبّذه الفاعل الإرهابي الذي يستفيد من هذه “الدعاية بالإدانة” لتأكده أن صفاتها الأخلاقية سوف تنقلب إلى تمجيد من نفس الطبيعة حين تتوفر له فرص الإقناع التي لن تخذله من داخل ثقافة الإسلام السياسي. صحافة الإثارة في هذه الحالة كثيرا ما تصنع جمهورا عريضا دون أن تساعده على فهم الظاهرة ولا على بناء المواقف المدنية والسياسية الكفيلة بمقاومتها لأنها لا تخاطب العقول ولا ترشّد السلوك بقدر ما تستفزّ مشاعر الرهبة وأحاسيس الخوف المعمم لدى أوسع قطاعات الجمهور المتابع لأن التضخيم له وظيفة انفعالية ظرفية رافضة لكنها تنتهي بنهاية الانفعال[18] وتستقر في غياهب اللامبالاة والنسيان، في حين تقوّي نفس الانفعالات إرادة المتعاطفين وتحفزّ بعضهم للانخراط في العمل الإرهابي المباشر لمّا تتراكم لديهم طاقة الانفعالات النفسية اللاحقة فوق الدوافع الدينية والسياسية السابقة.
ولإضفاء مشروعية التخصص المفقود في قضايا الإرهاب والعنف السياسي لدى غالبية هؤلاء الصحفيين، يتمّ استدعاء “خبراء” مزيفين في أغلبهم لا يتقاسمون معهم فقط نفس المرجعية المعادية للإرهاب، بل يشتركون جميعا في نفس العفوية والإثارة تعويضا عمّا يفتقد إليه أغلبهم من معارف متخصصة ومؤهلات الخبرة البحثية الضرورية فيبقى التناول فضفاضا عاما لا يغوص في عمق الخلفيات الفكرية والجذور التاريخية للظاهرة وتعدد عواملها المفسرة، إذ يقعون بدورهم في نفس هذه الاستراتيجيا التي تعتقد أن التضخيم المعمّم يصدّ انتشار الإرهاب ويحدّ من آثاره.
يشمل هذا النوع من الصحافة العفوية التضخيمية التعريف الذي تقدمه للإرهاب من حيث المفهوم والأبعاد التي تمس خلفياته وتشخيصه ونتائجه دون تنسيب للمقاربة التي تعتمدها، فتعتبره كارثة العصر الحديث وتسقط في تقليد للصحافة العالمية المهيمنة فتعرّف أحداثه على أنها أضخم من أحداث القرن العشرين[19] وأكثرها كارثية وتهديدا للبشرية رغم ما شهده هذا القرن من هول الحروب العالمية والأهلية والتحريرية من حيث الخسائر البشرية والمادية ومن آثار السقوط المدوي لجدار برلين، بنتائجها الجيو السياسية التي غيرت مصير أغلب المجتمعات. كما ينتشر التعريف الإعلامي في هذا الصنف من الخطاب المتضمن للأبعاد الإجرامية والأخلاقية للإرهاب، لا باعتباره أحد أشكال العنف السياسي الانتقائي المنظم، فيميز تبعا لذلك بين الإرهاب والاغتيال والتهديد بالقتل، ويفصله دون قصد عن غاياته السياسية التي تستهدف النفسية الجماعية بنشر الرعب والترويع لتغيير موازين القوى السياسية. أما من حيث علاقة المفهوم المتداول للإرهاب بمفهوم الجهاد في هذا الخطاب، فتضل علاقة ضبابية تميز بينهما أحينا وتدمجهما أحيانا أخرى إذ كثيرا ما يشتغل في تحليلاته على حجّة أن ضحاياه مسلمين وكأنه يحلّ على غيرهم من معتنقي الديانات والمذاهب الأخرى أو من اللادينيين.
انطلاقا من هذا المفهوم السائد في أغلب وسائل الإعلام التي تتبنى هذه الإستراتيجيا، يمكن تفحّص مكوناتها تباعا بالانطلاق من ردود الفعل الصحفية تجاه الحدث الإرهابي في حد ذاته بالوصف المبالغ لأدق جزئياته والسرد المطنب لفصوله لحظة بلحظة بل وإعادة تمثيل مراحله بطريقة كاريكاتورية في أغلب الحالات، وهي التغطية المعتادة بالصور الصادمة والتعليقات اللغوية تصل حدود التفاصح اللغوي التمويهي من أجل إنتاج فرجة درامية موازية على الركح الإعلامي غير وفية لمنطق الحدث الذي تريد تصويره[20] نتيجة انقياد الفاعل الصحفي بما يضمن شدّ أكثر ما يمكن من المتلقين. فالانغماس في التفاصيل المأساوية التشويقية غير المملة تبعا للهوس الصحفي بوقعها في المتلقي عادة ما تذيب هذا الصنف من الصحفيين في ضخامة المشهد الذي بنوه وأثثوه بمختلف تقنياتهم الصحفية حتى يتعالى عنهم فيصبحون جزء من الحدث فاقدين لمسافة الأمان النقدية الفاصلة بين الذات الصحفية والموضوع المعالج، يعوزهم الإفلات من العفوية الصحفية ويقبع أغلبهم في دائرة مفرغة من تكرار برامج التغطية المستنسخة لبعضها البعض إلا ما يستثنى من استفاقة البعض ولكن بعد فوات ما استغرقته المعالجة المضخّمة من وظائف دعائية كامنة غير مقصودة لصالح الاستراتيجيا الإرهابية التي لا يهمها عدد ضحايا اعتداءاتها بقدر ما يهمها التزايد المطرد لعدد الذين يتأثرون بموجات الصدمات الإعلامية المتتالية للمصير المأساوي للأبرياء.
لا تقف حدود هذه الاستراتيجيا عند صناعة الدراما الفرجوية العامة للحدث، بل تتجاوزه إلى تأثيثها بأسطرة الفاعل الإرهابي ذاته منفّذا ومنظّما وداعما ومحرّضا، فتبالغ في تصوير القدرات النفسية الخارقة للمنفذين في الإقبال على التضحية بالنفس وبالآخر بما يتضمنه الوصف التفاصحي من المعاني الكامنة في الخطاب الإعلامي حول صفات “الشجاعة والإقدام وقوة الإرادة”. وبالمقابل، فإن الصفات المناقضة لا يتم إطلاقها إلا من باب الشتيمة الأخلاقية ولا تعبر في التصور الصحفي إلا عن إدانة لفظاعة الاعتداءات ووحشيتها ولا تخرج بالتالي عمّا يمكن أن يستفيد منه المنطق الإرهابي من خلال الدعاية له بتكرار إدانة أفعاله الدرامية[21] ليحفر حضوره في التمثل الجماعي لمشروعية العف السياسي وسيلة لتطارح المشاريع الدينية. أما السرد الصحفي لتفاصيل تحركات المنفذ الإرهابي، فلا تقلّ إسهابا وتضخيما “لدقّة حرفيّته” ملحقا إياها بسلوك النخب العسكرية في المهمات القتالية الخاصة مطلقا العنان لخيال صحفي يتفنن في رواية الأحداث لكنه يضلّ محاصرا بالعفوية المهنية التي تمنعه من التفكير في ممارسته المهنية وتوقع النتائج النفسية والذهنية المفترضة على متلقّ متعدد ومتنوع، جاهز للتطبيع مع الرواية الصحفية الأسطورية التي قد تساعده على استخدامها في إنتاج معان مناقضة للمعاني المقصودة من هذا الخطاب.
من داخل نفس المنطق الذي يتوهّم أن تضخيم الظاهرة يساهم في صدّ آثارها، يمارس الخطاب الصحفي لأصحاب هذه الاستراتيجيا تناولا مبالغا فيه بتصوير الآلة التنظيمية للجماعات الإرهابية الناشطة محليا في مستوى الاشتغال مفرط الدقة لهياكلها وتوزيع الأدوار بين قيادتها المركزية وفروعها الإقليمية وخلاياها المحلية، إلى جانب المغالاة الخيالية في تحليل فاعلية التراتبية التنظيمية الصارمة بين أعضائها من حيث الدعم والاتصال وحرية الحركة والتنفيذ، وكأنها تنظيمات تشتغل بكامل الحرية خارج الملاحقات الأمنية والعسكرية. ومما يزيد في شحن الصورة الإعلامية المضخّمة عن الظاهرة الإرهابية تلك المبالغات المرتبطة بالقاعدة اللوجستيكية التي تتوفر عليها هذه التنظيمات من معدات عسكرية ودعم مالي يفوق ميزانيات بعض الدول وكأنها جيش نظامي متناهي الحرفية، وهو ما يوحي باقتراب هول الكارثة فيُشعر كل متلقّ بأنه سيكون ضحية ” الصدفة المقصودة” القادمة للاعتداء الوشيك. وحتى يكتمل المشهد الدرامي القائم في معظمه على نوع من الخيال المصدّق الذي يفيض بصوره الوصفية والسردية المزدحمة في الخطاب الإعلامي، ينبري أصحاب هذه الاستراتيجيا يشيدون بالقدرات الكاريزمية الخارقة لأشباح من شيوخ المحرضين والمتآمرين فيتم تصويرهم على أنهم سحرة العصر الإرهابي الحديث يتوفرون على كل الطلاسم الغاسلة للمخّ والعابثة بعقول الشباب المغرر به.
لا شك أن الجماعات الإرهابية تحوز على قدرات تنظيمية ومالية كبيرة بشبكات الفساد العالمي[22] وتمارس تدريبات دقيقة وجدية ومن حق المواطنين معرفة كل المعطيات الكمية والكيفية حولها لكن دون مبالغات قد تتحول إلى مغالطات أغلبها غير مقصود لذاته، فبعض مصادر هذه المعلومات والتقارير التي يستند إليها الصحفي غير معروفة وبعضها الآخر لا تتوفر على المصداقية العلمية الكافية، ينتشر أكثرها على شبكات الانترنات والتواصل الإلكتروني. كما أن وحشية الممارسات الإرهابية يجب أن تنقل إلى الجمهور باعتبارها حق مكفول لكل المواطنين، غير أن تضخيمها سواء بدوافع الإثارة وحشد المتابعة لتحقيق أرباح الإشهار التجاري أو بدوافع النجومية الصحفية لزيادة حجم رأس المال الرمزي، إنما ينحرف بالوظائف الإعلامية ويهدد مصداقية الصحافة مثلما يعطل تحررها وتحوّلها إلى سلطة رابعة موازية أو مضادة مادامت لم تحقق الحد الأدنى من الاستقلالية والنضج تجاوزا للزبونية والعفوية اللتان تميزان الاستراتيجيا التضخيمية في مستوى تناول الظاهرة الإرهابية.
من خلال تتبع الخصائص العامة لهذه الاستراتيجيا الصحفية وتفكيك وسائلها في تناول الظاهرة الإرهابية بالتضخيم والإسهاب، يمكن تلمس ملامح أصحابها من الفاعلين الصحفيين وتحديد دوافعم المهنية وخلفياتهم السياسية من أجل مقاربة تبنّيهم لهذه الاستراتيجيا من داخل المواقع التي يحتلونها في الحقل الصحفي وبحسب نوعية التطبع الخصوصي الذي اكتسبوه بالوراثة التاريخية والممارسة الميدانية. ينحدر أغلب هؤلاء الصحفيّين من مواقع مهيمنة داخل الحقل يعود تاريخها للمراحل الاستبدادية المعروفة بإعلام السلطة والدعاية السياسية[23]، سرعان ما استعادوا مواقعهم بتغيير المواقف القديمة تكيّفا مع ما أفضت إليه توازنات المشهد السياسي والإعلامي منذ 2011 باحثين عما يحمي مكانتهم من تهديد منافسيهم ممن كان مهمين عليهم ومن الوافدين الجدد حاملي شعارات التغيير والإصلاح. وبحكم “دولنة الإعلام” طيلة مرحلة البناء الوطني[24]، حافظ أصحاب هذه المواقع على تقاليد التحديث المحافظ مع إضافة جرعات إصلاحية من الديمقراطية السياسية وحرية الصحافة، ووجدوا في مناهضة الإسلام السياسي ومناصرة معارضيه وسيلة للحفاظ على استقلالية الحقل المهدد بالأسلمة وطريقا للتواصل مع الماضي التحديثي الذي كانوا قد انتسبوا إليه، وهو ما سيقود لاحقا إلى الانخراط المبكّر في معاداة الإرهاب منذ أولى بوادره وبناء استراتيجيا مقاومة له اكتفت بتضخيمه دون أن تنجح في تطوير آليات مهنية لتناول الظاهرة بما ييسّر التوفيق بين الموضوعية الحرفية تجاه الحق في المعلومة وبين الانحياز لمقاومتها فتدعم مواقع أصحابها ومواقفهم وتتجاوز العفوية والارتهان بالاستقطاب السياسي.
انقاد هذا الصنف من الصحفيين أفرادا ومؤسسات بتبرئة الذمة من ثقل ما تورطوا فيه من علاقات زبونية مع التسلطية السياسية للنظام القديم مستخدمين تضخيم الظاهرة الإرهابية وتهويلها للنجاح في زيادة حجم رأس المال الرمزي واستعادة عديد المواقع المهيمنة القيادية داخل الحقل بطريقة نجومية للبعض في حين اختار البعض الآخر مواقع هيمنة بعيدا عن الأضواء بنفس المنطق وبنفس الخلفيات، مستفيدين في أغلبهم من تغذية حركية المنافسة المهنية وسهولة الانتقال من مؤسسة إعلامية إلى أخرى في إطار إعادة هيكلة الحقل مع ما يوفره ذلك من امتيازات رمزية وأرباح مادية وعلاقات زبونية جديدة متكيفة مع تنوع الفاعلين السياسيين المهيمنين.
أما الصنف الثاني من هؤلاء الصحفيين فيمثلون جيلا جديدا من الوافدين الجدد على الحقل الصحفي أو ممن كان مهيمن عليهم نتيجة مواقفهم التحررية، تبنّوا هذه الاستراتيجيا بدوافع مغايرة رغم مناهضتهم للإسلام السياسي بمختلف تفرعاته، كانوا قد تربوا سياسيا على بعض القيم التحررية داخل بعض الحركات الاجتماعية والمدنية، سرعان ما اكتسبوا تجربة صحفية مكنتهم من مراكمة راس مال رمزي في زمن قياسي بالتخصص في الإعلام السياسي. غير أن طبيعة الرهانات السياسية والأمنية المطروحة للمنافسة وتهديد الحقل بالأسلمة السياسية خلال حكم الترويكا بواسطة سياسة التعيينات الحزبية في المؤسسات العمومية والهرسلة الاستفزازية والتهديدات العنيفة لصحفيي القطاع الخاص، أقحم هذا الصنف في معركة استقلالية الحقل التي عرفت ذروة مواجهاتها باعتصام التلفزة مارس 2012 في إطار حملة منظمة ضد ما سمي “إعلام العار” وصدور “الكتاب الأسود” فوجدوا أنفسهم متقاربين مع زملائهم من الصنف الأول داخل نفس الخندق ومنقادين إلى تموقعات سياسية في مواجهة الإسلام السياسي، فقبلوا عفويا بتبني هذه الاسترتيجيا التضخيمية الجاهزة بخلفية مواجهة الإرهاب. رغم اختلاف الدوافع المهنية والخلفيات السياسية بين الصنفين من متبنّي نفس الاستراتيجيا إلا أن سياق تهديد الحقل من الخارج وسرعة تنامي الظاهرة الإرهابية من ناحية وعجزهم عن إرساء قواعد جديدة للمنافسة على ربح الجمهور تحت ضغط مقاييس المنافسة المفروضة من داخل تراتبية الحقل من ناحية أخرى، جعل أغلبهم يقع في نفس العفوية الصحفية وصحافة الإثارة اللتان تؤثثان التناول الفرجوي للأحداث الإرهابية معتبرين أن استخدام الحق في المعلومة وحرية الصحافة يمكّن الفاعل الصحفي من مقاومة الإرهاب بالخطاب الدرامي التهويلي تحت شعار “لا حياد مع الإرهاب“، منقادين في ذلك بنفس الوهم العفوي المشترك بأن هذه الاستراتيجيا كفيلة بالحد من الظاهرة وتقليص آثارها.
استراتيجيا التطبيع: التقاطع البنيوي
في مقابل تطور هذه الاستراتيجيا، نمت استراتيجيا مناقضة تتميز عن نظيرتها بالتقليل من أهمية الظاهرة تحت ضغط الأحداث حينا وتجاهلها أحيانا أخرى مقدمة شبكة قراءة مختلفة في تغطية أحداثها وصفا وسردا وفي تفسير عواملها وأسبابها، تستند أساسا إلى مفاهيم المؤامرة والتبرئة والتشكيك وتقدم الحدث عادة على أنه أهون الشرّين مقارنة بمعاقل الإرهاب في مناطق أخرى مشابهة للسياق التونسي. تبدو هذه الإستراتيجيا أقلّ هوسا بشدّ الجمهور المتلقي من نظيرتها إثارة أو إقناعا تبعا للضمانة التأويلية التي تجدها نوعية خطابها وخطها التحريري ولوفاء المتابعة لدى جمهور شبه انتقائي موجّه بالتسييس الإيديولوجي والحس الديني المشترك في تمثلاته المصاغة ضمن جماعات تأويلية يغذيها الخطاب الديني المهيمن في المساجد[25] أو الخطاب المتناقل في القنوات الخليجية[26]. فإلى جانب استغناء أغلب المؤسّسات الإعلامية المتبنية لهذه الإستراتيجيا عن عائدات الإشهار نظرا للتمويل الذي تلقاه في إطار مشروع تأسيسي لإعلام زبوني بديل عن الزبونية التقليدية ومكمّل تأويلي لأخبارها كما يظهر جليا في ما يسمى “بالتغطية من الدرجة الثانية“[27] للأحداث الإرهابية، فتترك غالبا صناعة الخبر لغيرها من المؤسسات الإعلامية وتكتفي بوظيفة إعادة قراءته وفق شبكة تأويلية مغايرة تشحنه بمعان تلقى الرواج المطلوب رغم مخالفتها لمنطق الحدث وسياقه في أغلب الحالات. أما الخاصية الثانية لهذه الإستراتيجيا فتكمن في ملمحها الانطباعي في تناول الأحداث الإرهابية حين تُسقط الموقف السياسي على الخبر والرأي الإيديولوجي على المعلومة حتى تفيض التخمينات التحليلية فتغطّي على الحدث الإرهابي الذي ينزاح إلى الهامش لصالح القراءة التأويلية المسقطة في حركة هروب تحليلي إلى الأمام باسم “صحافة رأي” تروي سرديات انطباعية تفتقد لنواتها الخبرية[28] ولتقنيات الوصف والسرد فتخسر بذلك أهم رهانات المنافسة. قد يبدو أن هذه الخاصيات العامة لا تتوافق مع الاستراتيجيا الإرهابية في استفادتها من الدعاية الإعلامية بالأحداث التي تقترفها، غير أن التحليل السوسيولوجي يمكن أن يكشف خفايا التقاطعات بين هذا النوع من الخطاب الصحفي حين يجتهد في نزع الصفة الدينية السياسية عن الإرهاب وزرع الضبابية والريبة حول خلفياته، وبين أهداف الفاعل الإرهابي وانتظاراته من هكذا نصوص إعلامية تهمل الدعاية المجانية بالحدث لفائدة دعاية من نوع آخر.
.إلى جانب هذه الملامح العامة، تستند استراتيجيا التبسيط إلى مجموعة من الخصائص تحيل في مجملها على تبسيط الظاهرة الإرهابية بالتقليل من خطورة تهديدها المجتمعي وتجاهل خلفياتها الفكرية الدينية والتعتيم على حواضنها السياسية والمدنية والاجتماعية إلى جانب تبرير التسامح الثقافي السياسي والتساهل الأمني القضائي مع جماعاتها الدعوية منذ ظهورها على مسرح الأحداث السياسية بعد 14 جانفي 2011. فقد كان تبرير التسامح مع التنظيمات السلفية التكفيرية باعتبارها حركات دينية ثقافية[29]، مقوّما أساسيا لخطاب هذا الصنف من المؤسسات الإعلامية حديثة العهد بالتأسيس في مستوى خطوطها التحريرية ومقاييس انتداب بعض الصحفيين الشبان وحتى أغلبية الدخلاء من غير المهنيين ضمن مشروع تأسيسي لصحافة إسلامية بديلة اقتناعا من الإسلام السياسي الداعم بأن أسلمة المجتمع والدولة تبدأ بالمجال الإعلامي. ورغم النقاش الدائر حول مخاطر التساهل مع تلك الجماعات السلفية، فإن هذا الخطاب الصحفي سعى في بادئ الأمر إلى إنكار خطر الإرهاب واعتباره “فزاعة موروثة كان يستخدمها النظام السابق لتبرير ضرب قوى الصحوة الإسلامية في البلاد” في تناغم مع المواقف السياسية المبررة التي كانت تحاول الاستفادة من هذه الظاهرة في موازين القوى السائدة.
مع نمو الظاهرة الإرهابية وانطلاق مسلسل الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية، تغيرت نبرة هذا الصنف من الخطاب الصحفي من التمجيد والدفاع إلى إدانة الفعل واستثناء الفاعلين بخطاب التبرئة مستخدما نظرية المؤامرة[30] واتهام رموز النظام السابق بالوقوف وراءها، وهي الخلفيات التي سوف ترافق أصحاب هذه الإستراتيجيا وإن بتقيّة صحفية حتى بعد التصنيف الرسمي لأحدى أهم الجماعات السلفية على أنها تنظيم إرهابي متورط في الاعتداءات الإرهابية والاغتيالات[31]، بعد أن كانت تونس مجرد أرض دعوة ومنطقة عبور للجهاد. وفق هذه الخلفية يحاول أصحاب هذه الاستراتيجيا أن يقدّموا مفهوما مغايرا للإرهاب تحيل خلفيته الفكرية أحيانا إلى مجرد “تشدد ديني” يمكن مواجهته بالحوارات الفقهية، في حين تنسب أحداثه عادة إلى فاعل أعمى لا يميز بين أهدافه لا يحمل اسما ولا نسبا مرجعيا، وكأنه شبح مارد لا عقل له تتلاعب به المؤامرات الخارجية والداخلية. وتقدّم همجيته الدموية باعتبارها هجوما منظما على الإسلام والمسلمين مستغلين هذا التبسيط الذي يلقى رواجا لدى المشاعر الدينية الشعبية الموروثة لتصادم الإسلام بالغرب الكافر في استحضار متكرر ومتعمّد للحروب الصليبية خارج السياقات التاريخية لمثل هذه المقارنات سواء في طرائق صياغة الأخبار أو تحليل أحداث العنف السياسي الديني. إنه صدام حضارات معكوس يُختزل مع استراتيجيا التطبيع الإعلامي في صراع الإسلام السياسي بمختلف مكوناته مع كل مكونات الغرب الموحّدة والمتجانسة، فيتبنى أصحابها هذه المقولة الكلية الإطلاقية لا لقناعة بصحة براهينها النظرية والإجرائية بل لتوافقها مع ما يبرر مشروعية الدفاع عن “الأمة الإسلامية المستهدفة” بواسطة مشاريع الأصوليات الدينية، متعمدين تجاهل أحداث الصدام الدموي للهمجيات[32] من داخل كل حضارة وكل ديانة والذي تعبّر فيه الظاهرة الإرهابية عن أحد وجوهه الأكثر إجرائية، وهو ما يظهر أحيانا في الخطاب الصحفي من تبرئة دينية سياسية تتعمد حذف الصفة الأخيرة من تسمية “تنظيم الدولة الإسلامية“.
أما الصفة الانتقائية لهذا التعريف فتختزل الإرهاب في أحداثه الدموية التي تفرض نفسها على صحفيي هذا التوجه مقابل تجاهل أسبابه المباشرة تكفيرا أو تحريضا أو حتى تهديدا بالاغتيال، كما تتعمّد هذه الإستراتيجيا التجاهل الإعلامي لتعنيف الفنانين وتسيير الشرطة السلفية واكتشاف مخابئ الأسلحة والمخططات المبرمجة، مثلما يتم القفز على عمليات تسفير الشبان والشابات، بل كثيرا ما يتم اشتغال هذا الصنف من الخطاب على التنديد الانتقائي بالتضييق على حرية التنقل والسفر مع توظيف قضايا حقوق الإنسان بتمييز ضحايا التعذيب من الإرهابيين والمشبوهين عن ضحايا نفس التعذيب من المتهمين بجرائم الحق العام.
تستخدم هذه الإستراتيجيا إثارة مضادة لمشاعر الجمهور المتلقي بانتقاء الاعتداءات التي تمارس ضد المسلمين والإسلاميين وحتى أحداث الصراع مع الجماعات الإرهابية المسلحة لتبرير مقولة “الإسلام في خطر” وإطلاق صيحات الفزع الديني بالغة التأثير في الوجدان الشعبي، مبررة عديد الأحداث الإرهابية الخارجية بردود فعل مقاومة تمييزا للإرهاب الهجومي عن الجهاد كتكتيك دفاعي مشروع سواء باسم المقاومة أو باسم الثورة. بذلك يتبنى هذا الخطاب الصحفي بدوره مفهوما غامضا للإرهاب لا يميز بين أبعاده في مستوى توصيف الفاعلين وتحليل الخلفيات والدوافع محاولا إقامة تمييز سياقي مزدوج المعايير بين الجهاد والتشدد من ناحية والتطرف والإرهاب من ناحية أخرى خارج الإطار الأصولي[33]، فما يعتبره هؤلاء الفاعلين إرهابا في تونس لا يُعتبر كذلك في السياق السوري أو المصري ولو تعلّق الأمر بنفس الأحداث بتقنياتها وأهدافها وضحاياها، كما تنزع الصفة الإرهابية عن صياغة أخبار العنف السياسي الموجه ضد الشيعة وعن تحليلها، في حين ترجع نفس الصفة لهؤلاء الأخيرين حتى لو تعلق الأمر كذلك بنفس الممارسة السياسية العنيفة وبنفس السلوك الإرهابي. أما إرهاب الدولة في ممارسة المعالجة الخبرية أو التحليلية لهذه الاستراتيجيا فينسحب على أنظمة تسلطية دون غيرها في العالم العربي وعلى الدول الاستعمارية لكنه سرعان ما يسقط عن أنظمة أخرى مثل نظامي الحكم في كل من السودان وتركيا اللذان يمارسان إرهاب دولة منظم تجاه الأقليّات المعارضة سواء كانوا انفصاليين أو اندماجيين.
وبمقابلة التطرف الديني بنتائجه الدموية مع التطرف العلماني، تساوي هذه الإستراتيجيا بين الإرهاب الجسدي وما تعتبره إرهابا فكريا في مستوى الخلفيات والنتائج بهدف التقليل من خطورة الظاهرة الإرهابية وتوسيع مفهومها حتى يذوب في تعميمات تعيد صياغة تمثلات المتلقين بطريقة تقود ضمنيا إلى تبرير العنف الإرهابي بوصفه عنفا دفاعيا والتطبيع الفكري والسياسي مع الصراع الهمجي بديلا عن الصراع السلمي، وهو ما يمثل تقاطعا آخر مع الإستراتيجيا الإرهابية في مستوى مأسسة العنف السياسي واعتبار الإرهاب أحد أشكاله المشروعة[34]. أما من ناحية التقاطع النظري، فإن استخدام هذا الصنف من الصحفيين مفهوما انتقائيا ستاتيكيا لهوية يعتبرها مستهدفة لذاتها، إنما يبرر عنفها الدفاعي عن النفس والمال والعرض إذ يختزلها في بعد ديني أحادي مهملا بقية الأبعاد الاجتماعية والمدنية والحضارية للانتماء الفردي والاجتماعي[35]. وعلى أساس هذا التصور الاختزالي للهوية يتقاسم الفاعل الصحفي عديد المواقف التي تصب ضمنيا في أحد أهم مكونات الاستراتيجيا الإرهابية التصادمية التي تقسم العالم إلى مسلمين ضحايا العصر وأبرياء التاريخ، يحملون رسالة عالمية لأسلمة العالم، وغرب كافر متربص متآمر لابد من مقاومته وإسقاطه. في هذا المستوى يظهر التباين بين الفاعل الصحفي المتبني لتكتيك المقاومة السلمية لإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق أحكام الشريعة تحت إكراه موازين القوى المحلية والدولية، وبين فاعل إرهابي يتبنى تكتيك المجابهة المباشرة بشحن الهوية بالاستنفار القاتل.[36]
لكن أكثر ما يميز هذا النوع من الخطاب الصحفي هو تلك التفسيرات التي لا تلحق بقوة الآلة الإرهابية عقديا وتنظيميا على التأثير في المنفذين كما في التصور التضخيمي، بل بتأثير المخدرات أو تجنيد المخابرات الأجنبية للمرتزقة من المنحرفين، أو بتواصل ممارسات التعذيب والتعدي على الحريات الدينية في اللباس والمظهر أو كذلك باستبعاد دعاة السلفية من المنابر الدينية، متجاهلين طبيعة الممارسة الجهادية للعنف السياسي في تاريخ الثقافة السياسية العربية المتوارثة[37]. يقع هؤلاء الصحفيون عادة ضحية المناهج الانتقائية في قراءة التاريخ السياسي الإسلامي باعتباره تاريخا أسطوريا يبرئ الثقافة السياسية الموروثة قيما وسلوكا من العنف الممنهج مثلما يقدمه أصحاب القراءات التمجيدية للتراث والتاريخ معتبرين أن ما يعاش من إرهاب ديني غريب عن الممارسة السياسية الإسلامية عبر مختلف مراحلها التأسيسية والتوسعية وحتى مرحلة التراجع والانهيار، فيتبنى الفاعل الصحفي هذه الأطروحات التي تلقى تسويقا واسعا لدى الجماعات التأويلية التي ينتمي إليها جمهوره المستهدف. بذلك ينعكس هذا الخطاب في التمثل الصحفي فيتجاهل أصحابه السياقات الإقليمية والمحلية المشجعة على نموّ الظاهرة الإرهابية من خلال تجاهل مختلف الحواضن الدينية والسياسية والمدنية متغافلين عما استفادته الجماعات السلفية من غطاء سياسي للسيطرة على المؤسسات الدينية بالدعاية للجهاد واستغلالها للتجنيد وتنظيم الخيمات الدعوية في الأفضية العمومية خاصة أمام المؤسسات التربوية. أما بخصوص حواضن الجمعيات الداعمة المالية والتنسيقية باسم العمل الخيري، فيبرؤها هذا الخطاب الصحفي ويعتبر مجرد اتهامها مؤامرة أخرى تحاك للتضييق على الحريات المدنية مثلما يبرئ الحواضن الدولية التي تعترف بدعم الجماعات “الجهادية” باسم إسقاط النظام السوري أو إسقاط الانقلاب في مصر أو كذلك “التصدي للمدّ الشيعي الصفوي“. ولتفسير ظاهرة الإقبال القياسي للتونسيين على القتال الإرهابي في مناطق الحروب الأهلية، تُقدّم تفسيرات تختزلها في سياسات تصفية الإسلام السياسي المعتدل وتجفيف منابع التعليم الديني وإقصاء رجال الدين من المجال المدني خلال “مراحل التجهيل الديني” المتعمّد. قد لا تتفطن هذه الإستراتيجيا لنتائج مثل هذه التفسيرات التبريرية أو تتجاهل ما قد تحدثه عند صنف من المتلقين المنتمين إلى جماعات تأويلية تروّج لهذا الخطاب السلفي الذي يدعّم شعورا دينيا جماعيا بالذنب مؤجّجا روح الانتقام الديني عند الكثيرين من أنصار الإسلام السياسي تعويضا عن عقدة ذنب جماعية أصبحت تسكن عديد تمثلاتهم المشتركة للتدين في المجتمع التونسي.
تساعد مختلف هذه الممارسات الصحفية الانطباعية المشحونة بالتبرير الإيديولوجي في ما يسعى إليه الخطاب الإرهابي الفرجوي من صناعة رأي عام قابل للوقوع تحت تأثير مثل هذه التمثلات المصاغة حول نواة الحدث الإرهابي، التي لا تعلن مساندته صراحة، بقدر ما توجه تأويله نحو تفهّم سلوك الشباب باعتباره ضحية فهم متشدد للدين وللجهاد. إضافة إلى ما تهدف إليه الإستراتيجيا الإرهابية من تبرير الحوار غير المباشر تحت الضغط النفسي والذهني للقبول بالأمر الواقع وتقديم التنازلات السياسية في خضمّ الإرباك والفوضى[38]، وهي إستراتيجية الإرهاب الاتصالي المعاصر التي تنمو في مختلف تمثلاتها الاجتماعية المساندة والمناهضة والمترددة بما يتوفر من تغطية إعلامية هادفة بذلك إلى التفاوض غير المباشر مع مكونات المجتمع السياسي والمدني بتوسيط وسائل الإعلام الجماهيرية التي تدينه أو تلك التي تبرر أسبابه ودوافعه.
تبقى مقاربة العلاقة بين الإعلام والإرهاب في مستوى إستراتيجيا التطبيع غير مكتملة دون تحديد ملامح الفاعلين الصحفيين الذين يتبنونها وتحليل خلفياتهم السياسية والمهنية من داخل الممارسة الخصوصية للحقل الصحفي لتفسير الأسباب الكامنة وراء انتماءهم لهذه الإستراتيجيا من خلال تفكيك صراع المواقع حول رهانات الحقل الرمزية والمادية وضبط دور التطبع الصحفي الموروث في ذلك. يكمن الملمح الأول لهذا الصنف من الفاعلين أفرادا ومؤسسات في حداثة عهد الأغلبية الساحقة منهم بالامتهان الصحفي الذي أتوا إليه من آفاق مختلفة تراوح بين هواية التدوين الإلكتروني والمستبعدين أمنيا أو بين المهاجرين المتمتعين باللجوء السياسي أو كذلك بقلة من المختصّين حديثي العهد بالتخرج، لا يجمعهم غير التعاطف السياسي أو الإيديولوجي مع الإسلام السياسي. أما الأقلية ممن غيروا مواقفهم السياسية القديمة إلى زبونية جديدة، فلهم تجربة صحفية سابقة في بعض المؤسسات الخاصة في مجالات كالرياضة والمتفرقات لم تمكنهم من مراكمة ما يكفي من رأس مال رمزي لاحتلال مواقع متقدمة داخل هرمية الحقل باستثناء حالات نادرة ممن تعاقدوا مع مؤسسات إعلامية خليجية. وزيادة على نقص التجربة المهنية التي تجعل من انتماء أغلبهم للحقل الصحفي أقرب إلى الهواية منه إلى الاحتراف المتخصص تعوزهم في ذلك الحرفية وتقنيات التحرير والتحقيق والمقابلات الصحفية، يتميز أغلب هؤلاء الفاعلين بانتماءاتهم الإيديولوجية الضمنية والصريحة مما يؤثر في انطباعية الخطاب الصحفي الذي ينتجونه حول مواضيع العنف السياسي والإرهاب أشكالا ومضامين ويطبعه بالأساليب المباشرة في تغطية الأحداث الإرهابية والتعليق عليها وتحليل خلفياتها وأبعادها واستشراف آثارها. بذلك لا ينقاد هذا الصنف من الصحفيين كثيرا بالقواعد الديونتولوجية والمهنية المتفق عليها من حيث المهارات والتقنيات[39] خاصة في مجال القضايا السياسية، بقدر ما يعطون أولوية للرأي على حساب الحدث وللموقف على حساب المعلومة، مما يضعف حجم الاعتراف الداخلي بمشروعية انتماءهم للحقل التي تصل حد الإلغاء من قبل المهيمنين ونعت بعضهم إما بالدخلاء على المهنة أو بالإعلام الموازي، وهو ما يحدّ من آفاق مراكمة رأس مال رمزي يحتاجون فيه إلى الاعتراف الداخلي، من أجل صعود هرمية الحقل.
خاتمة
مهما كان موقع الفاعل الصحفي وحجم رأس ماله الرمزي، ومهما كانت إستراتجيته في تناول الأحداث الإرهابية بطريقة مقصودة أو عفوية، يظل سجين تطبع تاريخي يكرهه على ضرورة التموقع السياسي وفق نموذج العلاقات الزبونية مع الفاعل السياسي فيتأثر عادة بالموقف السياسي على حساب الموقف الصحفي، وهو ما يمثل عائقا أمام تطور صحافة حرة ومسئولة قادرة على التحول إلى سلطة رابعة[40]، مثلما يعيق صياغة استراتيجيا صحفية موحدة المعالم والأهداف في تناول الظاهرة الإرهابية التي مازالت تنمو على وقع تقاطع إستراتجيتها بنيويا ووظيفيا مع إستراتيجيات صحفية لم تتجاوز عفويتها وانطباعيتها من أجل تحويل المعلومة والخبر إلى أدوات تحرر من إكراهات الأحداث المتربصة والظواهر المهددة ومساعدة الجمهور على فهم المحيط لاتقاء مخاطره والاستفادة من إمكانياته وتجاربه.
بتحليل المواجهة الإعلامية بين الإستراتيجيتين وتبادل التهم والصراع على رهانات داخل الحقل وخارجه، تبدو إستراتيجيا التضخيم ذات طبيعة دفاعية رغم انتشارها لدى أغلب المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة تحاول الدفاع عن المواقع الرمزية لأصحابها استنادا إلى القواعد المهنية الموروثة في بعضها والمستجدة في بعضها الآخر خاصة ما يرتبط بمسؤوليتها تجاه النظام الجمهوري والمكاسب الحداثية والدفاع عن الاستقلالية الشكلية للإعلام دون القطع مع بعض الأشكال الزبونية. أما خط دفاعها الثاني فيتمثل في الانخراط التلقائي في مقاومة الإرهاب الذي يتجاوز الحيادية المهنية كما في مواضيع أخرى رغم الاكتفاء بعفوية صحفية تقود إلى استخدام مختلف تقنيات تضخيم الظاهرة كوسيلة للتحسيس بخطورتها والتنبيه إلى آثارها الكارثية، فتسقط في تقاطع عفوي لكنه وظيفي مع أهدافها الاتصالية بإخراج أحداثها الفرجوية على الركح الإعلامي الفرجوي تعميما وتعميقا لآثارها النفسية غير محسوبة العواقب على الرأي العام.
بالمقابل تبدو إستراتيجية التبسيط والتطبيع إستراتيجية هجومية ناتجة عن ضعف رأس المال الرمزي لأصحابها ومحدودية المؤسسات والصحفيين الذين يتبنونها تهاجم المواقع المهيمنة وغير المهيمنة بمؤسساتها وصحفييها، محاولة تغيير قواعد التنافس حول الرهانات الصحفية والمبادئ الديونتولوجية لاشتغال الحقل واضعة حدودا أخلاقية دينية لحرية الصحافة في تأويل محافظ لنظرية المسؤولية الاجتماعية[41]. غير أن أصحابها يحاولون استخدامها لإنتاج صحافة رأي انطباعية محافظة شبه متخصصة في إعادة قراءة الخطاب الإعلامي لصالح مواقف إيديولوجية سياسية لا تنجح كثيرا في إخفاءها، وهو ما يمثل تقاطعها البنيوي مع أهم مكونات الإستراتيجيا الإرهابية في زرع الشكّ والريبة حول الإرهاب وإغراق تعريفه وفاعليه في ضبابية فكرية سياسية تؤدي إلى إضعاف الثقة بين مؤسسات الدولة والرأي العام.
بتوظيف هذين النموذجين، ينجح الإرهاب عادة في فرض التفاوض غير المباشر مع الرأي العام والسلطة السياسية[42]، حاضرا بنوعية التغطية الإعلامية وأشكالها في ثنايا البرامج السياسية والحملات الانتخابية والخطط الأمنية العسكرية لمحاربته في أقوى حلقاته وأوسع مساحاته المفضلة. في حين تُترك أضعف حلقات الظاهرة، الاتصالية الدعائية لعفوية الصحافة وانطباعيتها اللتان تمثلان بساطا فرجويا مغذيا لكرة ثلج لن تذيبها غير نفس الممارسة الصحفية المستقلة عن المنطق الزبوني والواعية لآثار خطابها والمختصة بمجالات تدخلها حين تكتشف أن الصراع مع الظاهرة الإرهابية أصبح يخاض على أعمدة الصحف المكتوبة وموجات البث الإذاعي وشاشات التلفزيون كما على المواقع الإلكترونية لشبكات التواصل الاجتماعي[43]. إن غياب الإعلام المختص في قضايا الأمن والإرهاب وفي الإعلام القضائي يضعف من مراقبة هذه السلطات التي تتهم من حين لآخر بالتورط تقصيرا أو تهاونا أو تساهلا في بعض المعالجات المؤسسية للجرائم الإرهابية، دون رصد إعلامي موضوعي أو متابعة صحفية استقصائية، كفيلة بتجاوز ما تغذيه الإشاعات من تطبيع وإرباك مع ما قد يصحّ منها من اختراقات فعلية.
—————-
الببليوغرافيا
بن مسعود (المعزّ)، “الإعلام والفاعلون السياسيون في فترة الانتقال الديمقراطي في تونس”، في دليل التغطية الصحفية للأحداث السياسية، منشورات معهد الصحافة وعلوم الإخبار، تونس 2013، ص 17- 45.
جلبير الأشقر، صدام الهمجيات: الإرهاب، الإرهاب المقابل والفوضى العالمية قبل 11 أيلول وبعد، ترجمة كميل داغر، دار الطليعة، بيروت، 2000.
التليلي (جلال)، الصحافة والإيديولوجيا التنموية تحت النظام التسلطي، نقوش عربية، تونس، 2013.
نوراني (أ.ج)، الجهاد والإسلام، التحيّز في مواجهة الواقع، ترجمة حسن (رياض)، دار الفرابي، بيروت، 2007.
معلوف (أمين)، الهويات القاتلة، ترجمة محسن (نبيل)، ورد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1999.
علوان (حسن)، موضوعات الإرهاب في الفضائيات العربية، دراسة في الشكل والمضمون، رسالة دكتوراه في الإعلام والاتصال، الأكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك، 2008.
العلوي (هادي)، الاغتيال السياسي في الإسلام، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 1999.
عزي (عبد الرحمان)، قوانين الإعلام، قراءة معرفية في النظام الأخلاقي في ضوء الإعلام الاجتماعي، الدار المتوسطية للنشر، 2014.
مركز تونس لحرية الصحافة، “التغطية الإعلامية للإرهاب بين الحق في التعبير وحماية الأمن القومي والالتزام بأخلاقيات المهنة”، تقرير صادر عن وحدة رصد وتوثيق الانتهاكات الواقعة على الإعلام التونسي، تونس، نوفمبر 2014.
السعيداني (منير)، “تحولات الحقل الديني في تونس”، نص غير منشور.
صنّ (أمارتيا)، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة توفيق (سحر)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة “علم المعرفة” عدد352، يونيو 2008.
Bourdieu (Pierre), Sur la télévision, Liber. /Raisons d’agir, Paris, 1996, p12.
Bourdieu (Pierre), Questions de sociologie, Cérès Editions, Collection « Idéa », Tunis, 1993, (Edition originale, Minuit, Paris, 1984), p 116.
Charon, (Jean-Marie), Les journalistes et leurs publics: le grand malentendu, Vuibert, Paris, 2007.
Hofman (Bruce), Mc Kormick (Richard) “Terrorism, Signaling and Suicide attack” in Studies in Conflict and Terrorism, n°27, 2004, pp 243-281.
Chouikha (Larbi), “Fondements et situation de la liberté de l’information en Tunisie: Essai d’analyse”, in L’Information au Maghreb, Sous la direction de S. Freund (Wolfgang), Cérès Productions, Collection “Enjeux”, Tunis, 1992, pp 71-93.
Ferenczi (Thomas), Le journalisme, P.U.F. Paris, 2005.
Ginet (Bertrand), Médias et information dans le monde arabe : les nouveaux hérauts de la démocratisation, Rapport de la Fédération Internationale des Journalistes, Juin 2005.
Garcin-Marou (Isabelle), Terrorisme, médias et démocratie, P.U.L. Collection “Passerelle”, Lion, 2001.
International Crisis Group, “Tunisie : violences et défi salafiste”, Rapport Moyen-Orient/Afrique du Nord N°137 13 février 2013.
Lits (Marc), “Pour une analyse narratologique de l’information télévisée”, in Quaderni, n°74, 2011, pp25-36.
Lits (Marc), “La presse à sensation. Sensation, sensationnel et sensationnalisme“, in Médiatiques : récit et société, Département de communication, Vol. 16, 1999.
Mannouni (Pierre), Bonardi (Christine), “Terrorisme et mass médias”, in L’Esprit du Temps, n°83, Février 2003, pp 55-72.
Marret (Jean-Claude), Terrorisme: Les stratégies de communication”, Centre d’Etudes en Sciences sociales de la Défense, Juillet, 20003.
Mégie (Antoine) “La scène terroriste: Réflexions théoriques autour de l'”ancien” et du “nouveau” terrorisme”, in Revue Canadienne des Sciences politiques, Volume 43, Avril 2010, Cambridge University Press, pp 983-1003.
Merton (Robert King), Eléments de théorie et de méthode sociologique, Armand Colin, 1997.
Nacos (Brigitte L.), Médias et terrorisme, Du rôle central des médias dans le terrorisme et le contre-terrorisme, Trad. Berry (Monique), Nouveaux Horizons, Paris, 2005.
Passet (René), Liberman (Jean), Mondialisation financière et terrorisme, Editions de L’Atelier, Colection “Enjeux Planète”, Paris, 2002.
Schramm) Wilbur), L’information et le rôle de l’information dans les pays en voie de développement, Nouveaux Horizons, 2éme éditions, Paris, 1974.
Sfez (Lucien), Critique de la communication, Editions du Seuil, Paris, 1988.
Taguieff (Pierre-André), La foire aux illuminés : ésotérisme, théorie du complot, extrémisme, Paris, Mille et une nuits, 2005.
Zamit (Fredj), “Albert Camus : réflexivité et éthique journalistique” in Les Cahiers du journalisme, n° 26, Printemps/Été 2014, pp 182-197.
[1] Bourdieu (Pierre), Sur la télévision, Liber. /Raisons d’agir, Paris, 1996, p12.
[2] Nacos (Brigitte L.), Médias et terrorisme, Du rôle central des médias dans le terrorisme et le contre-terrorisme, Trad. Berry (Monique), Nouveaux Horizons, Paris, 2005, p37.
[3] Mannouni (Pierre), Bonardi (Christine), “Terrorisme et mass médias”, in L’Esprit du Temps, n°83, Février 2003, pp 55-72.
[4] هي سلوك استراتيجي مرتهن ينشأ عن تحويل الحقوق في حقل ما إلى امتيازات أو دعم يوزعها الفاعل السياسي المهيمن على من يشهر له الولاء السياسي الناشط.
[5] Bourdieu (Pierre), Questions de sociologie, Cérès Editions, Collection « Idéa », Tunis, 1993, (Edition originale, Minuit, Paris, 1984), p 116.
[6] المرجع السابق، نفس الصفحة.
[7] المرجع السابق، نفس الصفحة.
[8] Hofman (Bruce), Mc Kormick (Richard) “Terrorism, Signaling and Suicide Attack” in Studies in Conflict and Terrorism, n°27, 2004, pp 243-281, p 245.
[9] Mannouni (Pierre), Bonardi (Christine), “Terrorisme et mass médias”, Op.Cit. p65.
[10]Schramm) Wilbur), L’information et le rôle de l’information dans les pays en voie de développement, Nouveaux Horizons, 2éme éditions, Paris, 1974, p 67.
[11] Mannouni (Pierre), Bonardi (Christine), “Terrorisme et mass médias”, Op. Cit. p58.
[12] مركز تونس لحرية الصحافة، “التغطية الإعلامية للإرهاب بين الحق في التعبير وحماية الأمن القومي والالتزام بأخلاقيات المهنة”، تقرير صادر عن وحدة رصد وتوثيق الانتهاكات الواقعة على الإعلام التونسي، تونس، نوفمبر 2014، ص ص4-5.
[13] Merton (Robert King), Eléments de théorie et de méthode sociologique, Armand Colin, 1997, p 87.
[14] Nacos (Brigitte L.), Médias et terrorisme, Du rôle central des médias dans le terrorisme et le contre-terrorisme, Trad. Berry (Monique), Nouveaux Horizons, Paris, 2005, p236.
[15] Sfez (Lucien), Critique de la communication, Editions du Seuil, Paris, 1988, p28.
[16] بن مسعود (المعزّ)، “الإعلام والفاعلون السياسيون في فترة الانتقال الديمقراطي في تونس”، في دليل التغطية الصحفية للأحداث السياسية، منشورات معهد الصحافة وعلوم الإخبار، تونس 2013، ص 17- 45، ص 24.
[17] Zamit (Fredj), “Albert Camus : réflexivité et éthique journalistique” in Les Cahiers du journalisme, n° 26, Printemps/Été 2014, pp 182-197.
[18] Lits (Marc), “La presse à sensation. Sensation, sensationnel et sensationnalisme“, in Médiatiques : récit et société, Département de communication, Vol. 16, 1999, p2-5.
[19] Garcin-Marou (Isabelle), Terrorisme, médias et démocratie, P.U.L. Collection “Passerelle”, Lion, 2001, p112.
[20] Mégie (Antoine) “La scène terroriste: Réflexions théoriques autour de l'”ancien” et du “nouveau” terrorisme”, in Revue Canadienne des Sciences politiques, Volume 43, Avril 2010, Cambridge University Press, pp 983-1003, p990.
[21] Nacos (Brigitte L.), Médias et terrorisme, Du rôle central des médias dans le terrorisme et le contre-terrorisme, Op. Cit. p42.
[22] Passet (René), Liberman (Jean), Mondialisation financière et terrorisme, Editions de L’Atelier, Collection “Enjeux Planète”, Paris, 2002, p61.
[23] التليلي (جلال)، الصحافة والإيديولوجيا التنموية تحت النظام التسلطي، نقوش عربية، تونس، 2013، ص 42.
[24] Chouikha (Larbi), “Fondements et situation de la liberté de l’information en Tunisie: Essai d’analyse”, in L’Information au Maghreb, Sous la direction de S. Freund (Wolfgang), Cérès Productions, Collection “Enjeux”, Tunis, 1992, pp 71-93, p72.
[25] السعيداني (منير)، “تحولات الحقل الديني في تونس”، نص غير منشور.
[26] Ginet (Bertrand), Médias et information dans le monde arabe : les nouveaux hérauts de la démocratisation, Rapport de la Fédération Internationale des Journalistes, Juin 2005, p33.
[27] Lits (Marc), “Pour une analyse narratologique de l’information télévisée”, in Quaderni, n°74, 2011, pp25-36.
[28] Charon, (Jean-Marie), Les journalistes et leurs publics : le grand malentendu, Vuibert, Paris, 2007, p102.
[29] International Crisis Group, “Tunisie : violences et défi salafiste”, Rapport Moyen-Orient/Afrique du Nord N°137 13 février 2013.
[30] Taguieff (Pierre-André), La foire aux illuminés : ésotérisme, théorie du complot, extrémisme, Paris, Mille et une nuits, 2005.
[31] يتعلق الأمر بتنظيم أنصار الشريعة في تونس.
[32] جلبير الأشقر، صدام الهمجيات: الإرهاب، الإرهاب المقابل والفوضى العالمية قبل 11 أيلول وبعد، ترجمة كميل داغر، دار الطليعة، بيروت، 2000.
[33] نوراني (أ.ج)، الجهاد والإسلام، التحيّز في مواجهة الواقع، ترجمة حسن (رياض)، دار الفرابي، بيروت، 2007، ص94.
[34] Marret (Jean-Claude), Terrorisme: Les stratégies de communication”, Centre d’Etudes en Sciences sociales de la Défense, Juillet 20003, p8.
[35] صنّ (أمارتيا)، الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، ترجمة توفيق (سحر)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة “علم المعرفة” عدد352، يونيو 2008.
[36] معلوف (أمين)، الهويات القاتلة، ترجمة محسن (نبيل)، ورد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1999.
[37] العلوي (هادي)، الاغتيال السياسي في الإسلام، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 1999.
[38] Mannouni (Pierre), Bonardi (Christine), “Terrorisme et mass médias”, Op. Cit. p76.
[39] Bourdieu (Pierre), Sur la télévision, Op.Cit. p23.
[40] Thomas Ferenczi, Le journalisme, P.U.F. Paris, 2005, p. 83
[41] عزي (عبد الرحمان)، قوانين الإعلام، قراءة معرفية في النظام الأخلاقي في ضوء الإعلام الاجتماعي، الدار المتوسطية للنشر، 2014.
[42] Mannouni (Pierre), Bonardi (Christine), “Terrorisme et mass médias”, Op. Cit. p70.
Nacos (Brigitte L.), Médias et terrorisme, Du rôle central des médias dans le terrorisme et le contre-terrorisme, Op.Cit. p274.



