أخبار العالمالشرق الأوسط

غزة بين الحصار والدمار: هل بدأت تلوح ملامح المرحلة الأخيرة من الكارثة الإنسانية؟

في واحدة من أكثر الحملات العسكرية دموية في تاريخ النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، تواجه غزة أزمة إنسانية غير مسبوقة وسط تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل. فقد تحولت المدينة المكتظة بالسكان إلى مسرح للحرب، حيث تدمر الغارات الجوية أحياء بأكملها، وتجبر السكان على الفرار دون وجهة آمنة. ومع استمرار الحصار الخانق، تنخفض إمدادات الغذاء والمياه والوقود إلى مستويات كارثية، ما يهدد حياة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع المحاصر منذ أكثر من 17 عامًا.

القصف بلا توقف: بين الاستهداف العسكري والمعاناة المدنية

مع بداية العمليات العسكرية الإسرائيلية، ركزت الضربات الجوية على ما وصفته تل أبيب بمراكز القيادة والسيطرة لحركة حماس، لكن نطاق القصف توسع ليشمل بنى تحتية حيوية، مثل المستشفيات، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي لحق بالقطاع، حيث تحولت مناطق بأكملها إلى أنقاض، وأصبح من المستحيل على السكان البقاء في منازلهم.

ورغم ادعاءات إسرائيل بأن عملياتها تستهدف المسلحين فقط، فإن الواقع يشير إلى أن الغالبية العظمى من الضحايا هم من المدنيين، حيث تتزايد أعداد القتلى والمصابين يوميًا، بينما تُرك عشرات الآلاف بلا مأوى. وتشير التقارير إلى أن أكثر من 70% من المباني السكنية في بعض المناطق قد دُمرت أو تعرضت لأضرار جسيمة، مما يجعل من المستحيل على النازحين العودة إلى ديارهم حتى لو توقفت الحرب.

وفي ظل استهداف المستشفيات، أصبحت الرعاية الصحية في غزة شبه منهارة. فالمستشفيات القليلة التي ما زالت تعمل تواجه نقصًا كارثيًا في الأدوية والمعدات الطبية، فيما تعاني سيارات الإسعاف من صعوبة التنقل لإنقاذ الجرحى بسبب الطرق المدمرة والقصف المستمر. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن الوضع في غزة يشكل أزمة طبية غير مسبوقة، حيث يواجه الأطباء نقصًا في التخدير، وأدوات الجراحة، وحتى أكياس الدم لإنقاذ الجرحى.

حصار مشدد وتجويع ممنهج

إلى جانب القصف، فرضت إسرائيل حصارًا مطبقًا على القطاع، حيث منعت دخول الوقود والإمدادات الغذائية والمياه، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية إلى مستويات كارثية. ويؤكد برنامج الغذاء العالمي أن سكان غزة يواجهون خطر المجاعة، حيث أصبحت المواد الغذائية نادرة جدًا، وارتفعت أسعار ما تبقى من المنتجات إلى مستويات خيالية، مما يجعل من المستحيل على معظم العائلات تأمين قوتها اليومي.

وأدت أزمة المياه إلى تفاقم الوضع، إذ توقفت معظم محطات تحلية المياه عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود، مما أجبر السكان على شرب المياه غير المعالجة، وهو ما ينذر بتفشي الأمراض والأوبئة في الأسابيع القادمة. كما أن تعطيل شبكات الصرف الصحي زاد من المخاطر الصحية، حيث باتت بعض المناطق في القطاع مهددة بانتشار الأمراض الناجمة عن تلوث المياه.

نحو تصفية القضية الفلسطينية؟

تزامن التصعيد العسكري في غزة مع تصاعد نبرة الخطاب السياسي الإسرائيلي حول إنهاء أي إمكانية لحل الدولتين، إذ بات واضحًا أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى القضاء على البنية التحتية لحركة حماس، بل تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والديمغرافي في غزة. فقد أشارت بعض التقارير إلى وجود خطط إسرائيلية غير معلنة لدفع السكان إلى الهجرة القسرية نحو سيناء أو دول أخرى، وهو ما يثير تساؤلات خطيرة حول مستقبل القضية الفلسطينية ككل.

وبينما تدعي إسرائيل أن حملتها تهدف إلى ضمان أمنها القومي، فإن الأوضاع على الأرض توحي بأن الهدف الأساسي هو فرض واقع جديد يجعل من غزة منطقة غير صالحة للحياة، مما يدفع سكانها إلى البحث عن حلول فردية للنجاة. ويثير هذا السيناريو قلقًا دوليًا واسعًا، حيث ترى بعض الدول أن ما يجري قد يصل إلى حد “التطهير العرقي”، وهو ما دفع منظمات حقوق الإنسان إلى المطالبة بفتح تحقيقات دولية حول الانتهاكات الجارية.

ردود الفعل الدولية: إدانة بلا أفعال

رغم حجم الكارثة الإنسانية، فإن ردود الفعل الدولية لا تزال تقتصر على الإدانات والتصريحات الدبلوماسية، دون اتخاذ أي خطوات فعلية لوقف القتال. وقد انعقد مجلس الأمن عدة مرات لبحث الوضع، لكن غياب أي توافق بين القوى الكبرى أدى إلى فشل التوصل إلى قرار يلزم إسرائيل بوقف إطلاق النار.

وفي الوقت نفسه، يستمر الدعم العسكري والسياسي من بعض الدول الغربية لإسرائيل، حيث تبرر هذه الدول موقفها بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، متجاهلة حجم الخسائر البشرية والمادية التي تلحق بالمدنيين الفلسطينيين. أما على المستوى الإقليمي، فقد اكتفت الدول العربية بالإدانات والمطالبات بوقف إطلاق النار، دون أي تدخل عملي يمكن أن يغير مسار الأحداث.

ما هو مستقبل غزة؟

مع استمرار العمليات العسكرية، تتزايد المخاوف من أن غزة قد تكون على أعتاب كارثة طويلة الأمد، حيث لا يقتصر التهديد على القصف والحصار، بل يمتد إلى مستقبل القطاع بأكمله. فإذا استمر التدمير على هذا النحو، فسيكون من الصعب إعادة إعمار غزة، خاصة في ظل انهيار اقتصادها بالكامل وفقدان آلاف العائلات لمصادر دخلها.

ومع عدم وجود أي مؤشرات على وقف قريب لإطلاق النار، يبقى السؤال الأهم: ما الذي سيحدث بعد هذه الحرب؟ هل سيتم فرض واقع جديد يجعل من غزة منطقة غير صالحة للعيش؟ أم أن الضغط الدولي سيجبر إسرائيل على تغيير مسارها؟

ما هو مؤكد حتى الآن، هو أن غزة تدفع الثمن الأكبر في هذا الصراع، حيث تتعرض لدمار شامل في ظل صمت عالمي. ومع تزايد أعداد القتلى، والنقص الحاد في الاحتياجات الأساسية، والخطر الداهم الذي يواجه سكانها، فإن غزة اليوم ليست فقط ساحة معركة، بل شاهدٌ على فشل النظام الدولي في حماية المدنيين من كوارث الحرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق