اجتماع باريس والدور الأوروبي: هل يشكّل بديلاً عن الصراع الأمريكي – الإيراني؟

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتيجية 18-04-2026
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها مسارات الحرب والتهدئة، يبرز اجتماع باريس كحدث يتجاوز في دلالاته مجرد نقاش تقني حول أمن الملاحة، ليطرح تساؤلات أعمق حول مستقبل إدارة الأزمات الدولية، وإمكانية بروز دور أوروبي أكثر استقلالية في مواجهة منطق التصعيد الذي طبع المرحلة الأخيرة.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه إيران إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، في خطوة بدت وكأنها استجابة جزئية للضغوط الدولية، وكمؤشر على رغبة في التهدئة، تواصل الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب سياسة الحصار والضغط، ما يعكس تناقضاً واضحاً بين مسارين: أحدهما يتجه نحو تخفيف التوتر، والآخر يسعى إلى إبقائه أداة ضغط مستمرة.
في هذا السياق، يأتي التحرك الأوروبي، بقيادة إيمانويل ماكرون وكير ستارمر، كمحاولة لإعادة صياغة مقاربة مختلفة، تقوم على مبدأ الأمن الجماعي، والتدخل الدفاعي متعدد الأطراف، بعيداً عن الانخراط المباشر في الصراع. ولا يقتصر هذا التحرك على تأمين الملاحة، بل يمتد ليشمل معالجة التداعيات الاقتصادية للحصار، وضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
وبحسب ما تداوله النقاش في مؤتمر باريس، يُتوقع أن تتشكل قوة دفاعية متعددة الجنسيات قد تضم قرابة 12 دولة، ضمن إطار أوسع يشمل نحو 30 إلى 40 دولة مشاركة في المشاورات، وذلك بهدف دعم حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية الحيوية، على أن يكون نشر هذه القوة مشروطاً بتوافر الظروف الأمنية المناسبة.
اللافت في هذا الاجتماع أنه لا يضم أطراف النزاع المباشرين، بل يركز على الدول المتضررة من تداعياته، وهو ما يعكس تحولاً في التفكير الدولي، من إدارة الصراع إلى إدارة آثاره. كما أن الطرح الأوروبي بإمكانية نشر قوة متعددة الجنسيات ذات طابع دفاعي، يشير إلى محاولة خلق توازن جديد، يمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، دون الاصطدام المباشر مع أي من الأطراف.
غير أن هذا التحرك لا يمكن فصله عن التوتر المتصاعد بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. فقد سبق أن دعا دونالد ترامب أوروبا إلى تحمل مسؤوليات أكبر في تأمين المضيق، بل وانتقد مواقفها الرافضة للانخراط في الحرب، وهو ما دفع العواصم الأوروبية إلى البحث عن دور مستقل، لا يتماهى مع الاستراتيجية الأمريكية، ولا يصطدم بها بشكل مباشر.
وهنا تبرز معادلة معقدة: فهل تسعى أوروبا فعلاً إلى لعب دور بديل، أم أنها تحاول فقط إدارة تداعيات أزمة لم تشارك في صناعتها؟ الواقع يشير إلى أن أوروبا تتحرك ضمن هامش دقيق، فهي من جهة تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية، ومن جهة أخرى تحاول تجنب الانخراط في صراع مفتوح مع إيران.
في المقابل، تدرك إيران أن الانفتاح على أوروبا قد يمنحها فرصة لتخفيف الضغوط الدولية، دون تقديم تنازلات مباشرة لواشنطن، ما يجعل المسار الأوروبي خياراً براغماتياً لتقليل الكلفة السياسية والاقتصادية.
لكن نجاح هذا المسار يظل مرهوناً بجملة من التحديات، أبرزها القدرة على توفير الإمكانيات اللوجستية والعسكرية، إلى جانب مخاطر سوء التقدير في منطقة شديدة الحساسية أمنياً.
في المحصلة، لا يبدو اجتماع باريس مجرد تحرك ظرفي، بل يعكس بداية تشكل مقاربة دولية مختلفة، تحاول كسر ثنائية الحرب أو الفوضى، وفتح مسار ثالث يقوم على التهدئة والتوازن. وفي هذا السياق، تجد إدارة دونالد ترامب نفسها أمام اختبار حقيقي؛ فسياسة الضغط الأقصى لم تنجح في حسم الصراع، بل ساهمت في تعقيده وتوسيع هوة الخلاف مع الحلفاء.
ومع أن الحديث عن فشل كامل قد يكون مبالغاً فيه، إلا أن المؤكد أن استمرار هذا النهج دون مراجعة، قد يدفع واشنطن إلى مزيد من العزلة السياسية، ويمنح أوروبا فرصة لتعزيز دورها كفاعل دولي مستقل، في مقابل بقاء إيران في دائرة البحث عن توازنات جديدة.
إن اجتماع باريس، بهذا المعنى، ليس مجرد اجتماع عابر، بل قد يكون بداية لتحول تدريجي في موازين إدارة الصراع، حيث لم تعد القوة وحدها كافية، بل باتت القدرة على بناء التوافقات الدولية وتجنب الانزلاق إلى المواجهة هي العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة القادمة.



