استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية 2026: من إدارة النظام الدولي إلى ضبط ميزان القوة

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 27-01-2026
استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 ليست مجرد تحديث عسكري دوري، بل إعلان صريح عن نهاية مرحلة ما بعد الحرب الباردة وبداية مرحلة تعتمد القوة كأساس لضبط النظام الدولي. الوثيقة لا تتحدث عن إدارة العالم أو الإصلاح المؤسساتي، بل عن منع انهيار ميزان القوى الدولي بما يضر بالمصلحة الأمريكية المباشرة.
القيمة الحقيقية لهذه الاستراتيجية ليست فيما تقول، بل في كيف تقول ذلك: لغة حادة، مباشرة، تحمل نقدًا ضمنيًا للمرحلة السابقة، وتعكس رؤية جديدة لا تساوم على المصالح الوطنية.
السياق الدولي: تفكك الردع التقليدي
تأتي الاستراتيجية في لحظة شعور أمريكي بأن أدوات الردع السابقة لم تعد كافية. الحرب في أوكرانيا كشفت محدودية الردع التقليدي؛ التحالفات الغربية أظهرت هشاشتها حين لا يُدعم الالتزام السياسي بقوة صناعية مستدامة؛ الصين واصلت صعودها العسكري والاقتصادي بوتيرة تاريخية.
على المستوى الداخلي، لم تعد الحدود وسلاسل الإمداد والصناعة الدفاعية مسائل تنظيمية أو اقتصادية فحسب، بل أصبحت أجزاء من معادلة الأمن القومي. لذلك، تشكل الاستراتيجية تصحيحًا لمسار استراتيجي متأخر، أكثر واقعية في التقدير وأشد صرامة في التنفيذ.
التحول العقائدي: من الردع إلى المنع
التحول الأكثر وضوحًا هو الانتقال من الردع إلى المنع. الردع يعتمد على عقلانية الخصم وخوفه من العواقب. المنع لا يفترض عقلانية الخصم بالضرورة، بل يركز على حرمانه من القدرة على تحقيق أهدافه.
في آسيا، يظهر هذا بوضوح في الدفاع القائم على المنع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ عبر سلسلة الجزر الأولى. الهدف ليس حربًا، بل خلق بنية قوة تجعل أي محاولة لتغيير الوضع القائم غير قابلة للتحقق عمليًا. هذا يعكس قناعة بأن الردع بالكلام والتهديدات لم يعد كافيًا.
الصين: التحدي الهيكلي وليس الأيديولوجي
الصين تمثل التحدي الأكبر للولايات المتحدة، ليس كعدو أيديولوجي، بل كقوة قادرة على إعادة تشكيل ميزان القوى. اللغة المستخدمة واضحة: لا تحريض، ولا دعوة مفتوحة للمواجهة، بل إدارة التوازن عبر القوة.
واشنطن تسعى لمنع الهيمنة الصينية دون محاولة الهيمنة عليها، مع التركيز على موازنة القوى بما يتيح تحقيق استقرار نسبي في المنطقة. هذه الرؤية تشير إلى أن الصراع مع الصين طويل الأمد، ولن يُحسم بضربة واحدة، بل بإدارة دقيقة للقدرات العسكرية والتحالفات والصناعة.
الحلفاء: من التبعية إلى الأداء الاستراتيجي
إعادة تعريف التحالفات مركزية في الاستراتيجية الجديدة. الحلفاء لم يعودوا شركاء قيم، بل شركاء أعباء. رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي ليس توصية، بل أداة ضغط لإجبار الحلفاء على المشاركة الفاعلة.
المظلة الأمريكية لم تعد مفتوحة بلا شروط. الالتزام الأمني مرتبط مباشرة بمستوى مساهمة الحليف في الردع الجماعي، وهذا يمثل نهاية مرحلة الأمن المدعوم أمريكيًا وبداية مرحلة الأمن المشروط بالأداء الفعلي.
الجغرافيا والاقتصاد: أدوات ضبط القوة
عودة الجغرافيا إلى قلب الاستراتيجية واضحة. قناة بنما، غرينلاند والممرات البحرية ليست مجرد نقاط عبور، بل مفاتيح تحكم بالحركة الاستراتيجية. الدفاع عنها لا يعني السيطرة، بل منع الخصوم من التحكم بالشروط.
كما تشدد الوثيقة على الصناعة الدفاعية بوصفها حجر الزاوية للردع والمنع. التفوق العسكري لن يكون ممكنًا بدون تفوق صناعي قادر على الإنتاج السريع والمستدام، وهو ما يجعل إعادة توطين الصناعات الدفاعية استراتيجية، لا اقتصادية فحسب.
الشرق الأوسط: ضبط السلوك لا إدارة الأزمات
في الشرق الأوسط، تعكس الاستراتيجية تحولًا من نهج إدارة الأزمات إلى نهج ضبط السلوك. إسرائيل مثال لحليف قادر على الدفاع عن نفسه. الفاعلون غير الدوليين، خصوصًا المرتبطون بالإرهاب أو المخدرات، يُعاد تصنيفهم كأهداف مباشرة، لا ملفات سياسية مؤجلة.
الدول الإقليمية أمام خيار واضح: شراكة فاعلة مع الولايات المتحدة أو تحمل كلفة الحياد في بيئة أقل تسامحًا مع الرمادية الاستراتيجية.
الخلاصة التقديرية
الاستراتيجية لا تعلن حربًا وشيكة، لكنها تضع قواعد اللعبة بطريقة صارمة: القوة وسيلة ضبط، والسلام ليس غاية مطلقة، والميزان الاستراتيجي هو المقياس.
واشنطن تعترف بأن إدارة العالم بالنوايا انتهت. المرحلة المقبلة تعتمد على إدارة ميزان القوة. هذا التحول لا يضمن الاستقرار الدائم، لكنه يعكس إدراكًا بأن التراجع في القوة أكثر خطورة من مواجهة المنافسين بصراحة وصرامة.



